بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: سمير سعدولي

سمير سعدولي
باحث في علم الاجتماع التربوي وأستاذ تعليم ابتدائي، يركّز في كتاباته على تحليل المدرسة التونسية بوصفها فضاءً للسلطوية الرمزية وجغرافيا فكرية متعددة الطبقات. ابتكر في مقالاته مفاهيم مثل اللاهوت التربوي، الشعوذة البيداغوجية، والذاكرة الميتة لتوصيف الممارسات والمؤسسات التربوية في تونس. يهتم بدراسة العلاقة بين السلطة والمعرفة، بين المناهج والهوية الثقافية، ويقدّم قراءة نقدية–أنثروبولوجية للطقوس المدرسية، وبناء الإنسان المدرسي، وأزمة الانضباط والعدالة الاجتماعية.
نشر العديد من المقالات التي تسعى إلى فك رموز المدرسة التونسية، كشف العوائق البنيوية للفعل التربوي، وإعادة طرح سؤال المعنى في التعليم الرسمي، مع سعي دائم نحو تأسيس رؤية نقدية جديدة للمدرسة كمكان للمعرفة والسلطة والمقاومة الرمزية.

المدرسة العمومية ومنطق السوق: من القفص الحديدي إلى الثقوب الدودية للحراك

2026-06-24 40 قراءة مقالات رأي سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
تقديم:

يتردد في الخطاب اليومي والإعلامي والسياسي توصيف التعليم باعتباره "قطاعًا غير منتج"، وكأن الموارد العمومية الموجهة إليه تُستهلك دون أن تُفضي إلى إنتاج اجتماعي ذي قيمة. وقد ترسخت هذه المقاربة في سياقات تتسم بتصاعد ضغط المالية العمومية، وتنامي مطلب إخضاع الإنفاق العام لمنطق المردودية القابلة للقياس الكمي المباشر.

في المقابل, تتكثف في الحياة الاجتماعية مظاهر تقدير الإنجاز المدرسي، حيث تتعالى الأفراح في البيوت مع مختلف محطات النجاح: من الباكالوريا إلى المناظرات الوطنية، مرورًا بشهادات التخرج والانتقال بين المستويات التعليمية، بما يحول النجاح المدرسي إلى طقس اجتماعي مركب تتداخل فيه الدلالة الرمزية بالرهان الاجتماعي. غير أن هذا التوتر يكشف مفارقة بنيوية: مجتمع يحتفي بمخرجات المدرسة في الوقت الذي يعيد فيه إنتاج خطاب يشكك في جدوى المؤسسة التي أنتجت تلك المخرجات.

1. القفص الحديدي ومنطق العقلنة الأداتية للقيمة:

ينطلق التحليل من مفهوم "القفص الحديدي" كما صاغه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (Max Weber, 1905)، والذي يحيل إلى تمدد العقلانية الأداتية باعتبارها إطارًا مهيمنًا لتقييم المؤسسات الاجتماعية. ضمن هذا الأفق، تُختزل قيمة الفعل المؤسسي في قابليته للقياس الكمي وتحقيق العائد المباشر.

وبناءً عليه، تُقاس "إنتاجية" المؤسسة بمعيار السوق: فالسلعة قابلة للتسعير، والخدمة المالية قابلة للربح، بينما يُعاد توصيف المدرسة بأنها "غير منتجة" لغياب مخرجات مادية مباشرة قابلة للتداول السريع. غير أن هذا الاختزال لا يعكس واقع المؤسسة التعليمية بقدر ما يكشف حدود النموذج التقييمي نفسه، الذي يحوّل المجتمع إلى بنية أسيرة لمنطق حسابي ضيق لا يرى من الإنتاج إلا ما يمكن تسعيره وتداوله في السوق.

2. المدرسة بين النقد البنيوي والاختزال الإيديولوجي:

مع ذلك، لا يمكن اختزال النقد الاجتماعي للتعليم في مجرد سوء فهم أو جحود رمزي. فجزء معتبر من هذا النقد يستند إلى معطيات واقعية تتعلق بفجوة التلاؤم بين مخرجات النظام التعليمي وتحولات سوق العمل، خصوصًا في سياق اقتصاد معرفي متسارع.

هنا لا يتعلق الأمر بنفي القيمة الاجتماعية للتعليم، بل بتشخيص اختلالات وظيفية في بنيته البيداغوجية والمؤسساتية. غير أن الإشكال يظهر عندما يتحول هذا النقد الجزئي إلى حكم كلي يُلغي الطابع البنيوي للتعليم، ويختزله في توصيف أحادي بأنه "قطاع غير منتج"، بما يعطل إمكان التفكير الإصلاحي ويكرس منطق الإدانة الشاملة.

3. التعليم وإنتاج رأس المال البشري والبنى الكامنة:

يتجاوز التعليم وظيفة إنتاج المهارات المباشرة إلى تشكيل البنى الكامنة التي تجعل الفعل الاقتصادي والاجتماعي ممكنًا. فالطبيب، والمهندس، والقاضي، والباحث، ليسوا إلا تجليات لمسارات طويلة من التكوين المؤسساتي المعقد.

في هذا السياق، يوضح ثيودور شولتز (Theodore Schultz, 1961) أن الاستثمار في التعليم هو استثمار في رأس المال البشري باعتباره مخزونًا من القدرات والمعارف القابلة للتفعيل عبر الزمن لرفع إنتاجية الأفراد والمجتمعات. وعليه، فإن إنكار الطابع الإنتاجي للتعليم هو في جوهره إنكار لزمنية الإنتاج ذاته؛ حيث لا يُختزل الإنتاج في لحظته النهائية، بل يمتد كبنية تراكمية بطيئة تظهر ثمارها على المدى البعيد.

4. النجاح للجميع... والفضل لمن؟

تكشف الممارسة الاجتماعية عن مفارقة لافتة؛ فكل محطات النجاح المدرسي تُستقبل باعتبارها لحظات اعتراف جماعي، في حين يُعاد توجيه الفضل نحو الفرد أو الأسرة، ويتم تهميش البنية المؤسسية المنتجة لهذا الإنجاز. هذا ما يمكن وصفه بآلية "نزع النسب المؤسسي"، حيث يُعاد توزيع الفضل بشكل رمزي لصالح الفاعل الفردي واجتهاده الشخصي على حساب المدرسة التي لا تُذكر غالبًا إلا عند الإخفاق.

وفي هذا الأفق، يقدّم بيير بورديو (Pierre Bourdieu, 1979) قراءة دقيقة لوظيفة المدرسة كجهاز لإنتاج الرأسمال الثقافي والرمزي، بما يتيح إعادة توزيع المواقع الاجتماعية داخل بنية غير متكافئة. ومن ثم، فإن الشهادة لا تُفهم فقط كوثيقة معرفية، بل كرأسمال رمزي قابل للتحويل الاجتماعي والترقي والاعتراف، وهو ما يفسر مركزيتها الطقوسية في الاحتفالات الأسرية والجماعية.

ولا يقتصر هذا "النزع للنسب المؤسسي" على المدرسة بوصفها مؤسسة مجردة، بل يمتد أحيانًا إلى الفاعلين التربويين أنفسهم، وفي مقدمتهم المدرسون، الذين يُنتظر منهم إنتاج النجاح المدرسي والمساهمة في بناء الكفايات والقيم وإدارة التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة، في الوقت الذي تتعرض فيه مكانتهم الرمزية والاجتماعية إلى أشكال متفاوتة من التآكل. فبينما يُحتفى بالنتائج والمخرجات، يُهمَّش أحيانًا الدور الذي يؤديه الفاعلون التربويون في إنتاجها، ويُختزل عملهم في وظائف تقنية أو إجرائية ضيقة، بما يحجب مساهمتهم الفعلية في صناعة رأس المال البشري والثقافي والاجتماعي. وهكذا تتجلى مفارقة إضافية تتمثل في مطالبة المدرسة بإنتاج النجاح والحراك الاجتماعي، مع تراجع الاعتراف بالمؤسسة وببعض الفاعلين الأساسيين الذين يساهمون يوميًا في تحقيق هذه الوظيفة.

5. نحو نموذج غير خطي: المدرسة كبنية عبور اجتماعي (الثقوب الدودية التربوية)

إن محدودية المقاربة الأداتية في فهم المدرسة تعود إلى افتراضها خطية العلاقة بين المدخلات والمخرجات، أي تصورها وفق منوال ميكانيكي مباشر وفوري. في المقابل، يقترح هذا التحليل استئناسًا استعاريًا مضبوطًا بمفهوم "الثقوب الدودية التربوية" المستعار من الفيزياء النظرية لتوصيف الوظيفة غير الخطية للمدرسة؛ إذ هي لا تعمل كبنية تحويل مباشر، بل كبنية عبور اجتماعي قادرة على ربط مواقع اجتماعية متباعدة عبر مسارات غير متجانسة زمنيًا، تفلت أحيانًا من حتميات إعادة الإنتاج الطبقي الصارمة.

وتتبدى هذه الآلية في قدرة المدرسة العمومية على تمكين الفئات الاجتماعية الهشة والشرائح المغبونة من "طيّ المسافات الطبقية" واختصار مسارات تاريخية وأجيال طويلة من التفاوت والركود، مفسحة المجال للانتقال إلى مواقع جديدة من الاعتراف والاندماج المهني. غير أن هذا التحقق غالبًا ما يكون مؤجلاً عبر الزمن، مما يجعل الأثر التربوي والرمزي غير قابل للاختزال في لحظته المحاسبية الآنية، إذ قد يتأخر تمظهر أثر التعليم سنوات طويلة قبل أن يتبلور في شكل مسارات مهنية، أو مشاريع ريادية, أو مساهمات مدنية وثقافية ممتدة.

6. الاقتصاد الرمزي والثقافة الاستهلاكية:

تتضاعف إشكالية تقييم التعليم في سياق هيمنة منطق استهلاكي معاصر يفضل القيمة الفورية والمرئية والقابلة للامتلاك المباشر. في هذا الإطار، تُقاس المؤسسات بمدى قدرتها على إنتاج نتائج سريعة ومؤشرات آنية، بينما تُهمّش العمليات التراكمية البطيئة.

غير أن المدرسة تنتج أشكالًا من الرأسمال الرمزي والثقافي يصعب إخضاعها للقياس السوقي وتسعيرها، رغم كونها محددة لمسارات إعادة تشكيل البنى الاجتماعية وتحقيق التنمية والاستقرار المجتمعي.

7. التهميش كمسار لإعادة تشكيل المجال العمومي:

لا يُفهم تراجع موقع التعليم العمومي ووصفه أحيانًا بأنه "عبء مالي" إلا ضمن تحولات أوسع عرفتها العديد من الدول منذ صعود المقاربات النيوليبرالية وإعادة تعريف أدوار الدولة الاجتماعية. وفي عدد من التجارب الدولية المرتبطة بإصلاحات مستلهمة من هذه المقاربات، برزت اتجاهات تقوم على إضعاف الاستثمار العمومي، وتضخيم الخطابات التي تشكك في جدوى المؤسسة العامة، وإعادة النظر في الالتزامات الاجتماعية التاريخية التي جعلت من المدرسة مصعدًا للحراك وبناء الدولة الوطنية.

ولا تعمل هذه التحولات دائمًا من خلال الخوصصة المباشرة، بل كثيرًا ما تتخذ أشكالًا تدريجية ناعمة تعيد توزيع الأعباء نحو الأسر والفاعلين الاجتماعيين، بما يفتح المجال أمام منطق شبه سوقي في إدارة الخدمات الأساسية وتحويل الحق الاجتماعي إلى خدمة تخضع بدرجات متفاوتة لمنطق العرض والطلب.

8. التعليم وإعادة إنتاج المجتمع:

يتجاوز التعليم وظيفته التقنية وإعداد اليد العاملة المؤهلة إلى كونه آلية جوهرية لإعادة إنتاج المجتمع ذاته. ووفق إميل دوركايم (mile Durkheim, 1922)، تمثل التربية وسيطًا أنثروبولوجيًا لنقل المعايير والقيم والأطر الأخلاقية المؤسسة للتضامن الاجتماعي والعيش المشترك، بما يضمن استمرارية البنية الاجتماعية عبر الأجيال. وعليه، فإن المدرسة لا تنتج أفرادًا مؤهلين فحسب، بل تنتج أيضًا شروط إمكان المجتمع ذاته.

خاتمة:

تكشف مفارقة الاحتفاء الاجتماعي بمحطات النجاح المدرسي، مقابل استمرار تشكك بعض الخطابات العامة في قيمة التعليم، عن أزمة أعمق تتعلق بنموذج تقييم القيمة داخل المجتمع الحديث. فالقفص الحديدي كما صاغه ماكس فيبر لا يختزل التعليم فحسب، بل يعيد تشكيل طريقة إدراكنا لمعنى الإنتاج ذاته.

وتتجلى هذه الأزمة كذلك في المفارقة التي تجعل المجتمع ينتظر من المدرسة إنتاج المعرفة والكفايات والحراك الاجتماعي، في الوقت الذي يتراجع فيه الاعتراف الرمزي أحيانًا بالمؤسسة التعليمية وبالفاعلين التربويين الذين يساهمون يوميًا في تحقيق هذه الوظيفة.

وفي المقابل، يتيح التصور غير الخطي للمدرسة فهمًا أوسع لدورها كبنية عبور اجتماعي تتجاوز منطق العائد الفوري، وتكشف عن أشكال من الإنتاج الاجتماعي والرمزي لا يمكن اختزالها في المؤشرات المحاسبية الآنية. فإذا كانت المدرسة لا تنتج سلعة قابلة للبيع، فإنها تنتج شروط إمكان الإنتاج ذاته، أي البنية الاجتماعية والمعرفية التي تجعل السوق نفسه ممكنًا.

ويبقى السؤال مفتوحًا ومحفزًا للأفق البحثي:

هل تكمن أزمة التعليم في بنيته الداخلية أم في الإطار الإبستمولوجي الذي يُقاس من خلاله؟
وكيف يمكن إعادة تعريف الإنتاج خارج الاختزال السوقي دون الوقوع في خطاب إنشائي رومانسي؟
وإلى أي حد تستطيع المدرسة العمومية المحافظة على وظيفتها كآلية للعدالة الاجتماعية والحراك الاجتماعي في ظل تصاعد منطق لتقييم الكمي؟

المراجع:

1. Bourdieu, Pierre (1979). La Distinction. Critique sociale du jugement. Paris : Les ditions de Minuit.

2. Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude (1970). La Reproduction. Paris : Les ditions de Minuit.

3. Durkheim, mile (1922). ducation et sociologie. Paris : PUF.

4. Schultz, Theodore W. (1961). Investment in Human Capital. American Economic Review.

4. Weber, Max (1905). L’thique protestante et l’esprit du capitalisme. Paris : Plon.

5. Apple, Michael W. (2006). Educating the "Right" Way. Routledge.

6. Laval, Christian (2004). L’cole n’est pas une entreprise. Paris : La Découverte.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق