وما أن علمنا بأن قاتلنا سيزورنا إلا بدأنات نتزين له ونجهز أنفسنا، لكي نكون في استقبال هذا الزنجي الأسود التي باتت رقابنا بيده، يحيى من يشاء منا ويميت من يشاء، وجهزنا كل كلماتنا وخطبنا وجمعنا تملقنا وكذبنا، ووضعنا في جعبتنا ما أتقناه من كذب ودجل ومديح لكي نستقبل به هذا المتحكم برقابنا ورقاب العالم اجمع، وتخلصنا من كل الدماء التي أريقت وأجريناها بولاً في أقرب مرحاض.. وتخلصنا من الشعور الذي كان يقيدننا من الاهتمام بأمورنا نحن كمسلمين فما عدنا نبالي سقط من سقط ومات من مات، وغرزنا سكيننا في هذا الجسد الممزق وأعلنا أنه لن يكون هناك وحدة أبداً – هذا إذا كان هناك وحدة من الأصل – وأننا سنكون أول من يمزقها، المهم أن نكون في هذا مستعدين للقاء.
وبالفعل فقد جاء هذا العبد وفرشنا له كل الورود والزهور والسجاد الأحمر وعانقناه وعانقنا، ووعدناه أننا سنكون كما يريد وأننا مستعدون لفتح قلوبنا وأجسادنا لحضارة كاملة لكي تدخلنا، لأننا شعب بلا حضارة ؛ ووعدناه كذلك أننا سنحتوي حضارته كلها لأننا عطشى لها من أولها لأخرها من ألفها إلى يائها، واقسمنا له بأغلظ الأيمان وأعظمها بأنه إذا ما دخل جحر ضب فإننا لاحقون به لا يتخلف منا رجل واحد أبداً، وأعطيناه صكاً مفتوح الأجل يقتل من يشاء ويعفو عن من يشاء دون أن يأبه أو أن يُلقي بالاً لصراخنا أو استغاثتنا.
فله الحمد تعالى على هاتين النعمتين والخصلتين اللتين أنعم بها علينا، نعمتي النسيان والتملق، وإلا لو لم تكن تلك النعمتين موجودتين فينا لما تمكنا أن نرى هذا السيد المتملك برقابنا يدخل أراضينا ونستقبله بالسيوف والزهور ونغمات الشكر والعرفان، ينعم على من يشاء من بالقتل أو يهب له الحياة، فلنعضض على هاتين النعمتين بالنواجذ، أم انه لا يهمنا أن ترعى الذئاب مع الخراف بكل أمان واستسلام !؟ ولنسال أنفسنا لو أنهما لم تكونا موجودتين فينا فأي حال سنكون فيها !؟.