بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: عماد عيساوي

عماد عيساوي كاتبٌ ومحللٌ سياسي وناشطٌ وطني، يجمع بين الفكر الاستراتيجي والعقل المعلوماتي الحديث.
يُعرف بأسلوبه التحليلي العميق وكتاباته الجريئة التي تمزج بين الفكر السياسي والسيادة الرقمية، مؤمنًا بأن معركة الدول في هذا العصر تُخاض في ميدان التكنولوجيا بقدر ما تُخاض في السياسة.

يُعدّ من الأصوات التي تدافع عن الدولة الوطنية الذكية، وعن بناء مؤسسات قادرة على إدارة القرار بالمعرفة لا بالشعارات.
في تحليلاته ومقالاته، يتناول قضايا الأمن السيبراني، التحولات الاجتماعية، والإصلاح السياسي بعقلٍ ناقد وروحٍ تونسية لا تساوم على السيادة.

الدولة باقية و الحنونيّون إلى زوال

2025-12-07 1217 قراءة مختلفات عماد عيساوي
حين وُلد حنّون الكبير، كانت قرطاج في القرن الثالث قبل الميلاد كأنها امرأة في ذروة شبابها، جميلة إلى حدّ الفتنة، لكنها تحمل في رحمها مرضاً مميتاً لا يريد أحد الاعتراف به.
كانت مدينة أغنى من أثينا، أشدّ صلابة من صور، وأوسع نفوذاً من كل مدن المتوسط.
لكن المدن العظيمة لا تسقط حين تُحاصر من البحر بل حين يتعفّن قلبها السياسي.
في تلك السنوات، كانت العائلات التجارية الكبرى العائلات التي ستُعرف لاحقاً بالحنونيين تحكم المدينة بقبضة ناعمة، لينة، لكنها خانقة كتفاحة فاسدة وسط سلة من الذهب.
كان التجار هم أصحاب القرار، وهم أصحاب الحرب، وهم أصحاب السلم، وهم أصحاب القرار الأخير في دولة تحتاج جيشاً أكثر مما تحتاج أسطولاً من السلع.

وفي هذا المناخ وُلد حنّون,لم يكن خائناً ولكن الفكرة التي حملها كانت أخطر من الخيانة نفسها ففي السياسة، هناك رجال يخونون بالدبابات، ورجال يخونون بالأفكار.
وحنّون كان من الفئة الثانية.

امتلك حنّون رؤية تبدو عظيمة على الورق، لكنها خاطئة في جوهرها.
كان يرى الدولة امتداداً للسوق، والجيش عبئاً على التجارة، والسيادة تكلفة غير ضرورية.
أراد دولة خفيفةوجيشاً صغيراً و ضرائب منخفضة وإمبراطورية بلا حرب لكن التاريخ لا يحترم المدن التي تريد الثراء بدون حماية، والتي ترتدي الذهب دون أن تحمله، والتي تفتح أبوابها للتجارة وتغلقها أمام القوة.

