وتناولت بعض وسائل الإعلام فرح الشاب التونسي البائس الذي صوره إعلام السحت و الإثارة على انه "بطل"، وانه قاب قوسين أو أدنى من "تشريف" تونس، وعملت وسائل إعلام أخرى على استنهاض التونسيين للوقوف وراء "قدوة الشباب"، "للرفع من صورة تونس".
ولا نريد أن نطيل الحديث في مثل هذا الخطاب الإعلامي البارع في التضليل، لان الأمر يستحق أن تكتب فيه مقالات مطولة لا يسمح بها سياق الموضوع، ولكن يجب التنبه لبراعة إعلام السحت المشبوه في قلب الحقائق، وقدرته على توظيف المعاني والاحتياجات الدفينة لدى الناس، كوسائط لتمرير أهداف خبيثة، حيث يقع تصوير عمليات تدمير منهجي يتعرض لها الشباب على انه عمل يرفع من صورة تونس، كما يصور شاب مسكين بائس يعد مثلا لأجيال الضياع والتيه، يعاني ولا ريب من فراغ قاتل وتردي أخلاقي، على انه بطل وجب أن يحتفى به، وان يصور كمثل وقدوة لغيره من الشباب.
وتعمل برامج الواقع هذه التي وقع استنساخها من الغرب، على الترويج للفسق بالعمل على التهوين من أمر الاختلاط بين الذكور والإناث، كما تقوم بتعليمهم أبجديات المجون كالغناء والرقص. ثم إنه بالتوازي مع ذلك، تقوم القنوات المنتجة لمثل هذه البرامج، بالعمل على التغطية على خطورة مثل هذه الأفعال المريبة، بتقديم المسالة على أنها مسابقة بريئة وان المشاركين فيها أبطال وجب بالتالي تناولهم بهذا الشكل، عوض أن تقابل أفعالهم بالاستهجان وربما بالعقاب أو على الأقل إعادة التأهيل مما لحق بهم من ضياع وما اقترفوه من موبقات. ولتحقيق ذلك، تقوم هذه القنوات المشبوهة، بحملات إعلامية ضخمة، تستهدف الشباب، مركزة على عوامل حب الظهور والتميز لديهم.
ولان كان مفهوما إلى حد ما أن تسعى الأطراف التي لا يهمها غير الإرباح المادية، إلى أن تقوم بأي شيء لغرض إنجاح مشاريعها، فان الغير مفهوم هو أن تسمح الجهات المفترض أنها مسئولة والمستحفظة على مصائر الشباب بالبلدان الإسلامية ، لهذه القنوات ان تستهدف الشباب وتوقعه في حبالها.
ولعل تنبه العديد من الدول الإسلامية لخطورة مثل هذه الانتاجات الإعلامية، هو الذي جعل مثل هذه البرامج لا يجرا على إنتاجها إلا القليل، وهم إما أطراف مسيحية كأصحاب القناة اللبنانية المشار اليها، أو للأسف أطراف تونسية من خلال إحدى القنوات التي صممت خصيصا لتتكفل هي من ناحيتها بنشر برامج إفساد الشباب بمنطقة المغرب العربي، وذلك للتأكد من شمول عمليات الإغراق كل الشباب العربي من المحيط للخليج.
وبهذا تكون تونس الرائدة كعادتها في استنباط عمليات الإفساد، وهو الشيء الذي يرسخ صورة بلدنا على أنها الاستثناء الدائم كلما تعلق الأمر بأعمال التغريب والعلمنة، فما من مبادرة لإفساد الشباب أو المرأة إلا ووجدت تونس سباقة فيها، ولم نسمع يوما أن تونس كانت وراء مبادرة تهدف لحفظ الشباب أو المرأة ولصون أخلاقهم، وإنما العكس هو الصحيح.
من ناحية أخرى، فانه لا يفهم سر الصمت الذي تبديه مختلف الأطراف التونسية، المسئولة منها أو تلك الإعلامية و"الفكرية" وكل القوى التي من المفترض أنها فاعلة، تجاه عمليات التدمير المنهجي والعبث الذي يستهدف شبابنا عن طريق برامج ما يسمى "ستار أكاديمي" هذه؟
ولا نريد ان نستقصي كل الاحتمالات الداعية لهذا الصمت المريب، ولكن يمكن القول أن من أصل أسبابها هو كون عامة النخب التونسية نفسها ذات توجهات علمانية متغربة، ومن هذا المنطلق فهي لا ترى باسا في أن تقام حفلات الفسق والمجون، وان تقام منافسات الرقص والغناء وان تستهدف الشباب التونسي، ولعل بعض هذه الأطراف يعمل من طرف خفي تارة وبطريقة مباشرة تارة أخرى، على التشجيع على مثل هذه الانحرافات.
وإلا فانه كان مفترضا أن لا يسمح لقنوات تنتج مثل هذه البرامج أن تقيم حفلات بتونس، فضلا على ان يسمح لقناة تونسية بان تنتج نفسها برامج الانحرافات هذه.