في تونس لا تُحلّ الأزمات، بل تُؤجَّل. نغطيها باللجان والوعود كما يُغطّى الميت بكفنه الأبيض. ومنذ نصف قرن، وقابس تختنق لا لأن مصانعها تلوث هواءها، بل لأن الدولة نفسها أصبحت مصنعًا للتلوث: تلوث في الفكرة، في السياسة، في العقل.
كل مرة تنفجر فيها المدينة في احتجاج، تهرع السلطة إلى التعيين لا إلى التفكير، إلى “تكليف مهندس” لا إلى بناء مؤسسة. وهكذا تمضي الدولة في إصلاح ما لم تفهمه، وتعيد إنتاج الفشل بأسماء جديدة.
ما الذي يمكن لمهندس مختص في البتروكيمياء أن يفعله أمام مأساة بيئية عمرها نصف قرن؟ هل يستطيع أن يزرع الأوكسجين في رئة البحر؟ هل يستطيع أن يشرح للفسفوجيبس معنى العدالة البيئية؟ كلا. لكن الدولة التونسية لا ترى البيئة إلا ملحقًا للصناعة، ولا ترى الحل إلا في الاسم، وفي صورة تُلتقط أمام الكاميرا لا في فكرة تُزرع في العقول. قابس لا تحتاج إلى مهندس، بل إلى ضمير هندسي. إلى عقل وطني جديد يعيد تعريف التنمية، ويفهم أن التحول الصناعي ليس مسألة آلات بل مسألة مصير.
كانت قابس يومًا بحرًا يُغنّي وزيتونًا يُضيء، ثم جاءت الصناعة الثقيلة كعقاب من السماء. تحوّل البحر إلى رماد، والسماء إلى مختبر غازات، والناس إلى كائنات تتنفس الخوف. كل هذا باسم التنمية وتحت شعار التشغيل، وكأن الحق في الحياة ترف، وكأن الأوكسجين سلعة. المدن تُقاس بقدرتها على الحلم، أما قابس فصارت تُقاس بكمية الغبار في رئتها.
الخلل ليس في قابس وحدها، بل في مفهوم الدولة ذاته. دولة تتعامل مع البيئة كما تتعامل مع المعارضة: بالصمت. دولة تظن أن المستقبل يُبنى ببلاغ رئاسي لا بمؤسسة تفكر. ولهذا، كل أزمة عندنا تُدار كما يُدار المرض في مستشفى مهجور: ممرضة تحقن المريض بمهدئ وتغادر قبل أن يموت.
قابس لا تحتاج إلى لجنة بيئية بل إلى معبد للعقل، إلى مؤسسة وطنية دائمة تُدعى "المركز الوطني للانتقال الصناعي والبيئي بقابس"، لا تكون إدارة من ورق، بل ورشة فكر وبحث وإصلاح. مركز يجمع مدارس الهندسة التونسية في قابس وصفاقس وتونس، ويستعين بشركاء دوليين مثل EPFL Lausanne وMines ParisTech، ويفتح أبوابه للباحثين والطلبة والمجتمع المدني. يكون دوره تفكيك الوحدات الملوثة تدريجيًا وتحويلها إلى أنشطة نظيفة، وبعث مختبرات حيّة لتجريب حلول معالجة النفايات الصناعية، وتكوين جيل جديد من المهندسين في الانتقال الصناعي المستدام، وبناء اقتصاد دائري يعيد تدوير النفايات بدل تصديرها للسماء والبحر.
قابس ليست أول مدينة تختنق. قبلها كانت كاتوفيتسه في بولندا، مدينة الفحم، التي نهضت من الرماد حين قررت أن تتحول من مركز للتعدين إلى مركز للطاقة النظيفة. وفي Fos-sur-Mer بفرنسا، تحولت المصانع الملوثة إلى مشاريع للهيدروجين الأخضر. أما Ulsan في كوريا الجنوبية، فقد غسلت وجهها من السخام حين أنشأت مركز أبحاث للصناعات النظيفة. هذه المدن لم تكن أغنى من قابس، لكنها كانت أصدق مع نفسها.
حين تختنق قابس، تختنق فكرة الدولة. وحين يموت البحر، تموت السياسة. لأن البيئة ليست رفاهًا، إنها سيادة. الذي يفرّط في هوائه سيفرّط في كرامته، والذي يبيع أرضه بالفسفاط سيبيع مستقبله بالنسيان. سيدي الرئيس، لا نريد مهندسًا من شنغهاي ولا من باريس. نريد إرادة من تونس. نريد دولة تعرف أن الأوكسجين أهم من المراسيم، وأن التراب ليس مادة خام بل ذاكرة أمة.
قابس ليست بحاجة إلى حلول آنية، بل إلى وعي جديد. إما أن نغسلها بالعقل، أو سنغرق جميعًا في غبارها. من لم يسمع صرخة قابس، لن يسمع أنين تونس.
صرخة قابس
2025-11-11
736 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن