الهادي نويرة... الاسم الذي لا يثير الضجيج، لكنه يسكن في قلب الدولة مثل ظلٍّ لا يغيب.
رجل جاء من عمق البيروقراطية، لا من ضجيج الجماهير.
ولد في المنستير سنة 1911، درس في باريس لغة المال والاقتصاد، لا لغة الشعارات.
عاد إلى تونس يحمل عقل مصرفيٍّ بارد وضمير دولةٍ ناشئة تبحث عن نجاة.
كان بورقيبة يحتاج إلى رجلٍ لا يصرخ.
رجلٍ يُدير لا يُجادل، يُخطط لا يحلم.
فوجد في نويرة ضالته.
في كل أمة هناك رجل واحد يغير مجرى التاريخ.
لا بالسلاح، بل بالورقة الموقّعة، لا بالصوت، بل بالصمت.
وفي تونس، كان ذلك الرجل هو الهادي نويرة.
الوجه الهادئ لعاصفة اقتصاديةٍ هزّت البنية العميقة للدولة.
جاء ليُنقذ تونس من الفقر، فأنقذها، لكنه أورثها مرضًا أخطر: الريع.
نهاية الستينات كانت مشهد انهيار.
أحمد بن صالح حلم بتحويل الأرض إلى اشتراكيةٍ مزدهرة، فانتهى الحلم إلى خرابٍ إداريٍّ واسع.
المخازن ملأى بالغلال، والمزارع فارغة من الأمل، والفلاح صار موظفًا ينتظر راتب الدولة.
حينها، أدرك بورقيبة أن الشعارات لا تبني اقتصادًا، وأن الحلم لا يُطعم شعبًا.
التفت نحو نويرة، وقال له: أنقذ الدولة.
فجاء الرجل بوجهٍ بارد، يحمل حقيبة أرقامٍ ودفترًا من البنك المركزي، لا خطابًا من الحزب.
ومن يومها، بدأت تونس تنتقل من فأس الفلاح إلى آلة الحاسبة، من الحلم إلى الحساب، من الجماعة إلى الفرد.
الهادي نويرة لم يأتِ بثورةٍ، بل بثورةٍ صامتة.
كتب قانون 1972 الذي فتح أبواب البلاد على الاستثمار الأجنبي، وجعلها مختبرًا مبكرًا للعولمة قبل أن تُعرف الكلمة.
كانت فكرته بسيطة وخطيرة:
نبيع العمل الرخيص، ونشتري الاستقرار.
نعطي الأرض، ونأخذ العملة الصعبة.
نمنح الامتياز، ونحصل على الولاء.
بدأت المعجزة التونسية:
الدينار قوي، السياحة تتوسع، المصانع تتكاثر، الغرب يصفّق، والبورقيبيون يبتسمون.
لكن تحت هذه الأرقام، كان شيء آخر يولد في الظلام.
لقد بدأت الدولة تُنجب أثرياءها.
ورجال الحزب تحوّلوا إلى رجال أعمال.
ورجال الأعمال أصبحوا شركاء في السلطة.
ومن رحم هذا الزواج غير الشرعي بين المال والسياسة، وُلد اقتصاد الريع.
نويرة لم يبنِ فقط اقتصادًا، بل هندس طبقة.
كان يؤمن بأن التنمية تحتاج إلى نخبة اقتصادية ترافق النخبة السياسية.
ففتح الباب لرجال الحزب الدستوري ليدخلوا عالم الأعمال.
من الإدارات خرجت أولى الشركات.
ومن المكاتب خرجت أولى الصفقات.
وهكذا، وُلدت البرجوازية التونسية الجديدة، لا من رحم السوق، بل من رحم الدولة.
الأراضي أُعطيت، القروض مُنحت، الرخص وُزعت، والمناقصات صارت مكافآت.
لقد بنت الدولة برجوازيتها، ثم سلمتها مفاتيح الاقتصاد.
ومن تلك اللحظة، بدأ التحالف الكبير بين السلطة والمال، بين القرار والثروة.
كانت الدولة تبدو مزدهرة، الأرقام تبتسم، الصحف تتحدث عن المعجزة.
لكن في الداخل، في القرى، في المناجم، في الأحياء الخلفية، كانت تونس الأخرى تموت بصمت.
تونس الساحل تزداد ثراءً.
تونس الداخل تغرق في النسيان.
العمال خرجوا إلى الشوارع سنة 1978، لا ليهتفوا ضد بورقيبة، بل ضد النظام الاقتصادي الذي اختنقوا به.
كان الدم الذي سال يومها هو إعلان ميلاد الصراع الطبقي في تونس الحديثة.
نويرة صنع النمو، لكنه لم يصنع العدالة.
البلاد كجسدٍ رياضيٍّ بوجهٍ شاحبٍ وقلبٍ مريض.
الهادي نويرة أطلق العنان للقطاع الخاص، لكنه قيّده بخيوط الدولة.
الدولة تُعطي وتمنع.
تُبارك وتُعاقب.
تُقرر من ينجح ومن يُقصى.
وهكذا، تحوّل الاقتصاد إلى إقطاع سياسيٍّ لا يقوم على الأرض بل على القرب.
الوظيفة ريع.
الرخصة ريع.
الصفقة ريع.
أما القرب من السلطة، فهو أعظم الريوع جميعًا.
حين غادر نويرة المشهد في مطلع الثمانينات، كان يظن أنه خلّف نموذجًا اقتصاديًا عصريًا.
لكن التاريخ كتب غير ذلك.
لقد ترك وراءه نظامًا محكمًا لخدمة قلةٍ مختارة، قابلةٍ للتوريث في كل عهد.
ما بدأه نويرة في السبعينات، أكمله بن علي في التسعينات، وتفاقم بعد الثورة تحت شعار الحرية الاقتصادية.
اقتصاد الريع لم يكن انحرافًا عن فكر نويرة، بل ثمرةً منه.
لقد وضع المبدأ الذي لم يُكسر إلى اليوم:
أن الدولة هي السوق، وأن السوق هي الدولة.
ومنذها، صارت تونس تُدار بالمصالح لا بالمؤسسات، وبالصفقات لا بالقوانين.
نصف قرنٍ بعد رحيله، ما زال وجه نويرة يطل من خلف كل مشروعٍ ميتٍ على الورق.
من خلف كل بنكٍ لا يُقرض إلا نفسه، وكل سياسيٍّ يستثمر في السلطة.
اقتصاد الريع لم يعد خيارًا، بل أصبح قدرًا.
تونس استبدلت الحلم بالتخطيط، ثم استبدلت التخطيط بالتحايل.
رجال الأعمال صاروا نوابًا.
النواب صاروا رجال أعمال.
المصالح صارت الدولة.
والدولة صارت شركةً مساهمة باسم الشعب.
التاريخ يبتسم بسخرية.
من يقرأ تونس اليوم يدرك أن الفساد لم يبدأ من الانحراف، بل من الإصلاح نفسه.
إنها لعنة نويرة.
لعنة العقل البارد الذي ظن أن الأرقام تصنع العدالة.
كانت نواياه وطنية.
لكن النوايا لا تصنع الأوطان.
سلّم لتونس مفتاح الخزائن، لكنها حين فتحته لم تجد سوى حفنةٍ من المتحكمين بالكثرة.
ومنذ ذلك اليوم، صارت كل سلطة تعيد إنتاج معادلة نويرة دون أن تدري:
احكم عبر الاقتصاد، تملك السياسة.
هكذا وُلدت جمهورية الأعمال، الوريثة الشرعية لجمهورية نويرة.
رجل صنع معجزةً باردةً في زمنٍ ساخن.
غادر الجسد، لكن فكرته بقيت.
هو الأب الحقيقي للربح المضمون والخسارة العامة.
ومنذ غيابه، لم تتوقف تونس عن دفع فاتورة لم توقع عليها يومًا.
الهادي نويرة…
الرجل الذي لم يرفع صوته يومًا، لكنه غيّر مصير أمةٍ كاملة بصمته.
الهادي نويرة
2025-11-09
708 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن