تقديم:
لم يعد عيد الأضحى في تونس مجرد مناسبة دينية واجتماعية تتجدد فيها قيم التضامن والفرح وصلة الرحم، بل أصبح بالنسبة إلى فئات واسعة موسمًا للقلق والضغط النفسي والاختناق المالي. فمع كل اقتراب للعيد، ترتفع أسعار الأضاحي بشكل لافت، وتتحول الأسواق إلى فضاء مفتوح للمضاربة والسماسرة والربح المشط، حتى صار كثير من المواطنين يشعرون بأنهم أمام امتحان قاسٍ لقدرتهم الشرائية أكثر من كونهم أمام شعيرة دينية جامعة. وبين من يلهث وراء “خروف في المتناول” ومن يضطر إلى الاستدانة أو التخلي عن الأضحية، يتكشف وجه أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الاقتصاد التونسي، وحدود تدخل الدولة، وهيمنة منطق السوق المنفلت على الحياة الاجتماعية.
إن ما نعيشه اليوم لا يتعلق فقط بارتفاع ظرفي للأسعار، بل بتحول العيد نفسه إلى جزء من “القفص الحديدي” الذي تخضع له الفئات الوسطى والضعيفة داخل اقتصاد مأزوم، حيث تتراجع الحماية الاجتماعية ويتضخم نفوذ الوسطاء والمضاربين وتصبح المناسبات الدينية نفسها خاضعة لمنطق الربح الأقصى.
1. الأضحية تحت هيمنة رأس المال المتوحش:
تكشف أسعار الأضاحي في السنوات الأخيرة عن صعود شكل متوحش من الرأسمالية الطفيلية، لا يقوم على الإنتاج الحقيقي بقدر ما يقوم على الوساطة والمضاربة والاحتكار. فقد أصبح السمسار في كثير من الأحيان الطرف الأكثر استفادة داخل السوق، إذ يمكن أن يحقق أرباحًا تصل أحيانًا إلى 500 دينار في الخروف الواحد، دون أن يكون قد تحمل أعباء التربية والعلف والرعاية البيطرية التي يتحملها الفلاح الصغير. وهكذا يتحول العيد إلى موسم لاستهلاك مكثف تُستغل فيه الحاجة الرمزية والاجتماعية للأضحية من أجل تعظيم الأرباح.
هذا الوضع يعكس ما سماه كارل ماركس (Karl Marx, 1867) بـ“هيمنة منطق التراكم الرأسمالي” حيث تصبح العلاقات الاجتماعية خاضعة بالكامل لمنطق السوق والربح. كما يقترب من تصور زيغمونت باومان (Zygmunt Bauman, 2007) حول المجتمع الاستهلاكي السائل الذي تتحول فيه حتى القيم والرموز الجماعية إلى سلع قابلة للاستغلال التجاري. فالأضحية لم تعد مجرد شعيرة، بل أصبحت سوقًا ضخمة تتحكم فيها شبكات المضاربة والوساطة أكثر مما تتحكم فيها الحاجة الدينية أو الاعتبارات الاجتماعية.
كما يمكن ملاحظة بُعد آخر أكثر خطورة يتمثل في تآكل الثقة الاجتماعية داخل المجتمع التونسي نفسه، حيث أصبح جزء واسع من المواطنين يشعر بأن بعض التونسيين يتحيلون على بعضهم البعض في المناسبات الاستهلاكية عبر الترفيع المشط في الأسعار وتحقيق مرابيح أقرب إلى “الافتكاك الاقتصادي” منها إلى التجارة الطبيعية. وقد تعمق هذا الإحساس خاصة في السنوات الأخيرة، حتى صار المواطن يشعر بأنه لا يواجه فقط أزمة اقتصادية خانقة، بل أيضًا منطقًا اجتماعيا يقوم أحيانًا على استغلال حاجة الآخر وضغطه النفسي والرمزي لتحقيق الربح السريع. وهنا تتحول الأزمة من مجرد خلل في السوق إلى أزمة أخلاق اقتصادية وتراجع تدريجي لقيم التضامن والثقة داخل المجتمع، حيث تصبح المناسبات الدينية نفسها مجالًا للتنافس والافتراس الاقتصادي بدل التكافل الاجتماعي.
فالأزمة لا تتوقف عند حدود العجز المالي، بل تمتد إلى ما يمكن تسميته بـ“الإذلال الرمزي” أو “الخصاء الاجتماعي”، حيث يشعر الأب غير القادر على شراء الأضحية بأنه فقد جزءًا من مكانته داخل الأسرة والحيّ. فالمجتمع لا ينظر إلى الأضحية فقط كشعيرة دينية، بل كعلامة على القدرة والرجولة والوفاء بالدور الأبوي، مما يدفع كثيرين نحو التداين الاستهلاكي والدخول في دوامة ديون تمتد آثارها إلى ما بعد العيد بأشهر طويلة. وهنا تتحول الأضحية من فعل تعبدي إلى آلية ضغط اجتماعي وإعادة إنتاج للتراتبية الطبقية، وهو ما يقترب من مفهوم “العنف الرمزي” عند بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 1998).
2. غياب الدولة وانسحابها من التنظيم الاقتصادي:
لا يمكن فهم انفجار الأسعار فقط من خلال جشع السماسرة، بل أيضًا من خلال تراجع دور الدولة وانسحابها التدريجي من مراقبة السوق وتنظيمه. فالدولة التي كانت تاريخيًا تلعب دور “الضابط الاجتماعي” أصبحت في كثير من الأحيان تكتفي بالمراقبة الشكلية أو التصريحات الإعلامية، دون تدخل فعلي يحد من المضاربة أو يفرض شفافية الأسعار.
إن هذا الانسحاب يعكس تحولات أوسع مرتبطة بصعود السياسات الليبرالية الجديدة التي تقوم على تقليص دور الدولة وترك السوق “ينظم نفسه بنفسه”، وهو ما انتقده بشدة بيار بورديو (Pierre Bourdieu, 1998) عندما اعتبر أن الليبرالية الجديدة تؤدي إلى “تفكيك الحماية الاجتماعية” وتحويل المواطن إلى فرد معزول داخل سوق قاسية. فحين تغيب الدولة، لا ينتصر “السوق الحر” كما يُروَّج لذلك، بل تنتصر شبكات الاحتكار والسمسرة والمضاربة، ويصبح المواطن الحلقة الأضعف داخل المعادلة الاقتصادية.
لقد تحولت الأسواق الموسمية في بعض المناطق إلى فضاءات فوضوية يغيب فيها التأطير الحقيقي، فلا توجد متابعة صارمة لمسالك التوزيع، ولا شفافية في تحديد الأسعار، ولا رقابة كافية على الوسطاء، مما يسمح بتضخم الأرباح بشكل غير منطقي مقارنة بكلفة الإنتاج الأصلية.
3. الحلول الاستباقية الغائبة: الأمن العلفي وحماية القطيع
تكشف أزمة الأضاحي أيضًا عن غياب رؤية استراتيجية بعيدة المدى في إدارة الثروة الحيوانية. فالدولة لم تعمل بالشكل الكافي على حماية القطيع الوطني والمحافظة على إناث الأغنام، رغم أن ذبح الإناث يهدد القدرة المستقبلية على الإنتاج ويرفع الأسعار على المدى الطويل. كما لم تُعطَ الأولوية الحقيقية لمسألة الأمن العلفي، رغم أن كلفة العلف أصبحت من أبرز أسباب ارتفاع أسعار الماشية.
لقد كان من الممكن اعتماد سياسات استباقية تقوم على دعم الإنتاج المحلي للأعلاف والسعي إلى تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، خاصة في ظل الأزمات العالمية وتقلبات أسعار التوريد. فالأمن الغذائي لا ينفصل عن الأمن الاقتصادي والاجتماعي، والدول التي تترك قطاعها الفلاحي رهين الأسواق الخارجية تصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات.
إن أزمة الأعلاف في تونس ليست مجرد نتيجة مباشرة للأسواق العالمية، بل أيضًا نتيجة بنية احتكارية داخلية تجعل المربي الصغير رهينة لكبار الموردين وشبكات توزيع محدودة النفوذ. فقبل أن يولد الخروف أصلًا، تكون كلفة إنتاجه قد خضعت لمنطق المضاربة والارتهان، مما يحول الفلاح الصغير إلى الحلقة الأضعف داخل سلسلة اقتصادية تتحكم فيها قوى أكبر منه بكثير.
ويشير كارل بولاني (Karl Polanyi, 1944) إلى أن إخضاع الغذاء والموارد الأساسية بالكامل لمنطق السوق يؤدي إلى تفكك المجتمع وتهديد توازنه الداخلي. وهذا ما يظهر اليوم حين تصبح حتى الأضحية، باعتبارها جزءًا من الثقافة الاجتماعية والدينية، رهينة للتقلبات الاقتصادية وضعف السياسات العمومية.
4. الحلول الحينية الغائبة: أين الرقابة والصرامة؟
إلى جانب غياب الحلول الاستراتيجية، يبرز أيضًا ضعف التدخل الحيني والمباشر خلال موسم العيد. فالدولة لم تفرض بشكل فعلي البيع بالميزان في مختلف الأسواق، رغم أن اعتماد سعر واضح للكيلوغرام الحي كان يمكن أن يحد من العشوائية والتلاعب. كما لم تُفعّل منظومة مراقبة صارمة لمسالك التوزيع من المربي إلى المستهلك، الأمر الذي ترك المجال مفتوحًا أمام تعدد الوسطاء وارتفاع الأسعار بشكل متتالي.
وكان من الممكن نشر فرق مراقبة اقتصادية وبيطرية بشكل مكثف داخل الأسواق، مع فرض عقوبات صارمة على المحتكرين والمضاربين، بدل الاكتفاء بحملات ظرفية محدودة التأثير. فالسوق حين تُترك دون رقابة حقيقية تتحول بسرعة إلى فضاء للفوضى الاقتصادية حيث يفرض الأقوى شروطه على الجميع.
وقد أشار ميشال فوكو (Michel Foucault, 1975) إلى أن الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على سن القوانين، بل أيضًا بقدرتها على إدارة الحياة اليومية وتنظيم الفضاءات الاجتماعية والاقتصادية. ومن هنا، فإن أزمة الأضاحي ليست مجرد أزمة أسعار، بل أزمة حوكمة وتنظيم وغياب إرادة فعلية لضبط السوق وحماية المستهلك.
5. البديل الفقهي الغائب: حين تتحول السنة إلى إلزام اجتماعي
رغم أن الفقه الإسلامي يعتبر الأضحية “سنة مؤكدة لمن استطاع”، فإن المخيال الاجتماعي الشعبي حولها تدريجيًا إلى شبه “فرض اجتماعي”، بحيث يصبح الامتناع عنها مدعاة للإحراج والشعور بالنقص داخل الحي والعائلة. وهكذا لا يعود المواطن محكومًا فقط بقدرته المالية، بل أيضًا بنظرة المجتمع إليه، فيجد نفسه مدفوعًا نحو الشراء حتى ولو كان ذلك على حساب توازنه الاقتصادي أو حاجاته الأساسية.
وفي المقابل، يبرز غياب واضح لدور المؤسسة الدينية في ترشيد السلوك الاستهلاكي أو تقديم خطاب ديني يخفف الضغط عن الفئات الضعيفة، سواء عبر الدعوة إلى المقاطعة المنظمة للسماسرة أو التأكيد الجماعي على أن الكرامة الاجتماعية لا تُقاس بثمن الأضحية. فالصمت الديني في مثل هذه الأزمات يساهم أحيانًا، ولو بشكل غير مباشر، في إعادة إنتاج الضغط الاجتماعي الذي يدفع الناس نحو الاستدانة والخضوع لمنطق السوق.
خاتمة:
لقد أصبح عيد الأضحى في تونس مرآة مكثفة للأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد. فحين تتحول الأضحية من شعيرة جامعة إلى عبء ثقيل، وحين يصبح المواطن محاصرًا بين الواجب الرمزي والاختناق المعيشي، فإننا لا نكون أمام أزمة موسمية عابرة، بل أمام خلل أعمق يمس علاقة الدولة بالسوق والمجتمع.
لقد بات السوق لا يبيع الخروف فقط، بل يبيع أيضًا الاعتراف الاجتماعي والشعور بالانتماء والكرامة الرمزية، وهو ما يجعل الفئات الضعيفة أكثر قابلية للخضوع لمنطق الاستهلاك القسري والتداين والضغط النفسي. ومع غياب تدخل اقتصادي حازم، وضعف الرؤية الفلاحية، وتردد المؤسسة الدينية في لعب دور تعديلي، تتعمق الأزمة لتصبح جزءًا من إعادة تشكيل المجتمع التونسي على أسس طبقية أكثر حدة وقسوة.
فهل ما نعيشه اليوم هو مجرد ارتفاع ظرفي للأسعار؟ أم أننا أمام تحوّل خطير يجعل المناسبات الدينية نفسها خاضعة بالكامل لمنطق الربح والمضاربة؟ وهل يمكن الحديث عن عدالة اجتماعية حين يصبح العيد تدريجيًا امتيازًا لا يقدر عليه الجميع؟ ثم إلى أي مدى تستطيع الدولة استعادة دورها التنظيمي قبل أن يتحول “القفص الحديدي” للاقتصاد إلى واقع دائم يخنق المجتمع بأكمله؟
المراجع:
1. Marx, Karl (1867), Le Capital, Hambourg.
2. Weber, Max (1922), conomie et Société, Paris.
3. Polanyi, Karl (1944), La Grande Transformation, Paris.
4. Bourdieu, Pierre (1998), Contre-feux, Paris.
5. Bauman, Zygmunt (2007), La Vie liquide, Paris.
6. Foucault, Michel (1975), Surveiller et Punir, Paris.
الأضحية داخل القفص الحديدي للاقتصاد التونسي: هل أصبح العيد امتيازًا طبقيًا؟
2026-05-26
11 قراءة
مقالات رأي
سمير سعدولي
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن