لا شكّ أنّ لنا مصلحة في الوصول إلى حقيقة الأشياء، لذلك يهمّنا اتّباع الطرق المؤدّية إلى ذلك، ومنها الفصل المنهجي بين الفكرة من جهة، ومن يروّج لها أو يزعم تمثيلها من جهة ثانية
هذا الفصل غرضه فهم الموضوع، والتحرّر من توجيهات متبنّي الفكرة، وإدراك أنّه مجرّد تمثيل واحد من ممكنات عديدة أخرى واردة
وهو تحرّر من جهتين:
أولًا، ألّا نجعل خطأه محمولًا على الفكرة بالضرورة
وثانيًا، ألّا نجعل أنفسنا ملزمين بمواقف الرموز والتنظيمات والدول التي تتبنّى تلك الأفكار والمواقف
---------
شاهدتُ فيديو لامرأة كردية، كانت تستغرب وتتأسّف لمّا شاهدت فلسطينيين، ويبدو أنّهم من غزّة، يشيدون بما قامت به مجاميع حاكم سوريا الجديد، الذين قتّلوا الأكراد ثم أعلنوا الاحتفالات والنصر، وكان أولئك الفلسطينيون يشيدون بقتل الأكراد.
وقالت المرأة، في ما معناه: كيف يفرح من يعاني من الظلم بظلمنا وقتلنا، ونحن (الأكراد) الذين طالما وقفنا مع الفلسطينيين
----------
هنا إشكالية كبيرة على مستوى التعامل مع قضية الأكراد جعلت تصورنا للموضوع يشوبه السطحية، وأول أسباب ذلك عدم التعامل مع الفكرة، أي تلك القضية، كمجموعة تمّ الاتّفاق موضوعيًا على ظلمها في مختلف البلدان، مقابل تبنّي مواقف تنظيمات ودول من تلك المسألة من دون محاولة فهم الموضوع وتكوين رأي خاص
وبالتالي نشأ لدى عمومنا موقف سيّئ من الأكراد من خلال آليتين:
أولًا: عن طريق تعميم حالات تتعلّق بتنظيمات كردية تعاملت مع الغرب وإسرائيل، وهو الوجه الأوّل لعدم الفصل بين الفكرة وبعض من يمثّلها؛ أي إنّنا اختزلنا قضية الأكراد في بعض من يمثّلهم
ثانيًا: عن طريق بناء موقف من الأكراد بتبنّي مواقف أحزاب أو دول منهم، وهذا هو الوجه الثاني لعدم الفصل بين الفكرة وبعض من يروّج لها
لذلك فإنّ عموم القوميين في العراق وسوريا ومن يتبعهم، يتبنّون مواقف سيّئة من الأكراد، بفعل التأثّر بزاوية النظر التي تغلّب البعد القومي العربي على غيره من القوميات، ولذلك تمّ حرمان الأكراد من حقوقهم اللغوية وغيرها، مع اختلاف في درجات الظلم بين البلدان
وبعض الإسلاميين يُكوّنون رأيهم من الأكراد بناءً على مواقف تركيا من التنظيمات الكردية وصراعها معهم؛ فما تعاديه تركيا يعادونه هم
وشقّ آخر من الإسلاميين يتأثّر بمواقف التنظيمات الجهادية من الأكراد، وهي ذاتها مواقف سطحية، لأنّها تتعامل مع الموضوع بفرضية أنّ الأكراد مجموعة من الكفرة الملحدين
بينما لو تمّ التعامل مع الموضوع الكردي كفكرة مستقلّة عن أيّ تأثيرات من النوعين السابقين، لوجدنا أنّ الأكراد إخوة لنا في الإسلام، وأنّهم من زاوية ما عرب ما داموا يتكلّمون العربية ويستعملونها، وأنّ الأكراد في الأخير هم منّا ونحن منهم؛ فيهم الصالحون وفيهم من هم دون ذلك، وأنّ قضيتهم تُثار جزئيًا بفعل التعامل الظالم معهم
وعلينا أن ندرك أنّه ما كان للأجنبي أن يُجنّدهم لو لم يجدوا الصدّ من كل أبناء المنطقة
----------
فكرة الفصل بين الموضوع ومن يتحدّث عنه تناولٌ مهمّ، ويمكن اعتماده في قضايا أخرى، ومنها خاصّة المسألة الإسلامية لدى من يعارضون الإسلاميين ويخلطون بين الفكرة الإسلامية وبعض نماذجها وتعبيراتها من تنظيمات ورموز. فلو فصلوا لوجدوا في الفكرة الإسلامية الكثير ممّا يقولون به هم أنفسهم
وهذا التناول مهمّ كذلك في تناول الفكرة القومية لدى من يعارضها من الإسلاميين خاصّة؛ إذ لو حصل الفصل المنهجي بين تلك الفكرة وبعض تعبيراتها التاريخية، أي إذا نحّينا جانبًا أنظمة عبد الناصر وليبيا القذافي والنظامين البعثيين، لوجدوا في الفكرة القومية الكثير ممّا يمكن الالتقاء حوله
------------
الخلاصة: إنّ أصل مشاكلنا منهجيّ، وهو يكمن في الخلط بين الأفكار وعيناتِها، وعدم إدراك أنّ تلك النماذج مجرّد ممكن من ممكنات أخرى محتملة
علينا أن نفرّق بين الأفكار ومن يروّج لها: نموذج المسألة الكردية
2026-01-24
262 قراءة
مختلفات
فوزي مسعود
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن