بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: سمير سعدولي

سمير سعدولي
باحث في علم الاجتماع، مهتمّ بسوسيولوجيا التربية، وأستاذ مدارس ابتدائية. يشتغل في كتاباته على تحليل المدرسة التونسية باعتبارها فضاءً للسلطة والمعرفة، ومجالًا تتقاطع داخله الممارسات التربوية مع البنى الاجتماعية والثقافية والرمزية.

يعتمد في مقاربته على الحفر الأركيولوجي في طبقات المنظومة التربوية، بحثًا عمّا ترسّب فيها من تصورات وممارسات وخطابات وآليات للسلطة، وما يستمر منها في تشكيل المدرسة التونسية المعاصرة. ويمتد هذا الاشتغال، في بعض كتاباته، إلى قضايا تتصل بالشأن العام، من خلال مساءلة ما تخفيه الظواهر والمؤسسات والخطابات المألوفة من بنيات عميقة وعلاقات قوة.

ينشغل بدراسة العلاقة بين السلطة والمعرفة، وبين المناهج والهوية الثقافية، كما يهتمّ بالطقوس المدرسية، وبناء «الإنسان المدرسي»، وأشكال الانضباط والامتثال والمقاومة الرمزية، وما تكشفه المدرسة من تفاوتات اجتماعية وآليات لإعادة إنتاج اللامساواة.

وقد صاغ في عدد من مقالاته مفاهيم واشتغالات نقدية، من بينها «اللاهوت التربوي» و«الشعوذة البيداغوجية» و«الذاكرة الميتة» و«الثقوب الدودية في المنظومة التربوية»، في محاولة لبناء لغة تحليلية تساعد على تفكيك ما يبدو مألوفًا في المدرسة والمجتمع، والكشف عن بنياته العميقة وآليات اشتغاله.

نشر عددًا من المقالات والدراسات التي تتخذ من المدرسة التونسية وقضايا الشأن العام موضوعًا للتحليل والنقد، وتسعى إلى مساءلة العوائق البنيوية للفعل التربوي والاجتماعي، وإعادة طرح سؤال المعنى، والنظر إلى المؤسسات والممارسات لا بوصفها معطيات محايدة، بل باعتبارها فضاءات للسلطة والصراع والتفاوض والمقاومة الرمزية.

يوتوبيا علوم التربية: حين تتحول البيداغوجيا إلى وعد بالخلاص

2026-03-09 4754 قراءة بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
في العقود الأخيرة لم تعد المدرسة مجرد فضاء لتداول المعرفة، بل تحولت أيضًا إلى موضوع كثيف للخطابات التربوية التي تعد بالإصلاح الدائم والتجديد المستمر. تتوالى المفاهيم: التعلم النشط، الكفايات، البيداغوجيا الفارقية، مهارات الحياة، التعلم الذاتي… وكلها تقدم بوصفها مفاتيح قادرة على حل أزمة التعليم. غير أن هذا التضخم المفاهيمي يثير سؤالًا سوسيولوجيًا بسيطًا لكنه عميق: هل نحن أمام معرفة علمية تفسر الواقع التربوي وتساعد على تغييره، أم أمام خطاب يحمل في داخله نزعة يوتوبية تعد بالكثير دون أن تمتلك دائمًا شروط التحقق؟ من هنا يمكن الاقتراب من ظاهرة يمكن تسميتها:

يوتوبيا علوم التربية: حين تتحول البيداغوجيا إلى وعد بالخلاص

1. حين تعد البيداغوجيا بما لا تستطيع المدرسة تحقيقه
نشأت علوم التربية في الأصل بوصفها محاولة لفهم الظاهرة التعليمية وتحسينها. غير أن جزءًا من خطابها المعاصر أصبح يميل إلى تقديم وعود كبرى: مدرسة عادلة بالكامل، تلميذ فاعل دائمًا في تعلمه، تعلم بلا فشل تقريبًا، وفصل دراسي قائم على التعاون التام.
هذه الصورة تبدو جذابة نظريًا، لكنها غالبًا ما تتجاهل الشروط الاجتماعية والمؤسساتية التي تعمل داخلها المدرسة: الفوارق الاجتماعية، محدودية الموارد، الاكتظاظ، وثقل البرامج. وقد أشار علم الاجتماع التربوي منذ وقت مبكر إلى أن المدرسة ليست فضاءً محايدًا، بل تعكس بنية المجتمع نفسه، بما فيه من تفاوتات ورهانات ثقافية (Durkheim, 1922؛ Bourdieu & Passeron, 1970).
عند هذه النقطة يبدأ الخطاب التربوي في الانزلاق نحو نوع من اليوتوبيا: أي تصور مدرسة مثالية أكثر مما هو تحليل لمدرسة واقعية.
2. من تحليل الواقع إلى تخيل المدرسة المثالية
ليست اليوتوبيا غريبة عن الفكر الإنساني؛ فهي رافقت الفلسفة السياسية منذ زمن طويل بوصفها تصورًا لمجتمع أفضل. غير أن ما يحدث أحيانًا داخل علوم التربية هو انتقال هذا المنطق إلى المجال المدرسي.
فتتحول البيداغوجيا تدريجيًا من علم يفسر التعلم إلى خطاب يرسم صورة مثالية للتعليم: تلميذ يبني معرفته ذاتيًا، ومعلم يكتفي بدور الميسر، ومعرفة تُكتسب أساسًا عبر النشاط والتجربة.
ورغم أهمية هذه الأفكار في تجديد التفكير التربوي، فإن تعميمها بوصفها نموذجًا شاملاً قد يؤدي إلى تبسيط مفرط لعملية التعلم، التي تبقى عملية معقدة تجمع بين التوجيه والمعرفة والجهد الذهني (Meirieu, 1991).
3. المدرسة الواقعية تقاوم اليوتوبيا
عندما تنتقل هذه التصورات إلى المدرسة الواقعية، يظهر نوع من التوتر الصامت بين الخطاب والممارسة. فالمعلم يجد نفسه مطالبًا بتطبيق نماذج بيداغوجية مثالية داخل سياقات تعليمية مليئة بالقيود.
وهنا تتكشف مفارقة لافتة: كلما أصبح الخطاب البيداغوجي أكثر طموحًا، ازدادت المسافة بينه وبين الواقع المدرسي. وقد ذهب بعض النقاد إلى حد القول إن جزءًا من الفكر التربوي الحديث يتعامل مع المدرسة كما لو كانت مختبرًا يمكن إعادة تصميمه نظريًا، بينما هي في الواقع مؤسسة اجتماعية معقدة (Illich, 1971).
4. اليوتوبيا بين الإلهام والوهم
مع ذلك لا يمكن اختزال اليوتوبيا التربوية في بعدها السلبي فقط. فالأفكار الطموحة حول تعليم أكثر حرية وعدالة لعبت دورًا مهمًا في تجديد الفكر التربوي، كما يظهر في مشاريع التربية النقدية التي سعت إلى جعل التعليم أداة للتحرر الاجتماعي (Freire, 1974).
غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول اليوتوبيا إلى بديل عن التحليل الواقعي. فبدل أن تفسر علوم التربية المدرسة كما هي، تبدأ في وصف المدرسة كما ينبغي أن تكون. وعند هذه النقطة تصبح المعرفة التربوية أقرب إلى خطاب معياري منها إلى تحليل علمي.
5. نحو علوم تربية أكثر تواضعًا
ربما يكمن التحدي الحقيقي أمام علوم التربية في استعادة نوع من التواضع المعرفي: أن تبدأ بتحليل المدرسة الواقعية قبل رسم صورة المدرسة المثالية.
فالمدرسة ليست جزيرة معزولة عن المجتمع، بل هي جزء من بنيته الثقافية والاجتماعية. وكل إصلاح تربوي لا ينطلق من فهم هذه البنية يظل معرضًا للتحول إلى مشروع نظري جميل لكنه صعب التحقق.
خاتمة
ليس الخطأ في أن تحلم التربية بمدرسة أفضل؛ فكل إصلاح يبدأ بحلم. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الحلم إلى خطاب يغطي على فهم الواقع. عندها تصبح علوم التربية أقرب إلى يوتوبيا فكرية منها إلى معرفة قادرة على تفسير المدرسة وتوجيه تحولها. وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس: كيف نبني المدرسة المثالية؟ بل: كيف نفهم المدرسة الواقعية أولًا؟
المراجع
Durkheim, mile (1922). ducation et sociologie. Paris: PUF.
Bourdieu, Pierre & Passeron, Jean-Claude (1970). La reproduction. Paris: Minuit.
Illich, Ivan (1971). Une société sans école. Paris: Seuil.
Meirieu, Philippe (1991). Le choix d’éduquer. Paris: ESF.
Freire, Paulo (1974). Pédagogie des opprimés. Paris: Maspero.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق