و لكن التجربة و الأيام أثبتت أن حال المرآة من حال الرجل تنحني للمظاهر السلبية و تستجيب للشكليات و جاهزة للسير خلف السائرين، و انه ليس صحيحا، أو لم يعد صحيحا أن المرأة هي حامية التقاليد و القيم كما يتصور ، بل أن المفارقة النفسية عند المرآة قد تبدو اعقد من تلك التي تصيب الرجل . ذلك أن الرجل ، الذي يحسب نفسه يقلب أقدار العالم وهو يقلب بين أصابعه مجرد سيجارة ، قد فقد منذ مدة الاعتناء بنفسه و مظهره و استسلم محبطا إلى سحر السجائر حتى انه لم يعد يبالي بصحته أو يهتم بنظافة أسنانه، تاركا بذلك الزمن يفعل فيه فعله دون مقاومة، حتى بات ابن الثلاثين و كأنه في الأربعين و ابن الأربعين كأنه في الستين، من كثرة الإقبال على التدخين، و لا يخفى على احد ما للتدخين من تأثير على شيخوخة الإنسان باتت إجماع كل المختصين، فضلا عن تنامي التجاعيد و تساقط الأسنان ، أما و الأمر يتعلق بالمرأة فمن المستغرب أن تسقط في هذا المطب، و هي التي عرفت باهتمامها بالرشاقة و الأناقة و الحرص الشديد على التجمل في كل مكان و استدامة شبابها، حتى أصبح وجهها مخبر كل أنواع الماكياج و الزينة و ملتقى كل الماركات العالمية، و باتت كل قطعة زجاج أو بلور أو واجهة على الطريق العام ، فرصة لمتابعة آخر المستجدات التي تطرأ على مظهرها بفعل هبة ريح من هنا، أو نسمة من هناك، أو قطرة مطر.
و مع ذلك ، نفهم أن يكون التدخين تمردا على المجتمع، و رفضا لتقاليده ، و أملاءاته ، و محاولة لمجارات العصر بكل ايجابياته و سلبياته، و شكل من أشكال تعبير المرأة عن حريتها و انخراطها في الحداثة، و محاولة لتأكيد الذات على حقها في التصرف بحرية في جسدها؛ في وقت استفحل الصراع بين السياسي(الادعاء بحقوق المرأة) و الديني( التشديد على النقاب و الخمار) و الاقتصادي(الإشهار) على هذا الجسد المسكين ، إذ يحاول كل طرف أن يحتكر الوصاية عليه .
و نتفهم أن يكون التدخين عند المرأة جزاءا من محاولة تجديد الأعراف و القيم، و شكل من أشكال إدراك المرأة لذاتها، و سحب اعتراف الآخرين بها كما هي، و أن اضر التدخين بصحتها و جمالها فالأولوية باتت لفرض الذات قبل فرض الجمال ، و أن تثبت وجودها بوصفها ابنة اليوم و ليس الأمس، و ابنة مجلة الأحوال الشخصية و مبدأ المساواة، و وريثة العادات الغربية، و ليس عصور خلت من التهميش و القهر و الاستبعاد و الاستعباد. و قد لا يكون من الصدفة أن لا يحلو للنساء التدخين إلا في المحافل العامة و في حضور الرجال بالذات.
أليس الهدف هو الإقرار بالواقع الجديد بما يترتب عنه من نتائج؛ وهو بالمناسبة ما يعجز الرجال عادة عن فهمه، فيأخذون ذلك على انه مجرد نزوة عابرة لقضاء لحظة عابرة أو مجرد مشهد في شريط يعود إليه دور البطولة. و بالتالي لا يهم. و لكنه لا يلبث أن يدرك أن اللحظة العابرة مستمرة و أن كل "الرجال" إبطال فما يلبث أن يسترد عمامته، و يستعيد موقف الدوني من المرأة المدخنة، و يتفجر الموقف.
و إذا كان هذا المشهد بكل ما فيه و ما عليه، لا يمكن تفهمه إلا في هذا السياق ليكتسب معناه. فهذا لا يعني انه على المرأة أن تدخن حتى تدرك ذاتها أو تحقق وجودها؛ و إلا فلن تكون جديرة بوصفها معاصرة و حداثية . إذ احسب أن المرأة الذكية هي التي تحلّق بعيدا عن هذا السفاسف و الصغائر، فهي لا تحتاج أن تنفخ الدخان في وجوه الرجال المساكين حتى تحقق حريتها.
