تناقضات من وحي المواقف
يصدر القرضاوي فتوى بوجوب قتل القذافي، لكأن الناس تمكنت من القذافي وأعجزها أمره، وهي تنتظر فتوى توضح لهم ماذا يفعلون به. ثم إن الثورة الليبية أساسا مثل الثورتين التونسية والمصرية لم تنطلق بفتاوي كي تنتهي بفتاوي، لأن أصحاب الفتاوي هؤلاء وعلى رأسهم القرضاوي وجماعة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين –الحقيقة أن باقي فقهاء السلطان من بعض الجماعات السلفية أشد سلبية-، كانوا أبعد الناس عن مواجهة الحكام، وكانوا ولايزالون أول المكرسين لتسلطهم، وما انفكوا يقفون في صف الظلمة ضد شعويهم، وما برحوا يخدرون الناس من خلال ثقافة الإسراف في الفتاوى، حتى أن هؤلاء "العلماء" تحولوا لكهنوت يشابه المؤسسة الكنسية.
وحتى إذا تحرك هؤلاء لخدمة الإسلام بزعمهم، تحركوا بطريقة منكسرة متلونة تغري أهل الباطل أكثر مما توطّن لأهل الحق، وتمكّن لأعداء الإسلام أكثر مما تمكّن لمناصريه.
وإذا كانت مواجهة القذافي بالقوة واجبة، لقتل هذا الطاغية الناس، فلماذا تحرك القرضاوي والاتحاد العالمي من قبل ضد من رفض القذافي، بزعم الوسطية وان هؤلاء ولاة آمر يجب نصحهم ودرءا للفتنة ؟ وإذا كان التصدي للقذافي واجبا، فلماذا لم ينتبه القرضاوي لحاكم ليبيا إلا حينما تداعى عليه الناس كلهم، أم أن المبادئ الإسلامية لاتعلن ولايجهر بها إلا حينما يلتحق الناس كلهم بالركب، وإلا ماداموا رافضين لذلك الحق فلا يجب القول به؟ وهل يعني ذلك إلا تغليب الواقع على المبادئ الإسلامية؟
وإذا كان إصدار الفتوى بقتل القذافي داعيه قتل هذا الأخير المسلمين، فلماذا لم يصدر القرضاوي واتحاد المسلمين فتاوى مشابهة بمواجهة أو قتل الحكام بسوريا مثلا، ألم يقتل حافظ الأسد زهاء العشرين ألفا من السوريين، أم أن دم السورين أقل قدرا من دم الليبيين؟ أم أن القرضاوي لم يتحرك لأن الواقع لم ينضج لتقبل مواجهة مع النظام السوري؟ وهل يعني ذلك إلا تغليب الواقع على المبادئ الإسلامية؟
وإذا كان تحرك القرضاوي وجماعة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بسبب من الغيرة على حرمات المسلمين، فأين كانت هذه الغيرة حينما قتل عشرات الآلاف من المسلمين العراقيين من طرف الأمريكان الكفار؟ أين كانت غيرة القرضاوي والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين حينما اغتصبت العراقيات من طرف الأمريكان؟ لماذا لم نسمع منهم أي شيء يذكر ضد مقاومة الاحتلال؟ أم أن الواقع الذي يحيط بالشيخ القرضاوي في دويلات الخليج حيث يقيم مجاورا للحكام المتورطين، لم يسمح له بأن يعيش عيشة المسلم الحساس بالناس المهتم بأمرهم؟ وإذا كان القرضاوي لايرتقي في مواقفه ضد الأمريكان حتى لمرتبة المسلم العادي، فكيف يتصدى لدور الموجه للمسلمين؟ وهل يعني ذلك إلا تغليب الواقع على المبادئ الإسلامية؟
يجب على القرضاوي وجماعة إتحاد علماء المسلمين أن يقنعوا الناس بأنهم لم يخدموا الأمريكان والدول الغربية بمواقفهم السابقة، ثم بعد ذلك يجب عليهم أن يقنعونا أنهم حينما يتحركون فإنما يتحركون نصرة للإسلام وليس خدمة لدولة غربية أو منظمة أجنبية أو حاكم عربي أو رأي عام.
يجب على هؤلاء أن يقنعونا أن فتوى القرضاوي لجندي أمريكي مسلم - إبان غزو العراق- بوجوب طاعة رؤسائه في الحرب بالعراق، تخدم الإسلام ولا تخدم أمريكا، خاصة وان فتواه الضمنية بجواز قتل العراقيين لم تصاحب بفتوى للمسلمين بوجوب مقاومة الأمريكان؟
يجب على هؤلاء ان يقنعونا أن فتوى القرضاوي للشيشانين بوجوب قبول الاحتلال الروسي في شكل الحكومة التي عينتها روسيا، هي فتوى فيها خدمة للإسلام وليس خدمة لروسيا، كما يجب ان يوضحوا لنا أين خدمة الإسلام في فتوى القرضاوي حينما نعرف أن موقفه ذلك سيتسبب في قتل مسلمين رافضون لتلك الاتفاقية، وهم المجاهدون الشيشانيون.
يجب على هؤلاء أن يقنعونا أن فتوى القرضاوي بوجوب القبول بالحكومة التي دعمتها أمريكا بالصومال، هي فتوى فيها خدمة للإسلام وليس خدمة لأمريكا، كما يجب أن يوضحوا لنا أين خدمة الإسلام في فتوى القرضاوي حينما نعرف أن موقفه ذلك سيتسبب في قتل مسلمين رافضون لتلك الاتفاقية.
الواقع مقابل المبدأ: من القرضاوي إلى النهضة
المأخذ الأكبر على القرضاوي ومجمل من يسير في ركبه من تفريعات جماعة الإخوان المسلمون والذين يشكلون أغلب الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أنهم يتخذون الواقع مرجعا موازيا وأحيانا مسابقا للنصوص الشرعية حين إنتاج المواقف، بحيث أن الواقع ومكوناته يمكن أن يكون في درجة أولى أو موازية للنصوص الشرعية أو ما يفهم منها صراحة. وقد لاقى هذا التيار انتقادات كبيرة، ولكنهم مصرون على منهجهم ويزعمون أن إمامهم يوسف القرضاوي مجتهد بتصور وسطي للإسلام كما يقولون.
هؤلاء غالبا ما لايحترمون حتى أنصارهم ومنخرطيهم حين اتخاذ بعض مواقفهم، وهم بالطبع لايحترمون الاسلام في تلك المواقف، مايهمهم بدرجة أولى هو إرضاء بعض أطراف الواقع المتنفذة من وسائل اعلام ومنظمات مدنية ومواقف الدول الغربية.
استحداث المذاهب ذاتها ليس بدعا في الإسلام ولا منكرا، ولكن السؤال الذي يمكن طرحه هو هل أن المواقف المتلونة يمكن أن تعتبر خادمة للإسلام فضلا على أن تعتبر مذهبا أصلا؟
هل يمكن اعتبار المواقف المنكسرة المنسحبة أبدا أمام الواقع أمرا سليما لمسلم فضلا على أن يعتبر صاحبها ذا مذهب؟
هل يمكن اعتبار التنظيمات التي تصورها الناس يوما إسلامية، فإذا بها وهي بمواقفها توحي أنها تستشعر الوضاعة أمام الواقع من دول غربية أو وسائل إعلام أو منظمات حقوق إنسان، هل يمكن اعتبار هذه التنظيمات ومن مثلها ونطق باسمها، جديرة بان تحمل رسالة الإسلام بمبادئه التي تصرح أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وان الذلة و الصغار للكفار، وان التقي ليس كالفاسق، وان علة التمايز بين الناس إنما هي التقوى؟
على جماعات الوسطية المزعومة أن تقنع الناس، أن مشاركة فرع الإخوان المسلمين بالعراق في الحكومات التي ارتضتها أمريكا، هو ليس نتيجة انكسار وشعور بالصغار أمام الواقع والدليل عدم مقاومته، كما يجب ان يوضحوا للناس كيف ارتضى هؤلاء تحولهم لأداة بيد أمريكا لمحاربة المقاومة هناك وتكريس احتلال بلد كافر لبلد مسلم، ثم ليقولوا لنا أخيرا أي مبادئ في كل هذه المواقف المتلونة، فضلا على أن تكون مبادئ إسلامية.
على جماعات الوسطية أن يقنعونا أن حركة النهضة التونسية، لم تنطلق من فقر مبادئ فضيع وخواء تستبطنه ضمنيا مقابل الواقع والمتمكنين فيه، حينما تباهت أنها حركة متحررة أكثر من الحركات الإسلامية بالمغرب وتركيا. ومتى كان المسلم الحق يتفاخر بالتحرر، بل أساسا متى كان التحرر بمفهومه الغربي المستعمل، مقياسا لإنسان يحترم نفسه فضلا على أن يكون مسلما فضلا على أن يكون قائله قدوة للمسلمين؟
سيكون الأمر شاقا على هؤلاء أن يوضحوا سبب إصدار حركة النهضة بيانا تتهجم فيه على غلق المواخير من قبل ثلة من فتية الإيمان، بزعم أن ذلك ليس بالمنهج الديمقراطي؟ وهل يوجد تفسير آخر لهذه المواقف المخزية غير أن هؤلاء غارقون في أحاسيس الصغار والذلة أمام وسائل الإعلام والدول الغربية والرأي العام الذي يكره التمكين للإسلام؟ ألم يسعهم أن يسكتوا عما حصل، وهل طلب منهم أن يكتبوا بيانا حول غلق المواخير بالتحديد، ألم يسعهم القول أنهم مع غلق المواخير وإن كانوا يتحفظون على الطريقة؟ أم إنهم ضد غلق هذه البؤر اساسا؟ إنها النهاية في الانحدار، حينما يتخذ أحدهم إرضاء أقطاب الواقع مقياسا للمواقف.
سيكون الأمر مقاربا للمستحيل أن يبرهن دعاة الوسطية هؤلاء أن المبادئ الإسلامية نسخت واستبدلت بما يقره الناس وتوافق عليه الأغلبية، وان المنكر ليس ما تعارف عليه المسلمون، وإنما المنكر ما أنكره الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان، وأن الحق ما أجازه هؤلاء.
مواقف عادمة للطاقة وخارج الزمن
منهج أصحاب الوسطية المزعومين، مبني بدرجة كبيرة على إرضاء مكونات أقطاب الواقع ، وبالتالي فان جل تحركاتهم تحددها موازين القوى من وسائل إعلام ومواقف الدول الغربية وغيرها.
ولذلك فإن هؤلاء لايعدمون بعض المواقف المشرفة في الظاهر، ولكنها في الحقيقة مواقف لامعنى لها، لأنها ليست مولدة للطاقة، وإنما هي مواقف يمكن أن نطلق عليها مواقف في "الوقت الضائع"، هي مواقف سمحت بها أو دعا لها الرأي العام والدول الغربية.
من ذلك مواقف القرضاوي مع القضية الفلسطينية، فهي ظاهرا مواقف مشرفة، ولكنها مواقف من تحصيل الحاصل، فعدالة القضية الفلسطينية من الوضوح بحيث يوافق عليها حتى اليهود أنفسهم والغرب، وتلك المواقف بالتالي لاخطر فيها لا على أي نظام عربي ولا على أمريكا ولا على الدول الغربية.
ومثل ذلك تدخل القرضاوي في ملف ثورتي ليبيا أو مصر، كان تدخلا من تحصيل الحاصل، لأنه كان تدخلا متأخرا زمنيا، ثم هو تدخل لا أساس له كما وضحنا حيث ان صاحب الموقف ليس أهلا لإعطاء دروس لمقاومة الحكام والتسلط.
المواقف يمكن تصنيفها نسبة للطاقة، لمواقف مولدة للطاقة، وأخرى موزعة للطاقة وأخرى عادمة للطاقة.
كما يمكن تصنيف المواقف نسبة لزمن الفعل، لمواقف سابقة للزمن، وأخرى موازية للزمن وأخرى خارج الزمن.
مواقف جماعات الوسطية، تتراوح بين المواقف العادمة للطاقة والموزعة للطاقة في أحسن الحالات، ثم هي تتوزع بين مواقف خارج الزمن وموازية للزمن في أحسن الحالات.
لا أريد أن أثقل على القارئ الكريم في مثل هذه المقالات القصيرة، وإلا لبرهنت له بطريقة علمية دقيقة مكونات مواقف هؤلاء، ولعل ذلك سيكون في مقال آخر بإذن الله.