بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: سمير سعدولي

سمير سعدولي
باحث في علم الاجتماع، مهتمّ بسوسيولوجيا التربية، وأستاذ مدارس ابتدائية. يشتغل في كتاباته على تحليل المدرسة التونسية باعتبارها فضاءً للسلطة والمعرفة، ومجالًا تتقاطع داخله الممارسات التربوية مع البنى الاجتماعية والثقافية والرمزية.

يعتمد في مقاربته على الحفر الأركيولوجي في طبقات المنظومة التربوية، بحثًا عمّا ترسّب فيها من تصورات وممارسات وخطابات وآليات للسلطة، وما يستمر منها في تشكيل المدرسة التونسية المعاصرة. ويمتد هذا الاشتغال، في بعض كتاباته، إلى قضايا تتصل بالشأن العام، من خلال مساءلة ما تخفيه الظواهر والمؤسسات والخطابات المألوفة من بنيات عميقة وعلاقات قوة.

ينشغل بدراسة العلاقة بين السلطة والمعرفة، وبين المناهج والهوية الثقافية، كما يهتمّ بالطقوس المدرسية، وبناء «الإنسان المدرسي»، وأشكال الانضباط والامتثال والمقاومة الرمزية، وما تكشفه المدرسة من تفاوتات اجتماعية وآليات لإعادة إنتاج اللامساواة.

وقد صاغ في عدد من مقالاته مفاهيم واشتغالات نقدية، من بينها «اللاهوت التربوي» و«الشعوذة البيداغوجية» و«الذاكرة الميتة» و«الثقوب الدودية في المنظومة التربوية»، في محاولة لبناء لغة تحليلية تساعد على تفكيك ما يبدو مألوفًا في المدرسة والمجتمع، والكشف عن بنياته العميقة وآليات اشتغاله.

نشر عددًا من المقالات والدراسات التي تتخذ من المدرسة التونسية وقضايا الشأن العام موضوعًا للتحليل والنقد، وتسعى إلى مساءلة العوائق البنيوية للفعل التربوي والاجتماعي، وإعادة طرح سؤال المعنى، والنظر إلى المؤسسات والممارسات لا بوصفها معطيات محايدة، بل باعتبارها فضاءات للسلطة والصراع والتفاوض والمقاومة الرمزية.

هل استقلت مستعمرات القرن التاسع عشر فعلاً؟ الاستقلال الزائف بين التبعية الاقتصادية وبيع الهوية. منيفستو ثوري.

2025-11-14 5749 قراءة مقالات رأي سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الملخص:
تطرح هذه الدراسة سؤالًا نقديًا محوريًا: هل استقلت مستعمرات القرن التاسع عشر فعلاً، أم أنّ ما حدث كان مجرد نقل للهيمنة من شكل عسكري مباشر إلى أنماط أكثر خفاءً؟ بالاعتماد على مقاربات سوسيولوجية وفلسفية (فرانز فانون، سمير أمين، إيمانويل والرشتاين، كوامي نكروما، إدوارد سعيد) نحلّل استمرار البُنى الاقتصادية والسياسية والثقافية في ارتهانها للمركز الاستعماري. وتخلص الدراسة إلى أنّ الاستقلال السياسي لم يحقق السيادة الفعلية، بل أفرز استقلالًا ناقصًا أو شكليًا (Amin, 1976; Wallerstein, 1974; Fanon, 1961; Nkrumah, 1963; Said, 1978). معركة الاستقلال الحقيقي لم تبدأ إلا بعد انسحاب الجيوش الأجنبية، وهي ما تزال متواصلة اليوم في ظل العولمة النيوليبرالية التي أعادت إنتاج السيطرة بأدوات جديدة أكثر نعومة وخفاء.


المقدمة:

مثّل القرن التاسع عشر مرحلة مفصلية في تاريخ الاستعمار والتحرّر. فقد شهد العالم موجات متتالية من "الاستقلالات السياسية" التي أنهت الوجود العسكري المباشر للقوى الاستعمارية، لكنّها لم تُنهِ بالضرورة منطق السيطرة (Wallerstein, 1974). يبرز هنا سؤال مركزي: هل كان الاستقلال السياسي كافيًا لتأسيس سيادة وطنية شاملة؟ أم أنّه كان خطوة شكلية سرعان ما تحوّلت إلى شكل جديد من التبعية؟
تنطلق هذه الدراسة من فرضية أنّ الاستقلالات التي عرفتها المستعمرات لم تحقق استقلالًا حقيقيًا، بل رسّخت أشكالًا جديدة من التبعية الاقتصادية والسياسية والثقافية، وهو ما يفسّر الحاجة المستمرة إلى "استقلال ثانٍ" (Amin, 1976; Fanon, 1961).
العرض والمناقشة:


1. الاستقلال السياسي: استقلال على الورق

ما بدا لحظة انتصار سيادي لم يكن سوى بداية "استقلال ناقص". إذ لم تنقطع خيوط السيطرة بين المركز الاستعماري والأطراف، بل تحوّلت إلى أشكال غير مباشرة عبر الاقتصاد والديون والتجارة غير المتكافئة (Wallerstein, 1974).


2. البعد الاقتصادي: التبعية بدل السيادة

الاقتصادات الوطنية بقيت أحادية التوجه (تصدير المواد الخام مقابل استيراد المصنّع) (Amin, 1976).
تراكم المديونية جعل القرار المالي مرتهنًا بالخارج.
استمرار تهريب الثروات، كما في حالة النفط الذي يُصدَّر في تونس دون عدّادات دقيقة، وكأنّ الشعب لا يملك الحق في معرفة ما يُنهب من تحت قدميه.
الفوسفات: مناجم قفصة تدرّ الملايين، لكن التونسي لا يرى منها إلا غبارًا يقتله وأمراضًا تنهكه.
الملح: فرنسا ما تزال تستغله بامتيازات استعمارية تعود إلى 1949.
تأميم الثروات: حتى حين رُفع الشعار، ظلّ التطبيق رهينًا بالشركات الغربية التي تدير التكنولوجيا والأسواق (Nkrumah, 1963).


3. البعد السياسي: النخب الوكيلة

السلطة انتقلت من المستعمر إلى نخب محلية متشبعة بثقافته، فأصبحت مجرد أداة لإدارة مصالحه داخليًا (Said, 1978). في تونس، كما في مصر أو الجزائر، ارتبطت هذه النخب بعلاقات تبعية مباشرة مع القوى الاستعمارية القديمة.


4. البعد الثقافي والهووي: بيع الهوية تحت شعار الحداثة

أحد أخطر تجليات الاستعمار الجديد كان تفكيك الهوية الثقافية والدينية. ففي تونس، سُوِّق لمجلة الأحوال الشخصية (1956) كعنوان حداثة وتحرّر، لكنها مثلت قطيعة مع المرجعية الإسلامية التاريخية للمجتمع. في مصر، استُخدم شعار "التغريب" في التعليم والقانون لتكريس هيمنة النموذج الأوروبي. وفي الجزائر، فُرضت سياسة تعريب مرتبكة بعد الاستقلال لكنها جرت تحت مظلة بيروقراطية ورثت الثقافة الفرنسية في العمق (Fanon, 1961; Said, 1978).
تونس بعد الاستقلال: استمرار الاستعمار بعقود الإذعان
رُفِعت الرايات في 1956، عُزفت الأناشيد، وصدّق الشعب أن الاستقلال قد حلّ. لكن ما إن انقشعت الأوهام، حتى تبيّن أنّ تونس لم تكن سوى دولة مستقلة شكليًا، مستعمَرة عمليًا.
النفط والغاز: بلا عدّادات، بلا شفافية، تُنهب في صمت وتُدار عبر شركات مرتبطة بالمستعمر.
الفوسفات: يُباع خامًا بأبخس الأثمان، ويُعاد إلينا مضاعف الثمن كسماد وصناعة كيميائية.
الملح: عقد إذعان استعماري ما يزال ساريًا، يمنح فرنسا سبخة الثنية بفرنك رمزي للهكتار!
المعادن النادرة: تُهرّب من الصحراء وسط صمت رسمي وتواطؤ دولي.
الجزائر: التأميم الناقص
رفعت الجزائر شعار "تأميم المحروقات" سنة 1971، لكن الشركات الفرنسية واصلت الهيمنة على التكنولوجيا والتسويق. فبقيت الثروة تحت رحمة الغرب، وخرج الشعب من حرب التحرير ليجد نفسه في مواجهة استعمار اقتصادي مقنّع (Nkrumah, 1963).
مصر: السد العالي والتبعية الجديدة
في مصر الناصرية، رُفع شعار الاستقلال الاقتصادي مع بناء السد العالي وتأميم قناة السويس. لكن سرعان ما رُبط الاقتصاد المصري بالقروض السوفياتية أولًا ثم بالمعونة الأمريكية لاحقًا. فتحرر القناة لم يمنع استعباد القرار الوطني عبر البنك الدولي وصندوق النقد (Amin, 1976).


5. بين التحرير والتحرر:

التحرير: حدث عسكري/سياسي يطرد المستعمر.
التحرر: مسار طويل لإعادة بناء الوعي والسيادة الاقتصادية والثقافية. لقد تحقق التحرير، لكن التحرر ما زال مؤجلًا أو معطلًا بفعل الاستعمار الجديد (Fanon, 1961; Said, 1978).
6. نحو استقلال ثانٍ!
اقتصاديًا: إلغاء عقود الإذعان، مراقبة دقيقة لإنتاج النفط والغاز والفوسفات والملح، واستعادة السيادة على المعادن الإستراتيجية.
ثقافيًا: استعادة الهوية الجامعة، وتحرير الوعي من أوهام الحداثة المستوردة.
سياسيًا: بناء شرعية داخلية حقيقية، وقطع التبعية مع الخارج.


خاتمة:

الاستقلال الذي تغنّت به الأنظمة لم يكن سوى مسرحية. الاستعمار لم يرحل، بل غيّر وجهه. ما زال يعيش بيننا في النفط بلا عدّادات، في الملح الممنوح للأجنبي، في الفوسفات المبيع بثمن التراب، في قوانين أُريد لها أن تقطعنا عن هويتنا...
إن معركة الاستقلال لم تنتهِ بعد. جيل التحرير طرد الجيوش، لكننا مطالبون بطرد الديون، العقود، والهيمنة الثقافية. لا استقلال بلا سيادة اقتصادية، ولا سيادة بلا هوية...
> أما آن أوان الاستقلال الثاني: استقلال الشعوب لا استقلال الأنظمة؟؟؟


المراجع المحكمة:
1. أمين، سمير. الاستعمار الجديد: التبعية الاقتصادية في العالم الثالث. دار الفارابي، 1976.
2. Wallerstein, Emmanuel. The Modern World-System. University of California Press, 1974.
3. Said, Edward. Orientalism. Harvard University Press, 1978.
4. Fanon, Frantz. The Wretched of the Earth. 1961.
5. Nkrumah, Kwame. Africa Must Unite. 1963.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق