ففي الوقت الذي يتعرض فيه المسلمون بغزة لعملية تقتيل أننتفض لها العالم أجمع، وعبر المسلمون بمختلف مناطق تواجدهم عن رفضهم لذلك بعديد الوسائل المتاحة، مقابل ذلك فإن نسبة كبيرة من التونسيين، قدّرت أن ذلك لا يمنعها من مجاراة عادات من كان سببا في مهالك المسلمين، إنها ارتأت أن تغض الطرف عن موضوع قتل المسلمين ولو مؤقتا، فلعلها لم تستطع الانفكاك عن اللحاق بالركب، ركب الاحتفالات بمناسبات الكفار مجسمة بخاصة هذه الأيام في الاحتفال بما يسمى "أعياد الميلاد".
ويمكن لأي تونسي أن يلحظ بكل أسف وحزن حلول ظواهر غريبة نبتت، أو لعل الأصح أنه وقع إنباتها عمدا وقهرا بتونس، خلال السنوات الفارطة، حيث ما إن تحل رأس السنة الميلادية حتى تتبدّى مظاهر الاحتفال بهذه العادة الكفرية الدخيلة، ممثلة في أنشطة وممارسات مستحدثة ما عهدها التونسيون من قبل، كالإقبال الكبير على اقتناء المرطبات لإحياء المناسبة، بحيث انك يمكن أن تلحظ تهافت حتى ابسط الناس للمزايدة في عدم التخلي عن هذه "العادة"، ثم تكاثر اقتناء لحوم الدجاج وبخاصة الديك الرومي، في تقليد حرفي للمسيحيين، ثم ينتهي الأمر بإحياء المناسبة في حفلات ماجنة تقام بمحلات معدة لذلك كالنوادي الليلية والنزل، والتي يقصدها تلك الليلة الشباب والشابات، من دون أن يسمع احد انه وقع منع لارتيادهم تلك البؤر، بحيث يختلط الحابل بالنابل تلك الليلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الترويج للظاهرة:
ويقع الترويج لظاهرة الاحتفال بأعياد النصارى والعمل على إشاعتها بين التونسيين، بطرق وأساليب كثيرة:
- الترويج بطريقة مباشرة للظاهرة، من خلال تناول الموضوع كمادة للنقاش السلبي بوسائل الإعلام التونسية، التي يقف ورائها عموما نخب متغربة، وينشطها أفراد مافتئوا يعطون الانطباع على أنهم أشخاص فارغون فكريا، لا يكادون يعرفون من أمرهم شيئا، لشدة إعراضهم عن دينهم وانخراطهم بقوة في تمرير مشاريع التغريب بتونس.
- ثم إن هذه المواد الإعلامية تتناول الموضوع تناولا سلبيا، بمعنى إنها تتناول الظواهر المعنية من دون الإنكار على القائمين بها واستهجان أفعالهم، وهو ما يحيل هذه النقاشات لوسائل للترويج لتكل الظواهر السلبية عوض إدانتها ومقاومتها، كعادة وسائل الإعلام التونسية عموما حينما تتناول الظواهر الخطيرة، حيث تزعم معالجتها، ولكنها تعمل من طرف خفي على الترويج لها (ظواهر الزناء، السيدا، الخيانة الزوجية...).
- كما يقع الترويج بطريقة غير مباشرة لظاهرة الاحتفال بأعياد النصارى والعمل على إشاعتها بين التونسيين، من خلال غض وسائل التثقيف الديني الطرف نحو الموضوع وتبني موقف الصمت والتجاهل، فلم نسمع من إذاعة الزيتونة أعمالا تقاوم هذه الظواهر الدخيلة، ولم نسمع أن خطب الجمعة قامت بحملات لمقاومة الظاهرة، وهو ما يؤكد الرأي المتعارف عليه من أن إذاعة الزيتونة ماهي إلا وسيلة للالتفاف على ظاهرة تنامي المد الإسلامي بتونس، من خلال الترويج لنمط من الإسلام المجزأ يقارب انحرافات المتصوفة ويشابه التدين المسيحي في مقاربته للواقع وابتعاده عنه.
مشروع التغريب بتونس، واستنباط الوسائل:
- كما هو معروف، فإن تونس الحديثة قامت منذ الاستقلال على مبدأ رفض الموروث الحضاري للبلاد ممثلا في الدين الإسلامي والانتماء العربي، ولذلك فان كل موقف شاذ يقع تمريره بتونس، يجب أن يتناول من خلال فهم هذا المعطى. ولما كان الأمر كذلك، فانه وقع العمل بدأب على استبعاد الإسلام من أن يكون مؤثرا في واقع تونس والتونسيين، وذلك عن طريق مطاردته في كل ثنايا الحياة، لان بقائه مما يعيق تمرير المشروع التغريبي بتونس.
- لما كان المشروع التغريبي الذي وقع إقراره منذ الاستقلال مشروعا غريبا عن التونسيين، فانه لن يمكن تمريره إلا من خلال وسائل تستبعد توفر عناصر الانضباط بالمبادئ عموما، وتساعد بالتالي على تعظيم الشهوات والنأي عن تأثير الدين، وذلك لان الالتزام بالمبادئ مما يحيل للتفطن لخطر المشروع الذي يمرر قهرا ضد التونسيين. ثم إن هذا الهدف لا يتم الا من خلال إغراق الناس في كل ما من شانه ان يعارض فكرة إحلال المبادئ في حياة الناس فضلا عن الالتزام بها.
- ومن هنا يمكن فهم الخلفية التي تحكم عدد كبير من الأنشطة التغريبية التي تبرز فيها تونس، كالمهرجانات التي توصف بالثقافية والتي تقام على مختلف أشهر السنة وبمختلف مناطق البلاد، حيث تمثل المهرجانات وسائل مميزة لتمرير الأنشطة التافهة والتي تعمل كلها على ترويج ثقافة المجون والتسيب والانحلال والسلبية عموما لدى الشباب خاصة، أو كالتشجيع على كل سعي يتوقع منه مردود تمييعي، ككل الأنشطة المتعلقة بالمرأة لما فيها من قدرات كامنة لتأكيد عناصر المشروع المجتمعي التغريبي ولما فيها من عوامل لتوريط الشباب في خضم هذا المشروع (تشجيع الرياضة النسائية مثلا ومجمل الإجراءات التي تسوق ظاهريا على أنها لدعم حقوق المرأة..).
- وبالإضافة لهذه المساعي التغريبية الثابتة، فانه يقع استغلال ما يستحدث من أنشطة أو تشجيع الجديدة منها من تلك التي تحمل إمكانيات كامنة لتمرير المشروع التغريبي بتونس، والخلفية المتحكمة في كل هذه المساعي، هو الدفع باتجاه مزيد من الابتعاد عن الالتزام بالإسلام، بحيث ان كل خطوة في اتجاه الإبتعاد، هي خطوة تقلل آليا من قدرة المقاومة في وجه القائمين عن الواقع التونسي، وهو مما يقرّ أعين هؤلاء وأوليائهم الذين يمدونهم بالدعم المباشر أو الغير المباشر، كالجوائز والإشادة، ان وقفوا حماة ومروجين لمشاريعهم ببلدانهم الأصلية.
- وفي ظل هذا المعطى يمكن فهم التشجيع الذي تلقاه الظواهر المستجدة المتمثلة في الاحتفالات بأعياد النصارى في نهاية كل سنة بتونس، فهذه المناسبات تمثل فرصة هامة تساعد على الدفع لمزيد من إلحاق التونسيين بالغرب.
- ومن الأساليب الخبيثة التي تعتمد بتونس لتمرير المشروع التغريبي، يقع استعمال مبدأ التوريط، حيث يعمل على دفع التونسي في طريق السلوك المشبوه، ثم إنه من خلال الإكثار من المورطين، فإن ذلك مما يعمل على تطوير السلوك المشبوه بحيث انه يمر من طور الحالة الفردية لوضعية الظاهرة، ولما يحين الوصول لتلك المرحلة، فان السلوك المشبوه، يصبح منتجا ذاتيا لوسائل الدفاع ضد الانتقادات، وهو مما يريح القائمين على مشروع التغريب بتونس، من أن يواصلوا الرد على خصومهم، بل هو مما يضيق من مساحة خصومهم العقديين.
- وكتأكيد على ذلك، نرى أن الدفاع عن الواقع التونسي بمكوناته العفنة أصبح تتولاه حاليا أطراف ليست رسمية، من ذلك الأحزاب العلمانية وبعض الأطراف المستقلة المتواجدة بالجامعات وغيرها من وسائل التأثير كالإعلام والمنظمات التي تسمى مدنية المنضبطة بمفاهيم علمانية (منظمات حقوق المرأة وحقوق إنسان)، لان هؤلاء نتاج الواقع الذي وقع تمريره قهرا منذ أكثر من نصف قرن، وإدانة أسس الواقع يعني إدانة لهم من حيث إنهم يسيرون على منهجه، ولذلك نرى هؤلاء يدافعون عن مجمل مكونات الواقع ولا يناقضونه إلا في التفاصيل، كدفاعهم عن مشاريع تدمير الأسرة (منظومة حقوق المرأة ومنظومة حقوق الطفل) أو مشاريع التغريب الفكري (يتبنى هؤلاء مثلا فكرة المهرجانات وما يحدث فيها من بث للانحلال ونشر للقيم الغربية ولا ينتقدون إلا بعض تفاصيلها) او مشاريع الإلحاق (لا يعارض هؤلاء مبدأ فكرة ربط مجمل المنظومة التعليمية التونسية بفرنسا، ونراهم بدل ذلك يناقشون تفاصيل تقنية للمشروع مع التسليم بصحة أساسه)....
- بل إن أمر قوة الواقع والتسليم به كمرجعية في أسسه، انتقل لرهط من الذين يصنفون على أنهم حملة المشروع الإسلامي بتونس، حيث نرى بعض المتساقطين منهم تحت سطوة فتنة الواقع يقرون مثلا بقبول مجلة الأحوال الشخصية وغيرها من المشاريع التغريبية التي كانت وراء مآل تونس حاليا، ولا يكادون يبتعدون في معارضتهم للواقع عما يفعله نظرائهم العلمانيين، من حيث أن صلب مطالبهم حقوقية وسياسية وليست عقدية فكرية جذرية.