و لكن ما لا يفهم حقا هو ظاهرة التدخين عند المتحجبة أو لنقل المتدينة المحتجبة، و هي ظاهرة باتت شائعة عند الكثيرات منهن ، و أصبحت بارزة للعيان بشكل مستفز . و نحن لا نريد أن نفترض سوء النية في هؤلاء و نرميهم مسبقا بالإيهام و التمويه و الخداع و الجهل، أو أنهم مندسين في صفوف جموع المتدينات بهدف التشويش عليهن و خلط الأوراق، بحيث تغيب المعايير و معها يغيب التميز بين الأضداد و الثنائيات و الصالح و الطالح، بل أكثر من ذلك عوضا أن تكون المتحجبة مثالا للأخلاق المستقيمة باتت في قفص الاتهام .
و لا يخفى على احد ما في مشهد المرأة المدخنة عموما من إثارة و إغراء أثبتت المدخنات حذقا في إبرازه و بات صنعة و فنا عند الكثيرات منهن، بل و فرصة للإيحاء أو التعبير عن الاستعداد للخطوات اللاحقة. لذلك فمثل هذه الظاهرة لا نراها إلا تهميشا للقضية و تمييعا للتدين و عبثا بالاستحقاقات الدينية .
لست من دعاة النقاب و الخمار أو الحجاب كما يقال؛ إذا كان هذا الحجاب يحمل معه مشروعا لحجب النور عن العقل، و يعني اختيار السكون على الحياة و السجن على الحرية ، أو اقتصر على تغطية الجسد فقط، أو كان مستفزا و ملفتا أكثر مما يجب ، أو استجابة لظرفية معينة، أو إنكارا للذات و إعلان عن موت الجسد ، أو كان انخراطا سياسيا، أو التزاما إيديولوجيا، أو حتى إذا كان بدواع دينية بحتة .
و سأكون فقط مع الحجاب؛ إذا كان محاولة للتصدي لكل مظاهر الانحراف و الاغتراب و التغريب، و متى كان ينبع من و عي حضاري و ثقافي و إحساس بالمسؤولية و قناعة ذاتية راسخة و مؤسسة؛ بما هو محاولة للتصدي للتفسخ الأخلاقي و الثبات على الموقف و الاعتراض على كل أشكال الاستغلال المادي للجسد ، و متى كان يهدف إلى الحفاظ عن الجذور الأصيلة للثقافة الوطنية و الحفاظ عن العرض و الشرف و الحياء و الحشمة، و كان محاولة لتجنب استفزاز ما تبقى من مشاعر الرجولة في الرجل .
و سأكون مع الحجاب إذا كان الحجاب قلعتنا الأخيرة، و حصننا الحصين للتصدي للقيم المبتذلة ، و الاستبداد، و التهريج الذي يبث على أمواج الأثير المحلية و عبر الفضائيات العربية، و كل أشكال الفرنسة التي تتعمّد ضرب اللغة العربية ، و كان تعبيرا عن الصمود في وجه الحملات الشرسة إزاء الإسلام، و المشككة في قناعاتنا الإسلامية، و كان تمسكا بقيمنا و تشبثا بمبادئنا.
و سأكون مع الحجاب متى تحول الحجاب عنوانا لهوية الأرض العربية أو المسلمة لاسيما في فلسطين كل فلسطين و في الشيشان و كوسوفو و الهند و نيجيريا و كينيا و اندونيسيا و تركيا و أقاليم الصين المسلمة و في كل بقاع الدنيا .
من هذا المنطلق، لا نرى في تلازم الخمار و التدخين إلا استفزازا و عبثا بالقضية؛ إذ انه من استحقاقات الحجاب- إذا كان لا بد منه- هو الالتزام بمنظومة القيم التي تترتب عنه، و التي تغذيه و تبرره، و العمل على حفظ رمزيته ليس بوصفه ساترا لعورة الجسد فقط، و أنما بوصفه ساترا لعورات كل المجتمع و حاميا لتصوراته المثلى و بوصفه الثابت وسط المتغيرات.
--------------
شاكر الحوكي
جامعي تونسي