تونس اليوم تدفع ثمن تراكم إداري عمره نصف قرن.
ليست الأزمة في المال، بل في العقول التي تُدير المال.
ليست المشكلة في الفقر، بل في نظام يُكافئ البطالة المقنّعة ويُعاقب الكفاءة.
القطاع العمومي في تونس لم يعد ذراع الدولة، بل أصبح جثتها.
دولة تدفع ولا تُنتج
في سنة 2010 كان عدد موظفي القطاع العمومي حوالي 435 ألف موظف.
اليوم يتجاوز العدد 657 ألفًا.
أي زيادة بـ 220 ألف موظف في عشر سنوات، دون أي زيادة في الإنتاج، ولا في جودة الخدمات، ولا في نمو الناتج المحلي.
كتلة الأجور كانت تمثل 10% من الناتج المحلي سنة 2010،
أما اليوم فهي تتجاوز 14% وتبتلع قرابة 40% من ميزانية الدولة.
أي أن كل دينار من بين اثنين تنفقه الدولة، يذهب إلى الرواتب.
لكن ماذا يُنتج هذا الجهد المالي؟
إنتاجية الموظف العمومي التونسي لا تتجاوز ثلث نظيره الأوروبي.
وفي بعض الإدارات، تُقدّر نسبة الغياب عن العمل بـ 25% من أيام السنة.
أرقام صادمة، لكنها حقيقية، والنتيجة اقتصاد مُشلٌّ ومالية عمومية تحت الإنعاش.
جهاز إداري بلا معنى
في تونس 23 وزارة وأكثر من 150 مؤسسة عمومية،
بينها ما لا يُنتج شيئًا ولا يقدم خدمة ملموسة.
ديوان التطهير، ديوان الزيت، ديوان الحبوب، ديوان الخدمات المدرسية، ديوان التكوين، الشركة الوطنية للكهرباء، الشركة الوطنية للنقل، التلفزة الوطنية، وكالة التبغ والوقيد...
كلها كيانات تعيش على ميزانية الدولة وتخسر سنويًا مئات المليارات.
حسب بيانات وزارة المالية، هناك أكثر من 105 مؤسسة عمومية خاسرة.
خسائرها السنوية تُقدّر بـ 7 مليارات دينار.
تونس تقترض لتُموّل فشلها.
البلاد تدفع أجورًا لمن لا يعملون، وتُقرض شركات ميتة لتبقى واقفة شكليًا.
النتيجة:
تراجع الاستثمار العمومي من 6% إلى 3% من الناتج المحلي.
انكماش في الخدمات العامة.
تضخم إداري يخنق القرار ويُعطّل الدولة.
الفساد في صورة “استقرار اجتماعي”
كل حكومة جاءت منذ 2011 خافت من مواجهة النقابات والشارع.
فاشترت الهدوء بالتوظيف.
هكذا تحولت الدولة إلى أكبر مشغل للعاطلين بدل أن تكون محفّزًا للإنتاج.
أُدخل آلاف إلى الوظيفة العمومية دون امتحان، دون تكوين، دون حاجة حقيقية.
تحت شعارات الثورة والعدالة، تمّ تكريس الظلم المالي الأكبر في تاريخ تونس.
هذا ليس استقرارًا.
هذا فخّ مالي، نظام يعيش على المسكنات.
اليوم نصف الدولة يعمل ليُموّل النصف الآخر الذي لا يعمل.
الحل ليس سياسيًا بل تقنيًا
أي إصلاح إداري يجب أن يُبنى على معادلة بسيطة:
من لا يُنتج، لا يستحق أن يُموّل.
1. تدقيق وطني شامل
يجب القيام بتدقيق إداري ومالي لكل مؤسسة عمومية.
كم تُكلف؟ ماذا تُنتج؟ من يعمل فعلاً؟
الهدف ليس الطرد، بل إعادة التوزيع والنجاعة.
النتائج تحدد من يبقى ومن يُلغى.
2. تحويل الوظائف إلى قطاعات إنتاجية
في ألمانيا واليابان، تم نقل عشرات آلاف الموظفين الزائدين نحو قطاعات جديدة: الطاقة، الرقمنة، البنية التحتية، البحث العلمي.
تونس يمكنها فعل الشيء ذاته.
لدينا فائض في الإدارة ونقص في الزراعة والتكنولوجيا والخدمات.
إعادة التوجيه الذكي يمكن أن توفّر 2 إلى 3 مليارات دينار سنويًا.
3. رقمنة الإدارة
التحول الرقمي ليس تجميلًا بل إصلاح جذري.
في إستونيا، أكثر من 95% من الخدمات الحكومية رقمية.
في تونس، أقل من 12%.
كل معاملة رقمية تعني موظفًا أقل، رشوة أقل، وقتًا أقل.
الإدارة الذكية تُغلق أبواب الفساد وتُقيس الأداء بالدقيقة لا بالحضور.
4. إصلاح نظام الأجور
الراتب يجب أن يُبنى على الأداء، لا على الحضور.
كل موظف يجب أن يخضع لتقييم دوري:
من يُنجز أكثر، يتحصل على أكثر.
من يُهمل، يُخفض أجره.
من لا يعمل، يُفصل.
هكذا تبنى الدول الحديثة، وهكذا تُحترم أموال دافعي الضرائب.
5. تقليص الوزارات إلى النصف
دولة صغيرة مثل تونس لا تحتاج 23 وزارة.
يمكن دمج وزارات مثل الصناعة و البيئة ، التربية والتعليم العالي، الثقافة والسياحة، الشؤون الاجتماعية والتشغيل.
كل وزارة تُلغى تُوفر ما لا يقل عن 100 مليون دينار سنويًا.
تونس لا يمكن أن تستمر بدولة توزع المرتبات وتنتظر القروض.
البلاد تحتاج إلى ثورة عقلية لا اجتماعية.
إما أن نُعيد بناء القطاع العمومي على أسس الكفاءة والإنتاج،
أو نتحول رسميًا إلى دولة مفلسة تدفع أجورًا من ديونها.
الإصلاح لا يعني التسريح العشوائي، بل العدالة الإنتاجية.
من يعمل يُكرّم، من لا يعمل يُحاسب.
من يخدم الدولة يُكافأ، ومن يستغلها يُفصل.
القرار اليوم ليس سياسيًا، بل وجودي.
إما أن نُنقذ الدولة، أو نُسلّمها لجيل سيعيش بلا تعليم، بلا صحة، بلا وظائف.
تونس لا تحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى جراحة.
وليس في قاموس الأمم من ينهض بغير وجع.
من لا يعمل لا يلزمنا، ومن لا يُنتج لا يستحق أن يُموّل من مال الأمة.
دولة الموظفين لا دولة المواطنين
2025-10-30
1054 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن