بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: عماد عيساوي

عماد عيساوي كاتبٌ ومحللٌ سياسي وناشطٌ وطني، يجمع بين الفكر الاستراتيجي والعقل المعلوماتي الحديث.
يُعرف بأسلوبه التحليلي العميق وكتاباته الجريئة التي تمزج بين الفكر السياسي والسيادة الرقمية، مؤمنًا بأن معركة الدول في هذا العصر تُخاض في ميدان التكنولوجيا بقدر ما تُخاض في السياسة.

يُعدّ من الأصوات التي تدافع عن الدولة الوطنية الذكية، وعن بناء مؤسسات قادرة على إدارة القرار بالمعرفة لا بالشعارات.
في تحليلاته ومقالاته، يتناول قضايا الأمن السيبراني، التحولات الاجتماعية، والإصلاح السياسي بعقلٍ ناقد وروحٍ تونسية لا تساوم على السيادة.

مجلس الحكماء..البوصلة التي تسبق الطريق

2025-11-21 645 قراءة مختلفات عماد عيساوي
كل الدول التي انهارت لم ينقصها الشجعان…
بل نقصها العقل.
وكل الأمم التي ضاعت لم تفقد السلاح…
بل فقدت البوصلة.

تونس اليوم ليست بحاجة إلى المزيد من الشعارات، ولا إلى مؤسسات تُشبه المقابر الإدارية، ولا إلى خرائط تُرسم على الورق ثم تُترك للغبار.
إنها بحاجة إلى مؤسسة واحدة تغير قواعد اللعبة:
مؤسسة لا تهتف، ولا تتخاصم، ولا تزاحم على السلطة… بل تفكر.

أقترح إنشاء مجلس حكماء تونسي، لا يُشبه أي مجلس عرفته البلاد منذ البايات حتى الآن.
مجلس لا يُولد من رحم السياسة، ولا يخرج من عباءة الأحزاب، بل يخرج من رئة الفكر ومن ذاكرة هذا الشعب حين كان يكتب ولا يصفّق، ويبني ولا ينتظر المنّة.
إنه مجلس العقول…
مجلس الدولة العميقة بمعناها النبيل، لا بمعناها الأمني؛
الدولة التي لا يراها الناس، ولكن يتحرك التاريخ على وقع تفكيرها.

1. وظيفة المجلس: أن يفكر حين يصرخ الآخرون

البرلمان هو صوت الشعب،
لكن هذا المجلس هو ضمير الدولة.
هو المستشفى الذي تُفحص فيه تونس قبل أن تمرض،
المخبر الذي تُحلل فيه أزماتها قبل أن تتعفن،
والغرفة الإستراتيجية التي تُكتب فيها خرائط المستقبل.
ليس مجلساً سياسياً بل مجلس تشخيص، تحليل، تشريح، وتخطيط.

يقوم بـ:

تفكيك مشاريع القوانين قبل أن تُفكّك الدولة.
تقديم تقارير دورية عن الوزارات والمؤسسات، تشخيصاً لا مجاملة فيه.
بناء بنك أفكار وطني، لا تحكمه الأيديولوجيا بل المعرفة.
مراقبة السياسات العمومية بعيون الخبراء لا بعيون المرشحين.
فتح ملفات المستقبل: الماء، الطاقة، الذكاء الاصطناعي، الأمن القومي، التكنولوجيا، الفلاحة، المناخ، التعليم.
إنه عقل تونس حين تتراكم الأخطاء، ومصباحها حين يختفي الضوء.

2. سلطاته: الوصول إلى الحقيقة بالقانون

لا أحد يستطيع التفكير في الظلام.
لذلك يجب أن يُمنح المجلس حق الاطلاع الكامل على:

أرشيف الدولة
تقارير الوزارات
الحسابات المالية
الصفقات الكبرى
الدراسات الاستراتيجية
وثائق الأمن القومي غير المصنّفة
مع حق الزيارة الميدانية، والاستدعاء، والتحقيق التقني، وإصدار التقارير الملزمة أخلاقيًا وعلميًا.

هكذا يصبح المجلس قوة رقابة عليا،
لا يحاسب الوزراء بما يقولون… بل بما يُخفون.

3. تركيبته: نخبة النخبة… لا نخبة التلفزيون

لن يكون هذا المجلس مكاناً للمتقاعدين السياسيين، ولا لنجوم الظهيرة، ولا لأصحاب الحظوظ الانتخابية.
بل يجب أن يكون معجوناً بأدمغة حقيقية:
أساتذة وعلماء
مفكرون وباحثون
خبراء اقتصاد وتمويل
أصحاب كتب وأبحاث
مؤرخون وسوسيولوجيون
مهندسون كبار
خبراء في الطاقة، المياه، التكنولوجيا، الأمن الغذائي
مثقفون وصناع رأي
ابتكاريون وصنّاع مشاريع

الشرط الأساسي ليس “الشهادة فقط” بل الأثر:
من كتب، من بحث، من صنع فكراً، من ترك كتاباً، من أنقذ مشروعاً، من ألّف معلومة، من أشعل فكرة.
والترشح يكون عبر سيرة ذاتية صلبة، لا عبر صور ملصقة على الجدران.

4. استقلاليته: الطلاق النهائي مع السياسة

لا قيمة لمجلس يفكر، إذا كان خاضعاً لمن لا يفكر.
لذلك يجب تحصينه:
مدة العضوية 5 سنوات غير قابلة للتجديد.
منع الانتماء الحزبي قبل وبعد العضوية.
الميزانية مستقلة تمر مباشرة عبر القانون المالي.
لجنة انتقاء مستقلة من قضاة وخبراء دوليين.
الأعضاء غير قابلين للعزل إلا بفضيحة أخلاقية أو علمية.
التصريح الدوري بالذمة المالية والبحثية.

هكذا يصبح المجلس فوق السياسة دون أن يكون ضدها،
قريباً من الدولة دون أن يكون في جيبها،
حارساً للمستقبل لا أسيراً للحاضر.

5. لماذا مجلس حكماء… وليس مجالس أقاليم وجهات؟

تونس ليست قارة… إنها صفحة صغيرة في كتاب المتوسط.
ورغم ذلك جربت كل أشكال الفيدراليات الإدارية التي لم تجلب سوى الفوضى.

الدول الصغيرة تحتاج برلمانين فقط:

مجلس نواب يتكلم.
مجلس شيوخ يفكر.

السياسة تحتاج من يرفع الصوت…
لكن الدولة تحتاج من يرفع الفكرة.
تونس لا تحتاج إلى تقسيمها إلى “إمارات إدارية”،
بل تحتاج إلى عقل مركزي قوي،
يخطط، يراقب، يتنبأ، ويمنع الأخطاء قبل أن تصبح أقداراً.

6. المكسب الحقيقي: دولة تُدار بالعقل لا بالصدفة

إن إقامة هذا المجلس ستمنح تونس:

جهاز إنذار مبكر لأزماتها.
قدرة على إيقاف الانهيار المؤسساتي.
رؤية استراتيجية لعشر سنوات مقدماً.
مرجعية فكرية للدولة ورئاساتها المتعاقبة.
سلطة معرفية توقف الارتجال.
تأثيراً علمياً يحمي من الضياع السياسي.
دولة يضبطها العقل لا المزاج.
إنه العقل القومي الذي كان يجب أن يُؤسس منذ الاستقلال،
والذي تأخر نصف قرن… لكنه لا يزال ممكناً.

إن الدول التي تفشل لا تموت بالرصاص… بل بالجهل.
والدول التي تنهض لا تقوم على الأكتاف… بل على الأفكار.

ومجلس الحكماء الذي أقترحه ليس مؤسسة جديدة،
بل مركز القيادة الإستراتيجية لتونس،
والبوصلة التي تسبق الطريق،
والعين التي ترى قبل أن يتحرك الزمن.

إنها ليست نصيحة… بل دعوة لإنقاذ وطن.
وكل وطن، في لحظة ما، يحتاج إلى عقل أعلى من أزماته.
وهذا المجلس يمكن أن يكون ذلك العقل.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق