في جنوب تونس، تمتد قابس كقصيدةٍ ناقصة. نصفها نخيل وماء، ونصفها دخان وفسفاط. مدينةٌ تسكنها مفارقة لم تُحلّ بعد: كيف تحوّل الحلم الصناعي إلى كابوس بيئي؟ وكيف اختلطت رائحة النخيل برائحة الكبريت؟
في بداية السبعينيات، كانت الدولة التونسية تحلم. أرادت أن تصنع مجدها الجديد في المصانع، لا في الحقول. فاختارت قابس لتكون بوابة الصناعة الكيماوية، عند ملتقى الصحراء بالبحر.
عام 1972، شُيّد أول مصنع لإنتاج الحمض الفسفوري، ثم في 1979 أُقيم مصنع “الداب”، وتلاه آخر في 1985.
كان ذلك زمن الدولة المركزية القوية، التي تُخطّط على الورق أكثر مما تُصغي إلى الأرض. لم يكن أحد يتحدث عن التلوث أو عن البيئة. كان الهمّ هو الإنتاج، وكان المجد يُقاس بالأطنان لا بالأنفاس.
لكن قابس يومها لم تكن صحراء مهجورة. كانت مدينة قائمة وواحاتها تعج بالحياة. كانت غنوش وشطّ السلام وأحياء الساحل آهلة بأهلها، تبعد عن المعامل ببضعة كيلومترات فقط. ومع مرور الوقت، تمدّد العمران نحو المصانع، وتمددت المصانع نحو العمران. صار بينهما زواج قسري، أنجب مدناً تختنق تحت دخانها.
لم يكن الخلل في الحلم، بل في النظر. الدولة رأت في قابس موقعاً إستراتيجياً، ولم ترَ فيها جسداً حيّاً. لم تفهم أن الصناعة حين تُزرع في أرضٍ مأهولة دون وعي بيئي، فإنها تقتل ما حولها بصمت.
هكذا تحوّلت قابس إلى مختبر مفتوح لتجربة تنموية بلا توازن.
كبرت المصانع، وازدادت الانبعاثات، وبدأت الأمراض تتكاثر كما يتكاثر الإسمنت. صار البحر رمادياً، والواحة باهتة، والسماء سقفاً من الدخان.
وفي 2017، اعترفت الدولة أخيراً بالخطأ حين أصدرت قراراً يقضي بنقل الوحدات الملوِّثة خارج مناطق العمران. لكن القرار بقي حبرًا على ورق، لأن الاقتصاد كان أقوى من البيئة، والسياسة كانت أضعف من الحقيقة.
من جاء أولاً؟
سؤالٌ قديم يُطرح كلما ذُكرت قابس: من جاء أولاً السكان أم المعامل؟
الحقيقة أن الاثنين وُلِدا معًا في لحظة غياب البصيرة. السكان لم يرحلوا، والمعامل لم تتراجع. وظلّ الطرفان يعيشان في مساحة رمادية بين الحاجة والخطر.
في ذلك المشهد، قابس لم تكن مجرد مدينة. كانت فكرة فكرة التنمية حين تفقد بوصلتها الأخلاقية.
اليوم، لا تحتاج قابس إلى الشفقة، بل إلى قرار حضاري يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والمكان.
الصناعة ليست عدوًّا، ولكنها حين تفقد ضميرها تصبح لعنة.
المدينة ليست ضحية، ولكنها حين تصمت طويلاً، تتحوّل إلى مقبرة ببطء.
قابس يمكن أن تكون نموذجًا جديدًا: مدينة تستعيد واحتها دون أن تهدم مصانعها، بشرط أن تُدار بعقلٍ يرى الإنسان قبل المداخن، والمستقبل قبل الأرباح.
التنمية ليست ما نزرعه في الأرض فقط، بل ما نتركه في الهواء.
وحين يتساوى في نظر الدولة وزن المصنع ووزن الرئة، عندها فقط يمكن أن نقول إن قابس عادت إلى الحياة.
ما حدث في قابس ليس قصة محلية، بل هو الدرس التونسي الأكبر:
أن التقدم لا يُقاس بما نُنتجه، بل بما نُحافظ عليه.
أن الوطن ليس مصانع فحسب، بل هو توازن بين ما نبنيه وبين ما نحميه.
وقابس، هذه المدينة التي تختنق وتتنفس في الوقت نفسه، تقول لنا اليوم:
“لا تُضحّوا بالحياة من أجل النمو، فالنمو بلا حياة... موت جميل.”
قابس... حين اختنقت الواحة باسم التنمية
2025-10-27
670 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن