بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: عماد عيساوي

عماد عيساوي كاتبٌ ومحللٌ سياسي وناشطٌ وطني، يجمع بين الفكر الاستراتيجي والعقل المعلوماتي الحديث.
يُعرف بأسلوبه التحليلي العميق وكتاباته الجريئة التي تمزج بين الفكر السياسي والسيادة الرقمية، مؤمنًا بأن معركة الدول في هذا العصر تُخاض في ميدان التكنولوجيا بقدر ما تُخاض في السياسة.

يُعدّ من الأصوات التي تدافع عن الدولة الوطنية الذكية، وعن بناء مؤسسات قادرة على إدارة القرار بالمعرفة لا بالشعارات.
في تحليلاته ومقالاته، يتناول قضايا الأمن السيبراني، التحولات الاجتماعية، والإصلاح السياسي بعقلٍ ناقد وروحٍ تونسية لا تساوم على السيادة.

النظام القرطاجي: هندسة السلطة بلا عرش

2025-11-07 681 قراءة مختلفات عماد عيساوي
في زمنٍ كانت فيه الممالك تُبنى بالسيوف، والآلهة تُنصّب الملوك من فوق المذابح، خرجت من صخر المتوسط مدينة صغيرة اسمها قرطاج.
لم تكن مدينة للغزو، بل للتبادل؛ لم تولد في رحم الحرب، بل في رحم البحر والسوق.
لم تُقم شعائرها في المعبد، بل في المرفأ.
هكذا بدأت أول تجربة في التاريخ تُحوّل التجارة إلى سلطة، والربح إلى شرعية، والمؤسسة إلى دين جديد اسمه "النظام".

قرطاج كانت أول دولة في البحر المتوسط لا تقوم على الدم ولا على النبوءة، بل على فكرة هندسية دقيقة:
أن السلطة مثل السفينة، لا تسير إلا إذا وُزّعت الأوزان فيها بعدل.

النظام القرطاجي: هندسة السلطة بلا عرش

في قلب تلك الجمهورية البحرية، وُلد ما يمكن تسميته بـ"الدستور الصامت".
لم يُكتب على ورق، بل تجسّد في ثلاث مؤسسات متوازنة:

1. السوفِتيم الحاكمان بلا جيش

اثنان فقط، ينتخبهما المجلس الأعلى من بين النخبة التجارية، يحكمان لمدة عام واحد.
ليسا ملوكًا ولا جنرالات، بل مديران سياسيان لدولة بحرية.
ليسا أصحاب سلطة مطلقة، بل حكماء ينسّقون بين مصالح النخب.
كانت الفكرة العبقرية في قرطاج هي أن السلطة المؤقتة أكثر دوامًا من السلطة الدائمة.

2. مجلس الشيوخ ، الذهب يصنع القرار

الأديريم، أو مجلس الشيوخ، كان برلمان النخبة التجارية والبحرية.
يجلس فيه أصحاب السفن والمرافئ والمصارف القديمة.
هناك، لا يُتخذ القرار بالحماس، بل بالحساب.
كانت السياسة امتدادًا للاقتصاد، لا نقيضًا له.
ومن لم يملك سفنًا، لا يملك رأيًا.
كان المال في قرطاج أداة للمسؤولية، لا للفساد.

3. مجلس الـ104 ، جهاز الدولة العميقة

مجلس مكوّن من 104 قاضٍ، وظيفته مراقبة كل صاحب سلطة، من الحاكم إلى القائد العسكري.
كان بمثابة محكمة الضمير العام.
يستدعي، يحاسب، ويمنع.
لم يكن انتقاميًا، بل وقائيًا.
وهكذا وُلدت أول تجربة لما نسميه اليوم بـ"الرقابة المؤسساتية"، قبل أن يعرفها العالم بقرون.

السوق كمعبد، والتاجر كفيلسوف

في أثينا، كانت السياسة تُدار في الساحة.
في روما، تُصنع في مجلس الشيوخ.
أما في قرطاج، فكانت تُدار في الميناء.
لم يكن السوق فضاءً للربح فقط، بل أرضًا للشرعية السياسية.

القرطاجي لم يكن يرى في المال نقيصة، بل فضيلة.
من ينجح في إدارة السفينة، يستطيع أن يُدير الدولة.
من يعرف الريح والمدّ، يعرف التوازن السياسي.
وهكذا تحوّل البحر إلى جامعة سياسية، والمرفأ إلى مختبر للديمقراطية الاقتصادية.
كانت قرطاج أول من فهم أن الدولة ليست مجموعة من الناس، بل منظومة من المصالح المنظّمة.
ولهذا قال أحد المؤرخين البيزنطيين بعد قرون:
"الذهب الذي مرّ عبر قرطاج كان أكثر تأثيرًا من السيوف التي حُملت باسمها."

السلطة التي لا تُرى: منطق الشبكات

عند قراءة النقوش والوثائق، تتكرر أسماء العائلات ذاتها في مواقع الحكم.
لكن قرطاج لم تكن مافيا، بل نظام علاقات معقّد يعمل بانضباط مذهل.
كما وصفه المؤرخ الإيطالي جيوفاني ليفي:
"السلطة هناك كانت موزّعة، دقيقة، خفيّة، تعمل في الظل لتُبقي الضوء مستقرًا."
لم تكن السلطة في قرطاج تقوم على شخص، بل على شبكة من العقول.
لم يكن فيها زعيم أبدي، ولا قائد ملهم، بل منظومة ذكية من الأشخاص العاديين الذين يفهمون المعادلات الكبرى.
إنها فكرة الدولة الحديثة قبل أن تولد الحداثة.

قرطاج وأخواتها: حين اختلفت الطُرق

في أثينا، كانت الديمقراطية مباشرة لكنها ناقصة:
حرية للأحرار، وعبودية للعبيد.
في روما، كانت الجمهورية أرستقراطية عسكرية، تحكمها العائلات بالحديد والدم.
أما قرطاج، فقد اختارت طريقًا ثالثًا:
جمهورية تجارية، توازن بين المال والسلطة،
تُشرّع بالعقل، وتراقب بالضمير، وتحكم بالمؤسسة.
لم تعرف الثورات لأنها لم تعرف الطغاة.
ولم تعرف الانقلابات لأنها عرفت الرقابة.
وهكذا استطاعت أن تصمد لقرون، حتى جاءت الحروب البونية فابتلعها الجنون الروماني.

حين أحرقت روما الفكرة لا المدينة

لم تُحرق روما قرطاج لأنها كانت عدوة عسكرية، بل لأنها كانت مرآة مضادة.
روما كانت دولة السيف، وقرطاج دولة السوق.
روما آمنت بالقوة، وقرطاج آمنت بالعقل.
وعندما ينتصر السيف على العقل، يُولد التاريخ في الدماء لا في الكتب.

أحرقوا قرطاج بالنار والملح، لكنهم لم يحرقوا الفكرة.
فكل دولة مؤسساتية، وكل نظام رقابي، وكل دستور يفصل السلطات،
هو في جوهره استمرار غير معلن لقرطاج.

من قرطاج إلى تونس اليوم: من الدولة إلى الفوضى

تونس، وريثة قرطاج، لم تعد تشبهها.
تحوّلت من دولة مؤسسات إلى دولة انفعالات.
من برلمان العقلاء إلى سوق الشعارات.
نستحضر قرطاج في المهرجانات والتماثيل، لا في السياسات والقوانين.
نسينا أن أجدادنا أسسوا أول نظام محاسبة في التاريخ،
ونحن اليوم لا نحاسب إلا بعد الخراب.

لقد كانت قرطاج تُقدّس الكفاءة،
ونحن نقدّس الخطاب.
كانت تعرف أن المال يصنع الدولة،
ونحن نظن أن الفقر يصنع الطهارة.

تونس اليوم تحتاج إلى أن تستعيد قرطاجها لا كأثر أثري، بل كعقل سياسي.
أن تفكر بالبحر لا بالحدود.
أن تُعيد الاعتبار لفكرة الدولة لا لفكرة الزعيم.
فالشعوب التي تنسى مؤسساتها، تُحكم بخرافاتها.

قرطاج ليست أطلالًا، بل فكرة سياسية مؤجلة.
كانت أول من فهم أن الاقتصاد لا يفسد السياسة بل ينقذها،
وأن السلطة ليست ميدانًا للبطولة، بل هندسة للعقل الجماعي.
لقد سقطت قرطاج لأنها سبقت زمانها،
ولم تُفهم لأنها كانت تُفكر بعقل المستقبل.

واليوم، في عالمٍ يعود إلى الحروب والأساطير،
ربما حان الوقت لنُعيد اكتشاف قرطاج لا كماضي،
بل كخريطة ذهنية لمستقبلٍ لم يولد بعد.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق