الإسلام لم يتغير لأنه أراد أن يتغير،بل تغيّر لأن البشر منذ اللحظة الأولى لم يتحملوا ثقل النص الإلهي الخالص.
إنهم يحبون الوسيط،يحبون الكاهن،يحبون أن يتبعوا بشريًا يمكن لومه،ولا يطيقون أن يتحملوا مسؤولية الاختيار أمام الله بلا وسيط.
وهكذا، منذ وفاة الرسول ، بدأت المعركة الكبرى،معركة السيطرة على “المعنى” فالذي يملك المعنى يملك الناس ويملك السلطة.
بعد وفاة الرسول عليه الصلاة و السلام، ظهرت فجأة مشكلتان هائلتان ، الأولى هي مشكلة السلطة من يحكم؟هل القرابة أم الكفاءة؟هل المهاجرون أم الأنصار؟ هل الشورى أم النص الشرعي؟
هكذا وُلدت أول بذرة سياسية، ستصبح فيما بعد شيعة وسنّة.
و الثانية ، مشكلة النصوص هل يُكتب الحديث؟من يروي؟من يضبط الذاكرة؟من يملأ فراغ غياب النبي؟
ومع كل سؤال، كانت السياسة تتسلّل خطوة أبعد.
ابن خلدون قال “الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم.”
أي أن السلطة تحتاج “خطابًا دينيًا” يحرسها وهذا ما حدث.
إثر إغتيال الخليفة عثمان بن عفان بدأت الملل تتشكل.
فريق يرى الخلافة سياسية و فريق يراها إلهية و فريق يراها ثأرًا و فريق يراها بيعة و فريق يراها دمًا يجب أخذه
اغتيال عثمان كان الزلزال الذي شق الأمة إلى شقين
علي و معاوية ومنه ولدت الشيعة (الشرعية من البيت النبوي) و السنّة (الشرعية من الجماعة) و الخوارج (الشرعية من القتال) وهكذا تحولت السياسة إلى عقيدة.
الأمويون واجهوا أكبر تحدي و هو كيف يقنعون الناس بشرعية حكم لا يستند إلى “سلالة النبي”؟ فابتكروا لأول مرة رواية سياسية و هي روايات في الطاعة،روايات في تقديس الجماعة،روايات في تحريم الخروج،روايات في فضل بني أمية،روايات في “الفتن” وضرورة الصمت ولأول مرة في التاريخ، ظهر محدّثو السلطة وفي مقابلهم، ظهر محدّثو المعارضة.
الرواية أصبحت “سلاحًا سياسيًا”
هكذا قال فوكو “الخطاب ينتج السلطة، والسلطة تنتج الخطاب.”
لم يكن حديثٌ يُروى إلا ويحمل خلفه صراعًا.
مع العباسيين، بدأت الدولة أكثر اتساعًا وتعقيدًا،لا يمكن إدارتها بلا “عقل ديني منظّم” فحدث التالي ،اولا صناعة المذاهب الفقهية حيث كان أبو حنيفة بالكوفة المعارضة السياسية الناعمة و مالك بالمدينة مدرسة الأثر والسلطة الهادئة و الشافعي بالقاهرة يمثل عقلنة الفقه و ابن حنبل في بغداد الصدام مع الدولة.
المذهب لم يكن فقهًا فقط بل كان هوية سياسية متنكرة في ثوب ديني.
ثانيا، صناعة المناهج العقدية (الكلام) و هنا انفجرت الفلسفة فظهرت المعتزلة مدرسة العقل،مدرسة الحرية،مدرسة “الإنسان مسؤول عن فعله” فدعمتها الدولة العباسية ولم يكن دعم الدولة لاهوتًا بل سياسة.
و ظهر الأشاعرة الذين جاءوا كرد فعل على المعتزلة و كان عنوانهم“نعم العقل لكن تحت سقف النص فاعتمدتهم الممالك لاحقًا لأنه مذهب وسطي مطيع.
و نشأت السلفية الأولى كردّة فعل على الفلسفة والكلام و شعارهم “لا عقل لا تأويل النص كما هو فكانت مدرسة مقاومة للتعقيد السياسي، لكنها ستُستعمل لاحقًا سياسيًا أيضًا.
و ظهر الفلاسفة مثل ابن سينا و الفارابي و ابن رشد هؤلاء حاولوا أن يقولوا أن “الدين فلسفة، والفلسفة دين لكنّ الفقهاء اعتبروا هذا تهديدًا لسلطتهم، فحوربوا، ونُفي ابن رشد، واتُّهم ابن سينا.
وهكذا خسر الإسلام أعظم فرصة عقلانية في تاريخه.
في القرنين الثالث والرابع الهجري،صُنعت كتب الحديث،وصنعت الموسوعات الفقهية،وتشكّلت العقائد،وظهرت المدارس الحنبلية والأشعرية والماتريدية.
هنا وقع التجميد،تجميد الفقه،تجميد العقل،تجميد الاجتهاد،تجميد الزمن وقال الناس“نحن أمة كاملة منقوصة لا تتغير.”
وهنا بدأ التراجع الحضاري.
و حين سئم الفقراء من صراعات الفقهاء،هربوا إلى الله مباشرة فولد التصوف كصرخة ضد “طبقة رجال الدين”.
لكن الدولة كالعادة استعملته،دعمت الطرق،صنعت الأولياء،بنت الزوايا،لتحويل التصوف من “ثورة روحية” إلى “أداة ضبط اجتماعي”.
عندما دخل هولاكو بغداد،لم يسقط الخليفة فقط،بل سقطت منظومة كاملة،الفقه،الكلام،العقل،والسياسة.
من يومها، الأمة دخلت زمن “الاجترار” و لم تعد تكتب فكرًا بل تعيد تكرار ما كُتب.
العثمانيون جعلوا الدين قانون دولة،مفتي، قاضي، ديوان،تنظيم.حافظوا على الدين، لكنهم خنقوا الاجتهاد فصار الفقه مؤسسة والعلم صار “وظيفة”،والشيخ صار “موظف الدولة” و هكذا ماتت الروح الحرة في الإسلام.
عندما استيقظ المسلمون ووجدوا أنفسهم مستعمَرين،سألوا السؤال القاتل“ماذا حدث لنا؟”
فجاءتهم الإجابات ،قال السلفيون الحل في العودة إلى السلف و العقلانيون ردو بالعودة إلى العقل و ” الثوريون رفعو شعار “العودة إلى المقاومة و نشأ الإسلام السياسي في دعم فكرة العودة إلى الدولة الإسلامية.”
لكن الجميع نسي السؤال الحقيقي و هو هل عرفنا الإسلام مرة بلا وسطاء؟
لم يكن الإسلام هو المشكلة،بل الطبقة البشرية التي التفّت حوله،صنعت له شروحًا،وصنعت من الشروح مذاهب،ومن المذاهب طوائف،ومن الطوائف دولاً،ومن الدول حروبًا،ومن الحروب ذاكرة،ومن الذاكرة تراثًا،ومن التراث سجناً فكريًا على شكل مقدّس.
هذا هو الإسلام كما جرى في التاريخ،دينٌ بسيط أغرقه البشر في تعقيدات لا آخر لها.
رسالة واحدة شقّوها إلى مدارس و كتاب واحد غلفوه بالمجلدات و إله واحد اقتسموا طريقه إلى طرق.
وإذا أردتم الحقيقة النهائية ،لم يتغير الإسلام بل تغيرت أيدي الذين حملوه.
كيف تحول الإسلام من رسالة إلى شبكة سلطات
2025-12-12
760 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن