هناك عبارة صريحة وردت في دراسة (الدكتور) ص74 يتحدث فيها عن أحد الأبطال اليساريين في واحدة من راويات “نجيب محفوظ” يقول فيها (... وهذا هو من أخلاقياته الخاصة ربما هي التي حببته إلينا، وربما كانت هي الأكثر صدقاً على طبيعة الفكر اليسارى الذي حاول أن يجد له موطئ قدم في أرضنا وربما كانت هي الأمل المتبقي في استعادته وخلق تفاعل مستقبلى ناضج لصنع الغد ). لم ترد هذه العبارة على لسان بطل الرواية حتي ننسبها إليه وإنما جاءت في سياق تحليل (الدكتور) لرحلة ( على طه ) أحد أبطال الرواية بين مكة وموسكو وهو يغادر مكة وقبل أن يصل إلى موسكو. وفي هذه الفقرة بالذات تحديد لهوية (الدكتور) الذي يدافع عن إسلامية "نجيب محفوظ". فـ (الدكتور) يدافع هنا عن الفكر اليسارى الذي يصفه بأنه فكر صادق وأنه الأمل المتبقي الناضج لصنع الغد. وفي فقرة أخرى يثنى (الدكتور) على هذا البطل اليسارى على لسان "نجيب محفوظ" ويصفه بأنه منفتح ومؤمن بالحوار يتعامل مع المخالفين وحالم ومؤمن بالروح.
وفي نفس المعني يقول (الدكتور عبد المحسن بدر) المعروف بإتجاهاته اليسارية أيضاً في كتابة : (نجيب محفوظ – الرؤية والأداة) على لسان " نجيب محفوظ " نفسه (أنا مسلم مؤمن وأعتقد أن الدين الإسلامي يدعو إلى الإشتراكية، وأنا شخصياً لا اختلف مع الماركسية إلا في شقها الفلسفي المادي فقط) ويكرر ذلك في موقع أخر فيقول (الحق أني معجب بالماركسية فيما تحقق من عدالة إجتماعية ورؤية إنسانية شاملة وإعتمادها على العلم، ولكني أرفض ديكتاتوريتها وفلسفتها المادية).
ويذكر (الدكتور عبد المحسن بدر) : أن (رجاء النقاش) تحدث يوماً مع نجيب محفوظ فقال له : (أنني رغم ما أحس به من ميلك إلى الماركسية فأنا ألمح في كتاباتك تردداً في إعلان إيمانك بهذه العقيدة السياسية فلماذا التردد ؟ هل هو إيمان لم يكتمل بعد أي أنك ما زلت على حافة الإيمان... وعلى حافة الماركسية أو أنها الظروف السياسية العربية التي تفرض عليك شيئاً من الحذر).
وحتى يقنعنا (الدكتور محمد عبدالله) بأن "نجيب محفوظ" مسلم مؤمن استشهد بثناء "سيد قطب" على رواية "خان الخليلي" فى كتابه (كتب وشخصيات). وهذا الإستشهاد – في تصورنا – ليس في محله لأن "سيد قطب" كان يتحدث عن أدب نجيب محفوظ من زاوية خصائصه الفنية وكذلك عن تجاوز الأديب لسابقية ولم يتحدث عن إسلامية او عدم إسلامية هذا الفن أو صاحبه. ومن هنا تبدو المسألة إستغلالاً من قبل ( الدكتور) لتوجهات " سيد قطب " الإسلامية في تأكيد الفكرة التي يدعو إليها وهي نفي المادية الصريحة عن نجيب محفوظ.
ونعتقد أن "سيد قطب" لو كان حياً وقرأ ما كتبه (الدكتور) لفسر ذلك كما قال في كتابه "معالم على الطريق" : (لم أكن قد تخلصت بعد من ضغط الرواسب الثقافية في تكويني العقلى والنفسي وهي رواسب آتية من مصادر أجنبية غريبة على حسي الإسلامي وعلى الرغم من اتجاهي الإسلامي الواضح في ذلك الحين إلا إن هذه الرواسب كانت تعيش في تصورى وتطمسه).
ويضاف إلى ذلك ايضاً أن هذا الرأي الذي أبداه "سيد قطب" في عام 1946 كان في الفترة التي لم يكن ظهر فيها ككاتب وكمفكر إسلامي متميز، وقبل ان يذهب ويعود من الولايات المتحدة، وقبل ان ينضم إلى جماعة الإخوان المسلمين، وقد قال "سيد قطب" بعد إنضمامه إليها : (أنا ولدت الآن فقط عام 1951).
وهذا وتلقي أية محاولة للتعرض لـ "نجيب محفوظ" من قبل الغيورين على الدين ردود فعل عنيفة من قبل مريديه. فعندما خلط "نجيب محفوظ" بين صوت الآذان وأصوات منكرة في واحدة من رواياته، واعترض الناس على ذلك، كان رد المريدين أن هذا غيظ وحسد على بلوغ الكاتب تلك المكانة في المسيرة الروائية. ويرى "الدكتور عبد الرحمن ياغي" فى كتابه (الجهود الروائية بين سليم البستاني ونجيب محفوظ) : أن هذه العناصر التي ترى أنه لا يليق حدوث مثل هذ الخلط هى عناصر(لا تتدبر ولا تتعقل ولا تحسن الحكم على المذاهب الفنية، بل تتعجل وتخطف وتتنقل من مجال إلى مجال دون روية).
ويعترف (الدكتور محمد عبد الله) بأن العبارات التي وردت في رواية (خان الخليلى) على لسان المحامي الشيوعى في الرواية (أحمد راشد) عبارات خطيرة تحوى آراء خطيرة مثل قوله (لا حكمة في الماضي.. اين الله ؟.. وما أساطير الديانات؟ وما جدوى التفكير في مسائل لا يمكن أن تحل ؟.... فكما أنقذتنا الديانات من الوثنية يجب أن يتقدم العلم وينقذنا من الديانات)...
يعترف (الدكتور) بأن هذه الآراء خطيرة وتركت على عواهنها، ومضت دون معارضة أو محاولة للحد من تسلطها على السياق، لكنه دفاعاً عن "نجيب محفوظ " يبرر له ذلك قائلا : "لعله أراد أن يصور عزلة وجرأة ونظرية الفكر اليسارى في هذه المرحلة" وبعد أن يقر (الدكتور) بأن اختفاء إشارات الاعتراض على هذا الفكر الإلحادي تجعل القارئ يميل الى اعتبار هذه الآراء مطلقات من الصعب الاعتراض عليها، يعود فينكر نسبة هذه الآراء لـ "نجيب محفوظ" ذاته فيقول : ( وقد أدى إطلاقها سرداً الى استنتاج خاطئ عند بعض الدارسين، اذ اعتبرت هذه الاراء معبرة عن الكاتب نفسه ).
والغريب في الامر ان (الدكتور) وهو يستدل بإسلامية "نجيب محفوظ" بتقريظ "سيد قطب" للرواية يعود فيعتب على "سيد قطب" بأنه لم يناقش المحامي الشيوعي (أحمد راشد) في آرائه الخطيرة عن جدوى إعتبار الماضى وعن الله والدين والأنبياء ويرى أن مناقشة "سيد قطب" لنجيب محفوظ كان يمكن ان ترده وتجعله أكثر وضوحاً مع نفسه. وبعد ذلك يفلسف (الدكتور) عدم اعتراض "نجيب محفوظ" على الآراء التي قالها هو علي لسان بطل روايته الشيوعي فيقول : "بأن الكثرة من الأدباء تتعمق عادة في الجوانب الفكرية التي ترفضها او تدافع عنها ".
ورغم كل ذلك، يستميت (الدكتور) في محاولة إقناعنا بأن الآراء التي وردت على لسان أبطال روايات "نجيب محفوظ " ليست هي آراء "نجيب محفوظ" ذاته، وخاصة تلك التي تتعلق بآراء وأفكار تمس العقيدة، فيرى أن سرد هذه الآراء والأفكار ليس إلا من قبيل إكمال الصورة الاجتماعية في الرواية ولا يهدف منها "نجيب محفوظ" إلى أبعد من ذلك، او أنه يعرضها كنموذج من النماذج التي يغص بها المجتمع والتي تحتوى على ما هو غريب وشاذ وأن "نجيب محفوظ" قد يتجاوز هذه الصورة الإجتماعية ليرمز إلى قوى التصارع أو التفاعل الفكري في مرحلة بعينها من مراحل تطورنا الاجتماعي. لكن (الدكتور) يضطر إلى الإعتراف بأن الشخصية الدينية أو الفكرة العقدية المحتواه في روايات "نجيب محفوظ" وخاصة فيما يتعلق بتفسيره الشامل للمسيرة الإنسانية أو العلاقة بين الإنسان وخالقه هي اكثر وجهات هذا الأديب خطورة وعمقاً واستفزازاً للفكر. لكن (الدكتور) كعادته يعترف ثم ينتحل لكاتبه العذر فيقول " : "فلا تثريب على الكاتب ان يكتفي بالتناول الرمزى تاركاً لكل قارئ ان يفسر عمله الفني على الوجه الذي يرتضيه أو لا يرتضيه).
وفي تصورنا ان قراء "نجيب محفوظ" ليسوا جميعاً دكاترة او مثقفين بل ان غالبية من يعرفون " نجيب محفوظ" هم من عامة الناس الذين تستهويهم القصص والروايات التي كثيراً ما قدمت لهم في صور مسرحيات وأفلام ومسلسلات، وترك حرية التفسير للقارئ لا تعني الا أن المؤلف أو الدكتور يستهدفان أصلا وضع نقاط ارتكاز جديدة إلى جانب نقطة الإرتكاز الاساسية في المجتمع وهي الاسلام ثم دعوة الناس الى الإنتقال منها الى تلك الجديدة بالتدريج دون ان يظهر لهم خطورة هذا الإنتقال وخاصة اذا ما كانت وسيلة هذا الانتقال رواية او مسرحية او فيلماً او مسلسلاً تلفزيونياً.
وحقيقة الامر – مهما انكر الدكتور – هي ان "نجيب محفوظ " يعبر عن آرائه من خلال ابطال رواياته. يقول الدكتور عبد المحسن بدر في ذلك معلقاً على رواية (عبث الاقدار) : "... إذا تجاوزنا عن كون هذا الفكر هو فكر المؤلف وليس طبيعياً بالنسبة لفرعون فان هذا الموقف يكشف عن طبيعة الرؤية التي ينظر بها المؤلف إلى الفعل الانساني في الرواية كما ورد على لسان فرعون، لا لشئ الا لضرورة التكتيك الروائي الذي لا يسمح للمؤلف بالحديث مباشرة الى قرائه".
أما الدكتور "رجاء عيد" فيؤكد تماما في كتابه " دراسة في أدب نجيب محفوظ" ص 57:
" أنه في مختلف الصور التي يعرضها (نجيب) لفكرة الإله يبدو أثر فكره الفلسفي مثلما يفوح العطر من الوردة، بل يتخذ من أبطال قصصه في بعض مواقفهم ما يمثل صورة موازية لبعض مواقفة في بعض فترات حياته الفكرية والنفسية إلا أن ذلك بالضرورة لا ينطبق تماماً كما يتطابق المثلثان وانما تحس خلال عرضه الفني بأن هنالك وشائج خاصة تربط بين البطل وبين المؤلف حتى إنه من الممكن في بعض اللقطات السريعة أن تستبدل احداهما بالأخر وانت مطمئن الى ما تفعل ).
ومرة أخرى، يقر(الدكتور محمد عبدالله) بان العلم ظهر كبديل للدين في بعض أعمال "نجيب محفوظ" لكنه يعود فيلتمس له العذر قائلاً : " ولكن هذه الأعمال كانت تعنى بالمسح الاجتماعي والتحليل، أي أن الروايات من هذا الصنف لم تكن روايات نبوءة أو اقتراح وانما ظلت في حدود التأثر المرحلى ".
وحقيقة الآمر ان المسألة ليست تأثرا مرحلياً كما يدعى (الدكتور) وانما هي خط ثابت التزم به نجيب محفوظ مع ظهور أول مقالة له حينما كان في التاسعة عشرة من عمره وحتي حصوله على جائزة نوبل وقد اكتسب هذا الخط قدراً أكبر من النضوج والعمق والوضوح، إنه خط الخروج على الدين وعلى العرف وعلى القيم.
يقول الدكتور "عبد المحسن بدر" في ص40 من كتابه السابق الذكر : " المقالة الاولى التي كتبها نجيب محفوظ في حدود مانعرف والتي يقدم فيها نفسه إلى القراء كأول نتاج لقلمه سماها ( إحتضار معتقدات وتولد معتقدات ) وظهرت المقالة في عدد أكتوبر 1930 من مجلة سلامة موسى ( المجلة الجديدة) ومعنى ذلك أنه كتبها وهو لم يبلغ التاسعة عشرة من عمره، وفي مثل هذا السن يكون الشاب أكثر ميلا للثورة والخروج على العرف والقيم السائدة يحلم بتغيير العالم واثقا من قدرة الذات واسع الطموح أكثر ميلا الى الادعاء". ويستطرد الدكتور "عبد المحسن" قائلا في ص 41 : " وكان يمكننا أن نرفض موقف نجيب في المقال ولانهتم به اهتماما كبيرا رغم ذلك كله باعتباره تجربة أولى لشاب ناشيء لايمكن الحكم عليها أو عليه لولا أن الأفكار الرئيسة التي يدور حولها المقال ظلت من المحاور الثابتة في تفكير "نجيب محفوظ" وأدبه وإن إكتسبت بمضي الزمن قدرا أكبر من النضج والعمق والوضوح.
والذي لاشك فيه أن عنوان المقال له دلالاته الخاصة ونشر " سلامة موسى" لهذا المقال بالذات له دلالاته الخاصة أيضا، فالمقال هجوم على الدين ورغبة في استبداله بمعتقدات أخرى وأمل بقرب زواله ودعوة الى المفكرين الى نقد المعتقدات واعتبار ذلك ضرورة ومقياسا للتقدم العقلي.
يقول "نجيب محفوظ" في هذا المقال : " وليس من شك في أن استقرار الحياة وثبات المدنيات وسير الأمور في مجراها الطبيعي خير من ذلك الإضطراب المروع، ولكننا مع ذلك لانبتئس بقرب زوال المعتقدات البالية ولاندعو المفكرين إلى الكف عن بحثها ونقدها والأفضل للإنسان أن يكون له إيمان ديني فإذا لم يتوافر هذا الايمان الديني فلا بد له من ايمان بديل يسلم اليه نفسه وفكره ".
ويقول الدكتور "عبد المحسن بدر" معلقا :" والكاتب الشاب يطالبنا بألا نحزن ولا نبتئس طالما أن التغير والتطور ضرورة حتمية لامفرمن مواجهتها.. " إن نقد المعتقدات ضرورة كالشيب في الإنسان" وعلينا ألا ننزعج كثيرا فالكاتب ( لايظن ان ذلك سيحدث خرابا في العالم) ويقول الدكتور "عبد المحسن بدر" في موقع آخر : " ولكي لايفزع القاريء أو يبتئس من هذه العقائد الجديدة التي تحاول أن تحل محل الدين كبديل له في نفس الانسان يحاول المؤلف أن يسهل الأمور على قارئه بمحاولة رد هذه الاديان الجديدة الى مصدر واحد هو الايمان الديني باعتبارها صورا أخرى منه ترجع جميعها إلى مصدر واحد، والذي يجدر بنا ملاحظته هو ان جميع هذه الاديان ترمي الى اتحاد العالم وازالة الفروق الوطنية وهي تتفق في ذلك مع الاديان القديمة مثل المسيحية والاسلام".
أما عن "سلامة موسى" فإن "نجيب محفوظ " يعترف بأنه أي "سلامة موسى" كان له أثر قوي في تفكيره وتوجهاته التي لم تخرج من فكره منذ أن أدخلها "سلامة موسى" وحتى الآن... ويبدو الامر ملفتا للنظر علاوة على مسألة المقال السابق أن "سلامة موسى" نشر للكاتب رواية ( عبث الاقدار) وخصص لها عددا كاملا في مجلته بعد أن كان قد رفض له ثلاث روايات من قبل مما يحتاج منا إلى وقفة.
لم تكن رواية "عبث الأقدار" مجرد رواية تستهدف استحضار جو مصر الفرعونية وإنما كانت في حقيقتها تستهدف شيئا آخر هو مصر الإسلامية يقول الدكتور"عبد المحسن بدر" في ذلك :"..... وهذه الصيغ التراثية الجاهزة بما تحمله من تداعيات وإيحاءات تدفع القاريء دفعا الى جو مصر العربية المسلمة أكثر بما تساعده على إستحضار جو مصر الفرعونية الذي يفترض أن " عبث الأقدار " تصوره.
في هذه الرواية التي أفرد لها "سلامة موسى" عددا كاملا في مجلته، سخرية واضحة من القدر ومن فساد الاعتقاد به، ومن ضرورة تحديه، وفيها أيضا استهانة بالألوهية وقول بإمكان الإنسان التنبؤ بالغيب.
أما عن أن هذا هو رأي "نجيب محفوظ" ذاته فيقول ( الدكتور عبد المحسن بدر) في ص154 " ويبدو عصر خوفو أكثر العصور ملائمة لأهداف كاتب يريد الكشف عن جبروت الأقدار وسطوتها وقدرتها على العبث بالناس والسخرية منهم. ولكى يستطيع المؤلف الكشف عن سطوة الأقدار وجبروتها لابد من خصم جبار يتحداها حتى تصبح المعركة جديرة بان تخاض، فالقدر في عالمه البعيد المتعالي يملك القدرة وحده كل القدرة على الفعل والتدبير وهو قدر قاس".
وعن فساد الاعتقاد في القدر يقول " نجيب محفوظ "على لسان ولى عهد خوفو في الرواية " كلا أيها السادة إن القدر اعتقاد فاسد لايجدر للاقوياء التسليم به"
وعن تنبؤ الإنسان بالغيب يقول الدكتور "عبد المحسن بدر" في ص157 معلقا : " وحتى يمكنك الإستمرار في متابعة الحركة بمنطقها وإمكانية وقوعها لابد من التسليم في البداية بمجموعة من الفروض أهمها أن تقبل إمكانية معرفة الإنسان للغيب والتنبؤ به بصورة بالغة الدقة كما تنبأ الساحر ديدي لفرعون".
وعن الألوهية يشرح " الدكتور عبد المحسن بدر" في ص 165 كيف أن المواقف الحوارية في الرواية لاهدف لها سوى إبراز آراء المؤلف الذي يقول في روايته :" وهناك بادر الفنان ميرابو يقول كأنه يكمل حديث الملك : والألوهية يامولاي ؟؟ فهز فرعون راسه بإستهانة وسأله وما الألوهية ياميرابو؟؟ أن هي إلا قوة".
رغم هذا الوضوح البين في خطورة الأفكار التي يعرضها " نجيب محفوظ" علي لسان أبطال روايته بل وحتى في عنوان الرواية ذاتها فان الدكتور (محمد حسن عبد الله) يصر على الإستخفاف بعقول القراء فيقول ( إن الرواية تجري بصفة عامة في جو واضح من التدين والنزعة الخلقية هي التي تحرك الشخصيات في مجموعها والإيمان بالبعث وانتظار الجزاء يملك وجدان الجميع).
وإذا ما واجهناه بعنوان الرواية نجده يقول : "أنه عنوان مضلل لأن الحق أن الرواية تؤكد "عبث مقاومة الأقدار" وإذا ما اعترضنا على العبارات المستخدمة في الرواية مثل (رع)، و( بتاح)، و(رعتك الآلهة)، (الملك إبن الإله) يقول ( الدكتور) : " أن هذه عبارات طائرة في جو الرواية أشبه بالتوابل التي تعطي نكهة خاصة بقصد الإيهام. وينفي (الدكتور) تماما أنها جوهر الموضوع. أما عن الألوهية فإن (الدكتور) يتغاضى في عرضه الدفاعي عن عبارة " فهز فرعون رأسه استهانة" أي بـ (الإلوهية) وأولها لصالح الكاتب فقال " أنه تحرر من مفهوم الألوهية التي استوحاها من مصادرها التاريخية ومصادرها غير الإسلامية والتزم بالتصور الإسلامي لله بانه قوة ورحمة ومحبة"
حققية الامر أن "نجيب محفوظ" يصور العلاقة بين الإنسان وقدره بانها علاقة صراع. يقول "سليمان الشطي" في كتابه (الرمز والرمزية في أدب نجيب محفوظ) ص 35 :" من السهل جدا ان نتلمس المسارات المختلفة لكل حادثة وشخصية وحركة في رواية "عبث الاقدار"، فالميدان العام لها يتركز حول الإنسان وصراعه مع القدر. وعلى عكس مايقوله ( الدكتور محمد حسن عبد الله) من أن الرواية تتحدث عن "عبث مقاومة القدر" فإن "نبيل راغب" يقول في مؤلفه : " قصة الشكل الفني عند نجيب محفوظ"ص 23......" من هنا كانت كل الشخصيات ملحمية لاتتغير ولاتتصارع نفسياً بل تفرض نفسها فرضا على مجرى الأحداث وتنزل لصراع القدر ولكنها ككل الشخصيات الملحمية لا تحاول ان تذعن لإرادة القدر ومن هنا كانت قسوة الأقدار بل عبثها بمقدارتها حتى ولو كانت ملوكا وفراعنة من أمثال خوفو ولذلك أطلق على الرواية عنوان " عبث الأقدار".
ويقول "الشطي": أن "نجيب محفوظ" يؤكد أن الإرادة القدرية لاتعني الإنصياغ للغيب ". لم يعلق " الشطى" على ذلك، وهو يعلم تماما أن الله تعالي نفسه غيب، والملائكة غيب، والجنة غيب، والنار غيب، والشياطين غيب، والبعث غيب، والحساب غيب، ولايكتمل دين المرء إلا إذا آمن بهذا الغيب فكيف يقول " نجيب محفوظ " أنه لايستند إلى دين، ولا ينبس " الشطى " بكلمة معلقا على ذلك.
والقدر كما يصفه "نجيب محفوظ "قدر قاس ينظر إلى الانسان وهمومه نظرة متعالية وساخرة وهو يرى الإنسان في همومه ومشاغله يفكر ويحكم التدبير ليتخلص من همومه ويقدر ويحسب والأقدار تضحك ساخرة من همومه وتقديره. وكلما ظن الإنسان أنه أحكم التدبير للخلاص من كارثة أصابته كلما اشتد ضحك الاقدار منه وعبثها بها لأنها تراه يزداد تخبطا في الشبكة التي نسجتها له واقترابا من الفخ الذي يبذل جهده للبعد عنه ويصبح البشر اقرب الى دمي مسرح العرائس.
هكذا تصور "نجيب محفوظ" القدر فأين هذه الملامح الدينية والتعبيرات والمفاهيم الإسلامية التي يدعي ( الدكتور محمد حسن عبد الله) أنها واضحة في الرواية بشكل لافت؟؟ وهل هذا الذي قاله "نجيب محفوظ" مستوحي من النص القرآني الذي يقول ( الدكتور) أنه أقوى تأثيرا وأشد إرفادا لهذه الرواية من الأصل الإغريقي الأسطوري. وأين هذا التراث الضخم من العقيدة والدراسات المتعلقة بها الذي تحتويه سطور "نجيب محفوظ " كما يدعي الدكتور" سليمان الشطي".
إن هذا المعنى الذي يفهمه "نجيب محفوظ" عن القدر لاينم عن فهم للعقيدة ولا للدراسات المتعلقة بها ولا حتى بمعرفة للدائرتين اللتين تقع فيهما تصرفات الإنسان مختارا وجبرا عنه ولا بمعرفة للأفعال التي يقوم بها الإنسان طبقا لما يقتضيه نظام الوجود، وتلك التي لايقتضيها نظام الوجود.الأديب الكبير لايفهم معنى القدر ولاهذه الخواص التي قدرها الله تعالى في الأشياء، ولايفهم ضرورة إيمان المسلم بالقضاء خيره وشره، ولايفهم أن الله حين خلق الانسان وخلق له العقل المميز أعطاه الاختيار بان يقوم بالفعل أو يتركه ولم يلزمه بالقيام بالفعل أو الترك إن القدر وهو علم الله تعالى لا يجبر العبد على القيام بالعمل لأن الله أعلم بأنه سيقوم به مختارا ولم يكن قيامه بالعمل بناء على العلم بل كان العلم الازلي أنه سيقوم بالعمل. وإرادة الله تعالى لا تجبر العبد على العمل بل هي آتية من حيث أنه لايقع في ملكه إلا مايريد، أي لايقع شيء في الوجود جبرا عنه.
هذا هو الذي كان يجب على (الدكتورمحمد حسن عبد الله) أن يرد به على " نجيب محفوظ" بدلا من محاولته تأكيد إسلاميته دون سند أو برهان يمكن الاطمئنان إليه.
---------------------
دكتور / أحمد إبراهيم خضر
الأستاذ المشارك السابق بجامعات القاهرة، والأزهر، وأم درمان الإسلامية وجامعة الملك عبد العزيز.