و ما تلبث أن تتحول الديمقراطية إلى كفر، و حقوق الإنسان إلى هرطقة، و يطلّ علينا مشايخ الإفتاء يذكروننا بواجب الطاعة للإمام، و ضرورة نبذ الفرقة و الاختلاف، و الوقوف صف و احد وراء "الزعيم" محذرين الجمهور أن من يخرج عن الجماعة مات ميتة الجاهلية. و يطلّ المثقف متسائلا، عن حاجتنا إلى الديمقراطية أو إلى المعارضة أو التداول السلمي للسلطة مشددا على أن تركيز الدولة و جهودها يجب أن ينصب نحو التنمية و الاستقرار و تحسين الظروف المعيشية، مكرسا بذلك واقعا جديدا من العلاقات بين الحاكم و المحكوم يقوم على الرشوة و الابتزاز- بمعنى أن يلتزم المواطن الصمت في مقابل أن يأكل عيش كما يقول المصري- و هو ما يورطه ايضا في وظيفة الفقيه القديمة الذي لا هم له سوى تبرير الواقع.
و النتيجة هو قمع كل بذرة تغيير أو تمرد في نفس المواطن العربي و الحكم عليه بالجمود و اللامبالاة، بحيث تنحصر مطالبه في الخبز و الآمان.
و بين مثقفي الدولة و شيوخها يغمرك اللامعنى من كل مكان و ترتسم أمامك سياسة كاملة متكاملة كالمؤامرة أو تكون، يشارك فيها الإعلام و الصحافة و أجهزة الدولة و العاطلين عن العمل و كل من هبّ و دبّ من اجل تكريس الاهتمام الرياضي على مدار الأسبوع إلى حد التخمة، و الاهتمام الفني على مدار السنة إلى حد التخمر، بحيث تحوّل الجميع إلى رقاصين و راقصات، و كل واحد فينا يقوم ما بوسعه للمشاركة في اللعبة .
و عندما تقوم إسرائيل بالاعتداء على غزة فجأة، ينتفض الواحد منا فجأة ، و ترى القوم يتنادون بعضهم إلى بعض في ذعر مما يحصل و حيرة مما يجري و عبثا يلجأ إلى حكومته يحاول نصرة أخيه في فلسطين و لكن لا مجيب. يتدافع مع المتدافعين أمام السفرات و المنظمات الدولية، فيصدهم البوليس و غير البوليس بقوة، و بعد محاولة أولى و ثانية يرتدّ عائدا إلى بيته متحسرا مقهورا لا يفهم ماذا يجري، متناسيا أن تلك الحكومات ما كان لها أن تستمرّ لولا صمته الرهيب و تقاعسه عن المطالبة بالتغيير.
و أثناء تراجع الجمهور يتقدم من يدعو إلى الجهاد، فتنقل المعركة من بعدها الدولي إلى البعد المحليّ لتصبح المعركة بين السلطة و"الإرهابيين" ، و سرعان ما تتغير خريطة التحالفات الداخلية ؛ فترى الليبرالي و الحقوقي و رجل الأعمال و الإعلامي و الموظف و الفنان مصطفا إلى جانب السلطة في محاولة للتصدّي "للعدو الداخلي" أو فرصة للتصالح معها عن خصومات سابقة .
أما الجمهور المسكين الذي وجد نفسه عاجزا في وقت سابقا عن التحرك، يجد نفسه مصطفا بوعي منه أو دون وعي إلى جانب "الإرهابيين" يدعو لهم بالنصرة و ينتظر منهم الخلاص.
و يفرح عندما تسقط طائرة أمريكية هنا أو هناك، و يبتهج عندما تتكبد أمريكا خسائر في الأموال و الأرواح بفعل حريق هنا أو هناك أو عاصفة أو إعصار، و يستهزئ عندما يطلع علينا على شاشة التلفزة من يدافع عن سياسة أمريكا مذكرا الجميع أنها دولة ديمقراطية، أما عندما يذكرنا بالمساعدات المالية و المادية التي تقدمها لنا لكي نعيش يوما إضافيا فيصيبنا الخرس.
و هكذا تفسد أخلاقنا و أذواقنا و بعد مدة نتحول إلى موضوعا للدراسة و البحث، و يصبح حبنا للدماء و القتل طابعا يميز شخصيتنا و الكره و الحقد مرضا فينا جدير بالبحث و الدراسة. فيتقدم المثقفون من هنا و هناك بحثا عن الأسباب و المسببات فتراهم يقفزون مباشرة إلى أثمن ما يوجد في حضارتنا ليوضع في قفص الاتهام و هو القرآن الكريم ؛ و من ثم تأتي الجمعيات الخيرية في العالم و المنظمات الدولية و مؤسسات وزارة الخارجية الأمريكية ببرامجها الإنسانية، لتعلمنا الحضارة و الخير و كيف نحب الآخر، أما الأنظمة العربية فلا تلبث أن تكشّر عن أنيابها كاشفة عن وجهها الابتزازي بوصفها البديل الوحيد عن الإرهاب و الجهل. و هكذا نجد انفسنا في حلقة مفرغة من المعنى تنتج نفس الأفكار و نفس المواقف و نفس الأشخاص.
من هذا المنطلق كلنا مشاركون في الجريمة و عندما يخرج "حفنة" من الناس يطالبون بالتغيير لا يجب أن يهزأ منهم أحدا، فالمسألة بقدر ما تهم مشاكلنا الداخلية تهم قضايانا المصيرية، بل أنها تهم مشاعرنا و عواطفنا و قيمنا الأكثر نبلا فينا .
أما المسيرات التي تخرج من كل صوب و حدب في العالم العربي، فلا يمكن أن يكون لها معنى و مضمون إذا لم تكن تعبيرا عن إرادة الفرد و تعبيرا عن انخراطه و اهتمامه بما يجري في الشأن العام و الشأن العربي تحديدا. و أن هذا الاهتمام لا معنى له إلا في سياق الاستحقاقات التي تستوجبها المشاركة السياسية الفاعلة و التصدي للامبالاة و الجهل الذي يقتلنا.
----------------
شاكر الحوكي
جامعي من تونس