يمثل المشهد السياسي في تونس نموذجاً لتراكم الأزمات الناتجة عن غياب التوازن بين السلطات وتراجع الثقة في المؤسسات وتفاقم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية. في هذا السياق، تشير قواعد إدارة الأزمات السياسية إلى أن الإصرار على المسار ذاته دون مراجعة استراتيجية يرفع من احتمالات الانفجار ويقلل من هامش المناورة. لذلك تصبح الخطوة إلى الوراء خياراً عقلانياً لا يعكس ضعفاً بقدر ما يعكس فهماً للحدود البنيوية لمنظومة الحكم وقدرتها على الاستمرار.
تعاني تونس حالياً من حالة انسداد سياسي تتجلى في تضييق على المعارضة وضعف دور الأحزاب وتراجع مساحة التعبير الحر. هذا الوضع يخلق فجوة بين السلطة والمجتمع ويضعف شرعية القرار السياسي ويعطل آليات الوساطة التي يعتمد عليها النظام لتخفيف التوترات. وفقاً لمبادئ العلوم السياسية فإن غياب الوساطة المنظمة يدفع الصراع تدريجياً إلى الشارع وهو ما يظهر عبر تزايد الاحتقان الاجتماعي.
في المقابل تجد المعارضة نفسها في حالة تفكك تنظيمي وانقسام خطابي ما يقلص فعاليتها ويمنعها من تقديم بديل سياسي واضح. وفي ظل هذا الضعف المتبادل بين السلطة والمعارضة ترتفع كلفة الاستمرار في المسار نفسه وتزداد احتمالات الانزلاق إلى صدمات غير محسوبة.
من منظور علم السياسة ترتكز استراتيجيات الخروج من الانسداد على ثلاث قواعد أساسية هي تقليل مستوى الصدام عبر العودة إلى المشاركة بدل الاحتكار، وإعادة بناء الثقة من خلال إجراءات محدودة تظهر استعداد السلطة لإعادة ضبط المشهد، وإدارة انتقالية محكومة تتيح تسوية سياسية لا تهدد استقرار الدولة.
انطلاقاً من هذه المبادئ تصبح الخطوة إلى الوراء ضرورة عملية. التراجع المطلوب ليس تفكيكاً للسلطة ولا انتصاراً للمعارضة بل خطوة تكتيكية من الطرف الأقوى لفتح المجال العام وتقليص المخاطر. يمكن تجسيد هذا التراجع في إجراءات مثل تخفيف الضغط القضائي على المعارضين وفتح حوار محدود النطاق ومراجعة بعض القرارات الأكثر إثارة للجدل. هذه التدابير لا تغير بنية الحكم مباشرة لكنها تمنع انهيار الشرعية وتقلل احتمالات التصادم.
أما الحل الأكثر واقعية للخروج من الأزمة فيقوم على تسوية سياسية تدريجية تعتمد على استراتيجية العودة المنظمة إلى الأمام. يقوم هذا المسار على هدنة سياسية مؤقتة تترافق مع وقف الملاحقات ذات الطابع السياسي وإعادة فتح قنوات الحوار ضمن سقف واضح وصياغة خارطة طريق انتقالية قصيرة المدى تركز على إصلاحات تقنية واقتصادية قبل معالجة المسائل الدستورية الكبرى. الهدف هو بناء توافقات قائمة على المصالح الموضوعية لا على الخطاب الأيديولوجي.
تؤكد تجارب الأزمات في مناطق مختلفة أن التراجع التكتيكي المحدود من جانب السلطة غالباً ما يشكل نقطة الانطلاق نحو استقرار طويل الأمد لأن الإصرار على حكم أحادي في سياق هشاشته الاجتماعية والاقتصادية يقود في العادة إلى صدام يصعب احتواؤه.
وعليه فإن استمرار الوضع في تونس على صورته الحالية غير ممكن علمياً لأن مؤشرات الاستقرار البنيوي في تراجع بينما مؤشرات الضغط السياسي والاجتماعي في ارتفاع. الخطوة المدروسة إلى الوراء ليست انسحاباً بل استثمار في القدرة على الاستمرار وإعادة بناء التوازن الضروري لإنقاذ الدولة من مسار مكلف وغير قابل للدوام.
الخطوة الضرورية: لماذا يحتاج المشهد التونسي إلى تراجع تكتيكي لحماية الدولة
2025-11-15
675 قراءة
مقالات رأي
محمد علي العقربي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال