لم تصبح أوروبا الغربية نموذجًا في النظام لأن شعوبها خُلقت أكثر أخلاقًا، ولا لأن جيناتها تميل فطريًا إلى احترام القانون،ولا لأن مواطنيها يستيقظون صباحًا وهم يتهجدون باسم الدولة والقانون، بل لأنها خاضت حروبًا أهلية دموية،ومجازر، وانهيارات أخلاقية واقتصادية، ثم خرجت من تحت الأنقاض بوعي مرعب
أن الفوضى ليست حرية، وأن غياب القانون ليس شجاعة،وأن الدولة حين لا تُحترم تتحول إلى غابة، والغابة لا تُنتج حضارة بل تأكل أبناءها.
أوروبا احترمت القانون لأنها خافت منه أولًا، ثم احتاجته، ثم آمنت به، ثم جعلته فوق الجميع، حتى فوق الدولة نفسها.
القانون هناك لم يكن نصًا في جريدة رسمية ولا حبرًا على ورق، بل كان عقدًا دمويًا غير مكتوب، وُقّع في ساحات الإعدام، وفي أقبية المحاكم، وفي شوارع دمرتها الحروب العالمية، حيث أدرك الإنسان الأوروبي، بعد أن رأى أخاه يحترق باسمه، أن الحرية بلا نظام انتحار، وأن الفرد بلا قانون وحش، وأن الدولة بلا محاسبة إله صغير فاسد.
في ألمانيا، لم يحترم العامل الوقت لأنه يحب ربّ العمل، بل لأنه يعرف أن الدقيقة المسروقة من المصنع هي سرقة من المجتمع كله، وأن المجتمع حين ينهار لن يسأل عن نواياه الطيبة بل عن أفعاله.
في فرنسا، لم يتوقف المواطن عند الإشارة الحمراء لأنه ملاك، بل لأنه يعلم أن الدولة التي تتسامح مع مخالفته اليوم ستتسامح غدًا مع سرقة حقه، ومع سحقه باسم مصلحة أعلى.
في السويد، لم يُقدَّس العمل لأنه عبادة، بل لأنه شرط البقاء في مجتمع لا يرحم الكسالى، مجتمع بنى رفاهيته على فكرة بسيطة وقاسية
من لا يُنتج لا يقرّر.
أما تونس، فلم تدخل هذه التجربة التاريخية كاملة، بل دخلت الدولة قبل أن يدخل المجتمع، ودخل القانون قبل أن تدخل الثقافة، ودخلت النصوص قبل أن تدخل الثقة.
الدولة التونسية وُلدت وهي تحمل بذور الشك فيها، لأن المواطن لم يرها حَكَمًا بل وريثًا للاستعمار، ولم ير القانون حماية بل أداة قمع، ولم ير الإدارة خدمة بل متراسًا.
القانون في المخيال التونسي لم يكن يومًا “عقدًا اجتماعيًا”،بل كان فخًا، وكان الالتفاف عليه ذكاءً، وكان التحايل عليه بطولة صغيرة تُروى في المقاهي.
التونسي لا يكره العمل لأنه كسول بيولوجيًا، بل لأنه لم يرَ في العمل كرامة.
لم يرَ العامل الشريف يُكافأ، بل رأى المحتال يترقى، ورأى السارق يُحصّن، ورأى المتحايل يُقدَّم كنموذج للنجاح.
لم يرَ القانون يطبق على القوي، بل رأى القوانين تُفصَّل على قياس الضعيف، وتُخرق بأناقة من الأقوياء.
فكيف تطلب من مواطن أن يقدّس قانونًا لم يقدّسه أصحابه؟
ثقافة اللاعمل في تونس ليست رفضًا للعمل، بل رفضًا للعبث.
هي رد فعل تاريخي على دولة لم تضمن العدالة، وعلى إدارة لم تحترم الجهد، وعلى اقتصاد لم يكافئ الإنتاج.
حين يعمل الإنسان ويُهان، ويُجتهد ويُقصى، ويُبدع ويُحاصر،يصبح الكسل احتجاجًا صامتًا، ويصبح التحايل لغة بقاء، ويغدو خرق القانون وسيلة تعويض نفسي عن شعور عميق بالظلم.
في أوروبا، الدولة سبقت المواطن في احترام نفسها،فاحترمها المواطن.
في تونس، الدولة تطلب الاحترام وهي لا تحترم ذاتها، تطلب الطاعة وهي تمارس الارتباك، تطلب العمل وهي تعاقب المجتهد، تطلب القانون وهي تفاوض عليه في الخفاء.
لهذا فشلنا لا لأن القوانين قليلة، بل لأنها بلا روح، وبلا عدالة،وبلا مثال أعلى.
ولهذا لا يُصلح تونس خطاب أخلاقي، ولا خطبة دينية، ولا حملة تحسيسية، بل صدمة حضارية شاملة تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.
الحل ليس في وعظ التونسي ليحب العمل، بل في جعل العمل مجديًا.
ليس في تخويفه بالقانون، بل في جعله يرى القانون يُطبق على الجميع.
ليس في تحميله ذنب الفوضى، بل في الاعتراف بأن الدولة ربّت هذه الفوضى حين كافأت التحايل وعاقبت الاستقامة.
الحل يبدأ من قمة الهرم
دولة تعمل قبل أن تطلب من شعبها أن يعمل، دولة تحترم وقتها، ميزانيتها، قوانينها، ومسؤوليها.
ثم يمر عبر مدرسة تُعلّم الانضباط لا الحفظ، ومؤسسة دينية تُعلّم قيمة العمل لا الخضوع، وإعلام يكفّ عن تمجيد الرداءة والاحتيال.
وينتهي بسوق عمل عادل، يكافئ الجهد، ويعاقب الفساد،ويجعل من الإنتاج شرط الكرامة.
حينها فقط، لن يحتاج التونسي إلى أن يُقنع باحترام القانون،لأنه سيخاف من غيابه أكثر مما يخاف من حضوره، ولن يُتَّهم العمل بأنه عبودية، بل سيُستعاد كشرط للحرية.
أوروبا لم تُخلق نظامًا، بل صارت نظامًا بعد أن دفعت ثمن الفوضى كاملًا.
وتونس، إن أرادت أن تُنقذ نفسها، عليها أن تفهم حقيقة واحدة قاسية
أن لا حضارة بلا قانون، ولا قانون بلا عدالة، ولا عدالة بلا دولة تحترم نفسها قبل أن تطلب الاحترام.
الدولة التي تشكو من فوضى مواطنيها، دون أن تعترف بأنها مصنع هذه الفوضى، تشبه أبًا يضرب ابنه لأنه يشبهه، أو نظامًا يبكي على خراب صنعه بيديه ثم يطالب الناس بالصبر والانضباط والنظام، وكأن الفوضى نزلت عليهم كزلزال لا علاقة له بتاريخ طويل من الإهمال، والتواطؤ، وسوء المثال.
الدولة لا تُربّي شعبها بالخطب، بل بالسلوك.
والشعوب لا تفسد فجأة، بل تُدرَّب على الفساد تدريجيًا، عبر رسائل صغيرة يومية تقول للمواطن
لا تكن مستقيمًا أكثر من اللازم، فالنظام لا يحبّ السذّج،والذكاء الحقيقي هو أن تمرّ بين القوانين لا أن تمرّ عبرها.
في تونس، لم تُهدم هيبة الدولة حين كُسر القانون في الشارع، بل حين كُسر في المكاتب، وحين رأى المواطن أن التراخيص تُشترى، وأن الملفات تُسرَّع أو تُدفن حسب الاسم،وأن القانون ليس قاعدة عامة بل اقتراحًا قابلًا للتفاوض.
وحين يتعلّم المواطن، منذ أول احتكاك بالإدارة، أن احترام القانون لا يُكافأ، بل يُؤخِّر، وأن الالتزام لا يُنقذ، بل يُعقّد،يتحوّل خرق القانون من انحراف إلى مهارة، ومن رذيلة إلى ذكاء اجتماعي.
الدولة التي تملأ قوانينها بالاستثناءات، تدرّب شعبها على الالتفاف.
والدولة التي تُدير اقتصادها بالترقيع، تخلق مواطنًا يعيش على الترقيع.
والدولة التي تساوم في تطبيق القانون باسم “الظرف” و“المرحلة” و“الاستثناء”، تفقد حقها الأخلاقي في المطالبة بالانضباط.
نحن لا نعيش أزمة كسل، بل أزمة معنى.
المواطن التونسي لا يسأل لماذا أعمل؟
بل يسأل لماذا أعمل هنا؟
لماذا أستيقظ باكرًا، وأحترم الوقت، وأدفع الضرائب، وألتزم بالقانون، في دولة لا تحترم وقتي، ولا تحمي جهدي، ولا تردّ لي شيئًا سوى الوعود؟
الدولة التونسية، عبر عقود، درّبت مواطنيها على انتظار الوظيفة لا على خلقها، وعلى استهلاك الدولة لا على بنائها،وعلى التذمّر منها لا على مساءلتها.
ثم فجأة، حين جفّ الريع، وانفجرت الأزمة، طالبت المواطن بأن يكون منتجًا، منضبطًا، صبورًا، ومحبًّا للقانون، دون أن تعيد تعريف علاقتها به، ودون أن تعتذر عن عقود من التضليل.
في أوروبا، حين انهارت الدولة بعد الحرب، أعادت بناء نفسها أولًا، ثم أعادت تربية مواطنيها.
قالت لهم بوضوح هذه دولة جديدة، قواعدها واضحة،القانون فوق الجميع، والعمل ليس خيارًا بل شرط العيش.
أما في تونس، فقد تغيّرت الوجوه وبقيت القواعد رمادية،وتبدلت الشعارات وبقيت الإدارة نفسها، وتبدلت الأنظمة وبقي منطق “دبّر راسك” هو القانون الحقيقي غير المكتوب.
التحايل في تونس ليس خللًا أخلاقيًا فرديًا، بل نظامًا موازيًا.
نظام يعيش على ضعف الدولة، ويُغذّى من ارتباكها، ويتقوّى كلما أعلنت نيتها في الإصلاح دون أن تلمس جذور المشكلة.
وكل إصلاح لا يبدأ من كسر هذا النظام الموازي، هو إصلاح تجميلي، يصلح الخطاب ويترك العطب.
الدولة التي لا تُعاقب الفساد الصغير، لن تُقنع الناس بمحاربة الفساد الكبير.
والدولة التي تتسامح مع الفوضى اليومية، لا يحق لها أن تُفاجأ بانفجارها.
من لا يحترم الإشارة الحمراء، تعلم هذا من دولة توقفت طويلًا عند الإشارة الخضراء ولم تتحرك.
الحل لا يكون بإصلاح المواطن قبل إصلاح الدولة، ولا بالعكس، بل بعملية جراحية مزدوجة ومؤلمة.
دولة تُقلّص نفسها حيث يجب، وتشتدّ حيث يجب، دولة لا تُكثر الكلام عن هيبتها بل تُمارسها بهدوء، دولة تطبّق القانون على نفسها قبل أن ترفعه عصا في وجه الناس.
نحتاج إلى دولة تُعيد تعريف النجاح، لا باعتباره قدرة على التحايل، بل قدرة على البناء.
إلى دولة تُعيد الاعتبار للعمل اليدوي، والمهني، والتقني،وتكفّ عن تصدير وهم الوظيفة كخلاص وحيد.
إلى دولة تُربّي المواطن على أن الكرامة ليست في التذمّر، ولا في الهجرة، ولا في كسر القانون، بل في القدرة على أن تكون جزءًا من نظام عادل.
حينها فقط، سيتحوّل القانون من عدو إلى حارس،
والعمل من لعنة إلى معنى،
والدولة من عبء إلى فكرة.
إلى أن يحدث ذلك، ستظل الدولة تلعن الفوضى،
وستظل الفوضى تبتسم،
لأنها تعرف جيدًا من علّمها الكلام أول مرة.
إمّا دولة أو لا شيء
هذه البلاد لا تنقصها القوانين، ولا العقول، ولا الموارد، ولا حتى الغضب، بل ينقصها قرار واحد واضح
هل نريد دولة أم نريد استمرار الوهم؟
لأن ما نعيشه ليس أزمة عابرة ولا اختلالًا ظرفيًا، بل حالة إنكار جماعي لدولة لم تكتمل، ومجتمع لم يُحسم خياره بين النظام والفوضى، بين العمل والانتظار، بين القانون كمرجعية والقانون كحكاية تُروى ولا تُعاش.
كل حديث عن الإصلاح لا يبدأ من الاعتراف بهذه الحقيقة هو لغو سياسي، وكل دعوة إلى الصبر لا ترافقها عدالة هي تواطؤ ناعم، وكل خطاب يحمّل المواطن وحده مسؤولية الخراب،دون أن يُحاسب الدولة على دورها في صناعته، هو تزوير أخلاقي للتاريخ.
الدولة التي نريدها لا تُبنى بالحنين، ولا بالخطابات الثورية المتأخرة، ولا بإدارة الأزمات بالترقيع، بل بإعادة كتابة العقد غير المكتوب بين السلطة والمجتمع، عقد يقول بوضوح لا يحتمل التأويل
لا أحد فوق القانون، لا أحد خارج العمل، لا أحد محميًّا باسمه أو موقعه أو قربه من القرار.
إمّا دولة تُساوي بين الناس، أو لا معنى لأي حديث عن المواطنة.
إمّا قانون يُطبَّق بلا انتقائية، أو سيظل خرقه فضيلة اجتماعية.
إمّا اقتصاد يُكافئ الإنتاج، أو سيبقى الكسل احتجاجًا صامتًا والاحتيال أسلوب حياة.
لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يحترم دولة لا تحترم نفسها، ولا أن نقدّس القانون في بلد يرى فيه الناس أداة إذلال لا حماية، ولا أن نُمجّد العمل في اقتصاد يكافئ الريع ويخنق الجهد.
هذه ليست قسوة في التشخيص، بل حدّه الأدنى.
إن أخطر ما تعيشه تونس اليوم ليس الفقر، ولا البطالة، ولا العجز المالي، بل تطبيع الفشل، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة، وتعليم الأجيال الجديدة أن النجاة فردية، وأن الوطن فكرة جميلة لكنها غير عملية.
وحين تصل الشعوب إلى هذه القناعة، لا تسقط دفعة واحدة بل تتآكل ببطء، وتشيخ قبل أوانها، وتتحول إلى أرخبيل أفراد بلا رابط سوى الخيبة.
التاريخ لا يرحم الدول المترددة، ولا يمنح فرصًا إضافية لمن يضيع وقته في إدارة الرماد.
إما أن تُحسم المعركة الآن لصالح دولة عادلة، صارمة، واضحة، أو ستُحسم لاحقًا لصالح الفوضى، لكن بثمن أعلى،وبلا قدرة على التراجع.
ما أكتبه ليس دعوة إلى التشاؤم، بل إنذار أخير قبل أن يصبح الإنذار بلا معنى.
ليس هجومًا على الشعب، بل دفاعًا عنه ضد دولة علّمته كيف ينجو بدل أن تعلّمه كيف يبني.
وليس بيانًا ضد القانون، بل صرخة من أجله، ضد تحويله إلى ديكور.
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُنقذ الأوطان النوايا الحسنة، بل القرارات القاسية، ولا تبنيها الشعارات، بل القواعد الصارمة، ولا تحميها العاطفة، بل العدالة.
إمّا دولة تُربّي مواطنيها على المعنى،أو سنواصل تربية أجيال تجيد الهروب ولا تجيد البناء.
وهذا، في الحساب الأخير،ليس خيارًا فلسفيًا،بل مسألة بقاء.
مسألة بقاء
2026-01-01
568 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن