بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: صابر النفزاوي

كاتب سياسي إسلامي ..

القيــــروان تحت القصـف الرمـــزي.. لمـاذا اقتـرن اسمهـا بالجريــمـة ؟!

2025-10-27 664 قراءة مقالات رأي صابر النفزاوي
لا يمكننـا التعميـم الواثق بالقول إنّ أغلب الـجرائـم في تونس تقع في القيروان نظرًا لغيـاب الإحصائيـات الدقيقة والموثوقـة، بَيـد أنّ الولاية تُسجِّـل فعـلاً حوادث لافتـة من حيث درجـة الغرابـة والفظـاعة بسبب مزيج من العوامل الاقتصاديّـة والديمغرافيّـة والاجتماعيّـة وضعف الرقـابـة على شبكات ترويج المخدرات التي باتت أقرب إلى ”مسـالك توزيع تجاريّـة” تعمل وفق منطق السوق لا منطـق الإجرام،، لكن علينـا الإشـارة في المقـابل إلى وجود تغطيـة إعلاميّـة مكثّفـة تكـاد تكون خـاصّة بـ”الـجريمـــة القيروانيّــة” حصرًا وقصرًا بمـا سـاهم في تعزيز صورة نمطيّـة مشوّهـة لمنطقـة ذات رمزيّـة حضـاريّـة ثقيلة لا يليق بهـا هذا الصيت وهذه السّمعـة النشـاز عن تـاريخهـا العظيـم !..

نزعـم أنّ هذا التركيز الإعلامـي على جرائم مدينـة عقبـة ومـا جاورهـا هو محـاولة لتحويـل سرديّتهـا من ”مهد للحضـارة” إلى ”بـؤرة للهمجيّـة” وهو مـا يخدم في نهـاية التحليل أجندات خـارجيّـة متقاطعة مع قوى التفكيك في الداخل الساعيـة إلى إعـادة تشكيـل الهويّـة التونسيّـة ..

لسنـا من أنصار ”نظرية المؤامرة” لكنّنا نؤمن بأنّ ”التفكيـر التمري” يبقى أداة من أدوات التحليل السياسي والسوسيولوجي، وهو ما يسمح لنا باستدعـاء كـارثـة انهيـار السور التاريخـي للقيروان عام 2023 بسبب ”أخطاء ترميمية فادحة” واعتبـاره تعبيـرًا عن سعي ”شبه رسمـي” ”الدولة العميقة” أو ”عقل الدولة العميـق” لإضعـاف هويتهـا خاصةً مع تسليم مشـاريع الترميم لمقاوليـن غير مختصّيـن !..

صحيـح أنّ منطق ”التهميـش الرّسمـي” المتوارَث والمُعمَّـــق منذ الحقبة الاستعمـاريّـة يقـوم أساسًـا على ”السَّـوحلة“ أي اختلال خـارطة التنميـة لفـائدة الأقـاليم السّـاحليّـة على حسـاب المنـاطق ”الحبيسـة” حيث نلحظ مثلاً أنّ شبكة السكك الحديديّـة التي تركها المحتلّ تبدأ من البحر وتنتهي في البحر،، من المينـاء إلى المينـاء وذلك لتسهيـل حركة تصدير الثروة أو تهريبهـا، والصّحيح كذلك أنّ هناك عوامل موضوعيّـة كرّست هذا التوجّه العام كعامل المنـاخ ومقتضيات العولمة وما رافقها من تحرير للاستثمار وبالتالي من التصـاق بديهي بالحدّ البحري،، إلّا أنّ الأمر -لا يخلو في ما نزعم- من بُعد تـاريخي/ديني/إيديولوجي حين نتحدّث عن الـقـيــروان الّتي مازالت تدفع ثمنَ دورهـا التّـاريخي في حركة الفتوحـات الإسلاميّـة الأولى، فرغم أنّهـا ليست وحدهـا في قائمة المناطق المُهمَّشـة في البلاد في إطـار ظاهرة كليّـة سمّـاهـا ”أوندري وندر فرانك” «تنميـة التخلّف»
”Le développement du sous-développement”
إلّا أنّ خصوصيّـة الحالة القيروانيّـة هو مواجهتُهـا ضربًـا من ضروب
«الـتّهميـش على الهُويّـــــة» في سيـاق هجمة نظاميّـة مُمنهَجـة على ”الـذّاكرة الدّيـنيّـة“ وعلى روافـد ”التديُّن الشرعي“ لفـائدة ما يسمّونه ”التديّن الشعبي” الّذي أنتج في النّهاية احتفاءً فولكلوريًّـا بالمناسبات الدينيّـة تتخلّله مظاهر انحراف تُسوَّق على أنّها مِن ”الإسلام التونسي/الزيتوني/المالكي/المتسامح” وعلى أنّها مراكمـة رمزيّـة معـاصرة على فلسفة ”الصّداق القيروانـي” الذي يُنظر إلسها باعتبارها فلسفـة ”تحرّريّـة/فمنيستيّة” !..

وعليه ..

لا يُمكن قراءة تجـاهُل ما يُسمّـى ”دولة الاستقلال“ للمديـنة وأطرافهـا بعيـدًا عن ثِـقل رمزيّتهـا التّـاريخيّـة وبـمنأًى عن أشكـال أخرى من أشكـال الاستهداف والتّرذيـل الثّقـافي على غرار ضرب التعليـم الزّيتونـي واللغة العربيّـة والرموز الإسلاميّـة في مقـابل توطيـن اللسـان الفرنسي وتغذيـَـة "العصبيّـة الأمازيغيّـة" بل واستثـارة نوستـالجيـا التاريخ القرطـاجنّـي الغـابر فقط لمنـاكفـة الإرث الحضـاري للإسلام بالبلاد ..

*ملحوظــــــة :
رغم أن القيروان لا تبعد فعليـا عن السـاحل سوى قرابة 60 كيلومترًا، فإن نشأتها كموقع داخلي محصّن واختيارهـا المتعمّد بعيدًا عن البحر لأسبـاب عسكرية واستراتيجية، ثم ما تكرّس لاحقًـا من تقسيمـات إداريّـة وتوجهـات تنموية منحازة قد جعلا منها منطقة معزولة نسبيًّـا عن ديناميّـة ”اقتصـاد الساحل” أو ”رخـاء الساحل” دون أن يعني ذلك غياب مناطق مهمشة داخل الحزام الساحلي نفسه ..
وهو ما ساهم في ترسيـخ شكل من ”القطيعـة البنيويّـة” بين مركز ديني/تـاريخي ومحيط اقتصـادي/تنموي، لا يزال أثره قائمًـا في واقع التفـاوت الجهوي إلى اليـوم !..

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق