رغم أنّها كانت تصرّ على لقب ( ماما ) الذي يسبق اسمها .. فإنّه لم يصنع لها الألفة التي كانت تظنّ أنّه قد يوفره لها .. هنا كانت تتواطأ على هذا اللفظ الذي يعني الكثير في مخزوننا الجمعي .. و هذا لقب تعطيه الجماهير، و لا يفرض عليها من قبل جوّابي الآفاق، ( عم ) احمد فؤاد نجم مثال على ذلك .. محبّوه هم من قبلوه ( عمّاً ).. كنت كلما رأيتها استجلبت ذاكرتي شكل الساحرات اللواتي يركبن مكنسة في أفلام الرسوم المتحرّكة .. و لا أدري لماذا تصرّ على صدم عيون المشاهدين بشكلها الذي عودتنا عليه، و كأنّها خارجة من القبر ..في البداية جلبت المشاهدين، و المتابعين .. ثمّ خبت تلك الهمروجة .. عندما اكتشف الجميع أنّها تخلط ( الدين، بالقمر دين، بالسمك، باللبن، بالتمر هندي )، و البسطاء عزفوا عنها لأنّهم لم يفهموها، و عزفنا عنها لأنّنا عرفنا أنّها تروّج لفكرة صهيونيّة هي ( عالميّة الدين ) ..نصف ساعة أيضا على قناة ( الجديد ) كشفت فيه هذه الشمطاء عن حقدها على الشعب العربي ..من سوزان مبارك .. إلى حسني .. إلى معمر القذافي .. إلى كلّ الطغاة ..و ناهبي خيرات الشعب .. كان صوتها المخنوق بالحسرة عليهم يلقي النفايات يمينا حتى يعجز اليمين، و يسارا حتى يعجز اليسار، و عندما عرض المذيع فيلما يصورها مع معمّر القذافي في وضع حميمي على رمال الصحراء ( لابدّ أنها كانت تحت تأثير كتاب عودة الشيخ إلى صباه في تلك اللحظات ) خانتها مفرداتها السوقيّة التي كانت تغلفها من قبل بالغطاء التنويري ، و عجزت عن التبرير .. كانت تدافع عن الصفّ الكافر، و تبرّر له معاصيه ( كانت تصرّ على : كما تكونون يولّى عليكم )، و انقلبت لتسفيه الشعب الليبي، و الثوّار ..و وحدها فقط كانت تتهم الإعلام بالترويج للدعارة، و العزوف عن أصحاب الفكر ..و وحدها فقط كانت تشعر بالهزيمة، و مثل داعرة خانها زمانها كانت تتصرّف على شاشة الجديد ...لتجعلك تؤمن أكثر أنّ هذه الثورات التي تصنعها الشعوب .. هي التي ستصوغ أفكارنا، و أحلامنا بعيدا عن المروجين لنظام حاكم بائد ..افكار، و أحلام بمساحة الصدق التي في صوت نوّارة نجم، و أفكارها، و أحلامها ..
في تسعينات القرن الماضي أنتج الكاتب المغربي سالم حاميش إبداعا أدبيّا سمّاه ( مجنون الحكم ) ... مزج فيه بين مخيلته الفذّة، و وقائع التاريخ ..في حينها كنت أقرأ في تلك الرواية صورة واضحة، عن العقليّة التي كان يسوسنا بها حكّامنا الطغاة .. و في نفس الوقت كان يشرح واقع الفئات الشعبيّة التي كانت تقاوم هذا البغي، و العدوان عليها من قبل مجانين لا يختلف عنهم في كثير مجانين حكم لفظتهم المؤسسة العسكريّة العربيّة التي كانت مهزومة دائما أمام شرذمة صهيونيّة لفظتها غيتوات أوربا ..مؤسسة مهترئة تحوّلت على مدى حياة الصراع العربي الصهيوني إلى بسطار يحمي النظام، و يولغ معه في الفساد .. و لقد انتخبت بعض المقاطع التي تزخر بها هذه الرواية، حيث انّك مباشرة ستجد نفسك أمام مبارك، أو زين العابدين، أو معمّر القذافي، أو علي عبد الله صالح، أو .......
1 – الحاكم بأمر الله في فرماناته :
- فاتقوني، و لا تطلبوا خلاصكم إلاّ منّي ..إنّي لأفعالكم، و نواياكم بالمرصاد ألتقط بالسهر، و التجسس أسوأها و أعتمها، ثمّ امحقها محقا ..
- عليكم دوما بطلب الأمانات مني فلكم أيها الأقوام الداخلون في عهدي، و خدمتي أن تختلفوا أجناسا، و أصنافا و شيعا، و لكن لا يجوز لكم أن تختلفوا فيّ ..
- كلكم ضدّي، و في غير اتجاهي، و مرادي إلى أن تظهروا آيات العكس ..
- هذا سعيري يشتهي لحم، و شحم كل من أعوزه الدعاء، و التضرع لي ..أو تأخّر فبات دون باب توبتي، و أماني
- وحقّ العين التي لا تنام .. لا بدّ لكم من استبدادي، و من جريان سيفي بينكم .. شفاء لكم، و وقاية حتّى تظلّ مصر كما كانت، و أبتغيها : لا يقطنها إلاّ راع، و رعيّة ..
2 - الشعب يردّ بالنكتة، و السخرية في مواجهة القمع :
في هذه الشهور كان بركان الرعيّة يرمي ( الحاكم ) بسيل جارف من العرائض، و الرقاع في القذف، و التشهير بنسبه، و حسبه، و أعماله ..فكان يقف عند اثنتين بالتخصيص مواجها فداحتهما بعينين حمئتين، و قلب مصدوع .. كان في إحداها : - بالظلم و الجور قد رضينا .... و ليس بالكفر و الحماقة
- إن كنت أعطيت علم الغيب .... فقل لنا كاتب البطاقة
3 – الشعب يستهين بالموت :
يقول أحدهم : و ها أنّي أمدّ عنقي إلى السيّاف، و النطع ..و اردّد عن قناعة، و إيمان ما تناقلته العرائض، و الأفواه : كثر الموت حتّى هان، فلنقطع ببعض موتنا دابر الطغيان ..
4 – الحاكم بامر الله يردّ على السخرية بإحراق القاهرة :
استدعى القواد، و العرفاء، و أمرهم بالمسير إلى مصر، و ضربها بالنّار، و نهبها، و قتل من ظفروا بها من أهلها فتوجّه إليها العبيد، و الترك، و المغاربة، و جميع العساكر ... يقول أبن تغربردي : فاستمّرت الحرب بين العبيد، و العامّة، و الرعيّة ثلاثة أيام ..، و الحاكم يركب كلّ يوم إلى القرافة، و يطلع إلى الجبل، و يشاهد النار، و يسمع الصراخ، و يسأل عن ذلك .. فيقال له العبيد يحرقون مصر، و ينهبونها .. فيظهر التوجّع، و يقول : لعنهم الله من أمرهم بذلك ؟؟