فهمت إسبارطة هذا القانون,فهمته روما.,فهمته قبائل الجبال,حتى المدن الصغيرة فهمته.
فقط قرطاج لم تفهم.
لأن حنّون أقنعها أن “الحرب مغامرة”، وأن “التفاوض شجاعة”، وأن “السلام الأبدي” ممكن مع روما، وأن الواقعية السياسية ليست إلا اسماً آخر للانحناء.
حين بدأ هاملكار برقا وابنه حنبعل مشروع التوسّع في إسبانيا، تشكّل في صدر حنّون خوفٌ أسود.
لم يكن يخاف روما كان يخاف صعود العسكر.
كان يعرف أن القوة العسكرية إذا تمددت، ستخنق نفوذ التجار، وتُعيد تشكيل السلطة من الصفر.
وقف في مجلس الشيوخ، بلحيته المرتبّة ووجهه البارد، وقال:
“لسنا دولة غزاة نحن دولة تجارة.”
كانت تلك الجملة خنجراً غُرس في قلب قرطاج,رسالة لروما أن قرطاج لن تقاتل,ورسالة لحنبعل أن الدعم لن يأتي.
ورسالة للمدينة أن المستقبل ليس مع القوة بل مع الحسابات الصغيرة.
ومن هنا بدأ الانقسام الأكبر في تاريخ قرطاج.
بين 218 و216 قبل الميلاد، صنع حنبعل ما لم يصنعه قائد قبله.
حنبعل عبر الألب،جرّ معه الفيلة
نسف جيوش روما في تراسيميني،ثم سحقها سحقاً في كاناي
خافت روما،ارتجفت،كتب شيوخها وصاياهم.
لكن رجلين فقط لم يخافا
سكيبيو وحنّون.
سكيبيو لأنه كان يبني روما الجديدة.
وحنّون لأنه كان يهدم قرطاج القديمة.
حين رفع حنبعل عينيه نحو وطنه طالباً التعزيزات، وجد أن حنّون قد أغلق الباب، وقطع الإمدادات، وحاصر الجيش بأوامر سياسية.
الرجل الذي هزم روما 3 مرات ، هُزم مرة واحدة في مجلس دولته وهي الهزيمة التي صنعت النهاية.
بعد زاما سنة 202 قبل الميلاد، حين عاد حنبعل منهزماً لأن وطنه خذله، وقف حنّون أمام المجلس وقال
“لقد جنينا على أنفسنا بمغامرات لا مستقبل لها.
الحل هو الصلح والالتزام.”
لكن الصلح كان بداية السجن ،روما لم تكن تريد اتفاقاً كانت تريد الوقت ،الوقت فقط.
الوقت لصنع معول ضخم تُهدم به قرطاج حجراً حجراً.
بينما كانت روما تعبئ الجيوش كانت قرطاج تعبئ المحاسبين
وبينما كانت روما تخطط لابتلاع المتوسط كانت قرطاج تخطّط لتقليص الإنفاق الدفاعي.
وبينما كان الرومان يقرأون التاريخ كان الحنونيون يقرأون دفاتر الأرباح والخسائر.
وهنا بدأ الموت البطيء.
في 149 قبل الميلاد، حين حاصرت روما قرطاج، نظر الشعب إلى نخبته التجارية فلم يجد إلا الظهر المدبر، والحقائب ممتلئة، والرجال الذين بنوا ثرواتهم يفرّون بلا ندم.
انهارت المدينة من الداخل و لم تستطع المقاومة لأن روحها كانت مهشمة منذ سنوات، منذ اللحظة التي أعلن فيها حنّون أن “الحرب خطأ”.
واحتاجت روما إلى ثلاث سنوات فقط لابتلاع مدينة عمرها سبعة قرون.
وحين دخل سكيبيو الإفريقي المدينة المحترقة، بكى.
ليس رحمة ،بل دهشة من القوة التي سقطت بسبب الضعف، ومن التاريخ الذي كتب نهايته رجل واحد، لا بسيفه بل بفكرته.

والآن يا سادة من هم “حنّونيّو تونس” اليوم ؟؟
التاريخ لا يموت،هو يعيد نفسه، بنفس الوجوه…
لكن بأسماء جديدة.
“حنّونيّو تونس” اليوم ليسوا شخصاً واحداً، بل عقلاً جماعياً متجذراً:
الحنونيون هم نخبة الأعمال التي ترى الوطن سوقاً لا دولة
النخبة التي ترى أن الدولة يجب أن تكون خفيفة، مطواعة، ضعيفة، لا مشروع لها إلا تسهيل أعمالها.
ترى أن السيادة كلفة، وأن الإصلاح خطر، وأن القوة تهدد مصالحها.
هؤلاء هم أحفاد الحنونيين بسهولة.
الحنونيون هم السياسيون الذين يفاوضون دائماً حتى في لحظات الانهيار بلا مشروع،لا رؤية،لا شجاعة،فقط توافقات وصفقات.
يقولون “التوافق”لكنهم يقصدون “التجميد” .
وفي تونس كل تجميد هو دفنٌ مؤجل.

الحنونيون هم الإعلام الذي يصنع الوهم ويسميه واقعيةإعلاميون يجمّلون الضعف،يهتفون للتهدئة،
ويهاجمون الدولة حين تريد أن تقف على قدميها.
الحنونيون هم البيروقراطية التي تخاف الحركة وتخشى كل إصلاح و الإداريون الذين يحرسون الخراب،الجنودٌ الذين يرفعون شعار: “هكذا وجدنا الأمور هكذا تبقى.”
هؤلاء هم جنود حنّون الحقيقيون.
سقطت قرطاج لأن الحنونيين كانوا أكثر من الحنبعليين ولأن الخوف كان أقوى من الشجاعة ولأن الربح كان أهم من الدولة ولأن التفاوض كان اسماً آخر للاستسلام.
وتونس اليوم ليست مهددة بروما بل مهددة بمنطق حنّون:
منطق الدولة الصغيرة، والقرار الضعيف، والولاء للربح لا للوطن.
وقرطاج لم تمت يوم دخلها سكيبيو بل ماتت يوم قال حنّون:
“الحرب خطر لنفاوض.”
والأمم لا تُهزم حين تُحاصر بل حين تُقاد من رجال يرون المستقبل صفقة،والوطن شركة،والسيادة كلفة زائدة.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق