بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: سمير سعدولي

سمير سعدولي
باحث في علم الاجتماع، مهتمّ بسوسيولوجيا التربية، وأستاذ مدارس ابتدائية. يشتغل في كتاباته على تحليل المدرسة التونسية باعتبارها فضاءً للسلطة والمعرفة، ومجالًا تتقاطع داخله الممارسات التربوية مع البنى الاجتماعية والثقافية والرمزية.

يعتمد في مقاربته على الحفر الأركيولوجي في طبقات المنظومة التربوية، بحثًا عمّا ترسّب فيها من تصورات وممارسات وخطابات وآليات للسلطة، وما يستمر منها في تشكيل المدرسة التونسية المعاصرة. ويمتد هذا الاشتغال، في بعض كتاباته، إلى قضايا تتصل بالشأن العام، من خلال مساءلة ما تخفيه الظواهر والمؤسسات والخطابات المألوفة من بنيات عميقة وعلاقات قوة.

ينشغل بدراسة العلاقة بين السلطة والمعرفة، وبين المناهج والهوية الثقافية، كما يهتمّ بالطقوس المدرسية، وبناء «الإنسان المدرسي»، وأشكال الانضباط والامتثال والمقاومة الرمزية، وما تكشفه المدرسة من تفاوتات اجتماعية وآليات لإعادة إنتاج اللامساواة.

وقد صاغ في عدد من مقالاته مفاهيم واشتغالات نقدية، من بينها «اللاهوت التربوي» و«الشعوذة البيداغوجية» و«الذاكرة الميتة» و«الثقوب الدودية في المنظومة التربوية»، في محاولة لبناء لغة تحليلية تساعد على تفكيك ما يبدو مألوفًا في المدرسة والمجتمع، والكشف عن بنياته العميقة وآليات اشتغاله.

نشر عددًا من المقالات والدراسات التي تتخذ من المدرسة التونسية وقضايا الشأن العام موضوعًا للتحليل والنقد، وتسعى إلى مساءلة العوائق البنيوية للفعل التربوي والاجتماعي، وإعادة طرح سؤال المعنى، والنظر إلى المؤسسات والممارسات لا بوصفها معطيات محايدة، بل باعتبارها فضاءات للسلطة والصراع والتفاوض والمقاومة الرمزية.

المدرسة بين الفلسفة والواقع: في ضوء لاهوت نظريات علوم التربية – قراءات فلسفية وسوسيولوجية ممتدة

2025-11-13 5587 قراءة بحوث سمير سعدولي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
توطئة: نحو تفكيك لاهوت التربية

تبدو المدرسة، في ظاهرها، مؤسسة اجتماعية لتعليم المعارف وتنمية المهارات. غير أن هذا التعريف البسيط يُخفي وراءه تاريخًا طويلًا من التراكمات النظرية التي حوّلت «علوم التربية» إلى ما يشبه لاهوتًا علمانيًا، له طقوسه ومفاهيمه وأنبياؤه، يقدّس النظرية ويؤلّه النموذج، ويستبدل الإيمان الديني بالإيمان البيداغوجي (Freire, 1970).

هذا "اللاهوت التربوي" لا ينشأ من فراغ، بل يتغذّى من حاجتنا إلى اليقين داخل الفعل التعليمي، فيتحول السؤال التربوي من كونه فعل تفكير إلى منظومة إيمان معرفي ترفض الشك وتخشى النسبية.
لكن، ماذا يحدث حين تتحول النظريات إلى نصوص مقدّسة والمناهج إلى عقائد بيداغوجية والمعلم إلى كاهنٍ يكرّر الطقوس دون وعي بفلسفتها؟
هنا تتدخل الفلسفة لتطرح سؤالها الجوهري: هل يمكن أن تكون «علوم التربية» نفسها أداة هيمنة رمزية؟ وهل ما ندرّسه اليوم هو ما يجب تدريسه فعلًا، أم ما فُرض علينا تدريسه باسم "الحداثة" و"الكفايات" و"الجودة"؟

1. المدرسة بين الفلسفة واللاهوت التربوي:

تمثل الفلسفة سؤال الحرية، بينما تمثل البيداغوجيا – في صيغتها المؤسساتية – سؤال النظام. من هنا يولد التوتر الأبدي بين العقل الفلسفي الشاكّ والعقل التربوي المطمئنّ.
لقد تحوّلت نظريات مثل «البنائية» (Piaget, 1954) و«التعلم بالاكتشاف» و«مقاربة الكفايات» إلى نصوص مغلقة تُتداول كما تُتداول المواعظ، لا تقبل النقد ولا تُقرأ في سياقها التاريخي والاجتماعي، بل تُطبّق كما هي.

ويذكّرنا فوكو (Foucault, 1971) بأن المعرفة ليست بريئة، بل هي علاقة سلطة، وأن المدرسة الحديثة تمارس نوعًا من "الانضباط المعرفي" عبر آليات التصنيف والمراقبة والإخضاع.
من هذا المنظور، يمكن القول إن «لاهوت التربية» المعاصر يكرّس شكلًا ناعمًا من الهيمنة، حيث يُعاد إنتاج الطاعة باسم الكفاءة والانضباط باسم الجودة.

2. النسبية المعرفية وحدود النظرية التربوية:

لا يمكن التعامل مع أي نظرية تربوية على أنها حقيقة مطلقة، فكل نظرية بنت سياقها الثقافي والسياسي والاجتماعي.
نظرية جون ديوي في "التربية التقدمية" (Dewey, 1916) وُلدت في بيئة براغماتية ترى المدرسة مصنعًا للمواطنة الديمقراطية. أما البنائية لبيّاجيه، فركزت على استقلالية الطفل وقدرته على بناء المعرفة ذاتيًا.
حين تُستورد هذه النظريات إلى بيئات مغايرة، كما في المدرسة التونسية، دون مساءلة جذورها، تتحول إلى نصوص بلا سياق تُمارس وتُقدّس دون وعي نقدي.

إن النسبية هنا ضرورة معرفية لإنقاذ الفعل التربوي من جمود "اللاهوت النظري" وإعادته إلى سياقه الإنساني الحيّ.
إيلتش يوضح أن المدرسة المقدسة تُفقد معناها الإنساني (Illich, 1971).

3. البرامج التعليمية كمنتوج أيديولوجي:

السؤال ليس فقط: كيف ندرّس؟، بل لماذا ندرّس هذا بالذات؟
من يقرر ما هو "المفيد" و"الضروري"؟ ومن يملك سلطة تصنيف المعارف؟
البرامج المدرسية ليست مجرد وثائق، بل منتوج أيديولوجي يعكس صورة الإنسان والمجتمع التي يريد النظام إنتاجها.
بيير بورديو يؤكد أن المدرسة تُعيد إنتاج التراتبية الاجتماعية عبر "العنف الرمزي" (Bourdieu & Passeron, 1970).
المنهج يصبح مرآة للسلطة لا للمعرفة، والمعلم أداة لإعادة إنتاج النسق، ما لم يمتلك وعيًا نقديًا.

4. نحو مدرسة تفكّر لا تؤمن:

التحرر من لاهوت التربية لا يعني الفوضى، بل تحرير الفعل التربوي من القداسة الزائفة.
الفلسفة تعلمنا أن نشكّ، وأن نعيد النظر في المسلّمات (Morin, 1999).
المدرسة مطالبة بتجاوز دورها كناقل للمعرفة لتصبح فضاءً للسؤال والتفكير (Freire, 1970).
فالتعليم الحقيقي يجعل المتعلم فاعلًا في تغيير العالم، لا مجرد متلقٍ لمعرفة جاهزة.

5. الممارسة اليومية كفضاء نقدي:

إن كل هذه المفاهيم تبقى مجرد كلمات إذا لم تتحوّل إلى ممارسة تربوية يومية.
في الصف التونسي، كما في غيره من الصفوف، يظل المعلم والمربي أمام تحدّي دمج النقد والحرية داخل روتين التعليم اليومي:

السماح للتلميذ بالتساؤل بحرية.

تقديم المعرفة كرحلة استكشاف، لا كحقائق مطلقة.

ربط المنهج بسياق حياة المتعلم الاجتماعي والثقافي.

بهذا يتحول الصف من طقسٍ بروتوكولي إلى فضاء تحرّر معرفي، وتصبح المدرسة ليست فقط ناقلة للمعرفة، بل مختبرًا للوعي النقدي.

خاتمة:

هل ما نمارسه اليوم داخل مدارسنا هو تربية أم تقديس للنظام التربوي نفسه؟
هل المعلم مفكر حرّ، أم كاهن يؤدي شعائر بيداغوجية بلا وعي؟
ربما حان الوقت لإعادة النظر في المدرسة، لا كمؤسسة لتلقين المعارف، بل كفضاء فلسفي لمساءلة اللامفكَّر فيه تربويًا، حيث يصبح السؤال أساسًا للتربية والحرية.

المراجع:

1. Bourdieu, P. & Passeron, J.-C. (1970). La reproduction : léments pour une théorie du système d’enseignement. Paris : Minuit.

2. Dewey, J. (1916). Démocratie et ducation. New York : Macmillan.

3. Durkheim, E. (1912). Les formes élémentaires de la vie religieuse. Paris : PUF.

4. Feyerabend, P. (1975). Contre la méthode. Londres : New Left Books.

5. Foucault, M. (1971). Surveiller et punir. Paris : Gallimard.

6. Freire, P. (1970). Pédagogie des opprimés. New York : Continuum.

7. Illich, I. (1971). La société sans école. New York : Harper & Row.

8. Marcuse, H. (1964). L’homme unidimensionnel. Boston : Beacon Press.

9. Morin, E. (1999). Les sept savoirs nécessaires à l’éducation du futur. Paris : UNESCO.

10. Piaget, J. (1954). La construction du réel chez l’enfant.

11. وزارة التربية التونسية. (2016). الوثيقة الإطار لإصلاح المنظومة التربوية. تونس.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق