بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: عماد عيساوي

عماد عيساوي كاتبٌ ومحللٌ سياسي وناشطٌ وطني، يجمع بين الفكر الاستراتيجي والعقل المعلوماتي الحديث.
يُعرف بأسلوبه التحليلي العميق وكتاباته الجريئة التي تمزج بين الفكر السياسي والسيادة الرقمية، مؤمنًا بأن معركة الدول في هذا العصر تُخاض في ميدان التكنولوجيا بقدر ما تُخاض في السياسة.

يُعدّ من الأصوات التي تدافع عن الدولة الوطنية الذكية، وعن بناء مؤسسات قادرة على إدارة القرار بالمعرفة لا بالشعارات.
في تحليلاته ومقالاته، يتناول قضايا الأمن السيبراني، التحولات الاجتماعية، والإصلاح السياسي بعقلٍ ناقد وروحٍ تونسية لا تساوم على السيادة.

قابس...مدرسة الصمت والكرامة

2025-10-26 676 قراءة مختلفات عماد عيساوي
في الجنوب، حيث الشمس تلسع الرمال ولا تُدفئها، وُلدت قابس.
لم تولد مثل غيرها من المدن على إيقاع طبول البايات ولا تحت رعاية السفراء. وُلدت من رائحة البارود، من نداء القبائل، ومن أصوات رجال قالوا: لا، في زمن كانت الـ«لا» جريمة وطنية.
قابس لم تكن مدينة، كانت روحًا.
روحًا مقاومة، حرة، عنيدة، تشبه موج شطها حين يغضب... لا يهدأ ولا يطيع.
منذ أن وطأت أقدام الجنود الفرنسيين أرضها سنة 1881، كانت قابس تعرف أن الحماية ليست عقدًا، بل قيدًا. هناك، وقف الشيخ علي بن خليفة النفاتي، رجل الصحراء والقبيلة، وقال كلمته الخالدة:
«طاعة الباي كفر».
قالها في وجه سلطة واحتلال معًا، وقالها وهو يعلم أن التاريخ لا يرحم الصادقين.
قاد القبائل، واشتعلت الأرض من قابس إلى صفاقس. وعندما خذلته البنادق، حمل سلاحه ومضى إلى ليبيا. لم يكن يبحث عن منفى، بل عن بارودٍ جديد ليعود. وعاد... شهيدًا. لم يترك وصية، لأن الثائر لا يوصي، بل يُورّث النار.
ثم تولّى المشعل محمد الدغباجي، رجل من طينة الملح والدم، لم يقرأ كتب الثوار، لكنه عاشها.
كان يعرف أن الحرية ليست شعارًا بل شظية، وأن فرنسا لا تُخاطَب بالعرائض بل بالرصاص.
قاتل، وطارده الاحتلال، وأُعدم في الحامة عام 1924. وعندما أطلق الفرنسيون عليه الرصاص، لم يسقط رجل، بل سقط زمن بأكمله، زمن الخضوع.
قابس لا تصنع القادة في المكاتب، بل في الجبال.
هي مدرسة الصمت والكرامة. فيها يولد الرجال كبارًا أو لا يولدون.
ثم جاءت مرحلة أخرى من الثورة… ثورة الوعي.
في الحامة وُلد محمد علي الحامي. لم يحمل بندقية، بل فكرة. والفكرة، حين تصدق، تكون أخطر من الرصاص.
أسّس سنة 1924 «جامعة عموم العمّال التونسيين»، أول اتحاد عمّالي في العالم العربي.
كان يقول:
«العامل الذي يقبل الذل في المصنع، سيقبل الاستعمار في الوطن».
ولهذا نُفي، وطورد، ومات غريبًا، لكنه ترك وراءه رجالًا لا يموتون.
في الخمسينيات، كانت تونس تشتعل، لكن الشرارة الأولى خرجت من الجنوب... من قابس.
في عملية عين سلام سنة 1952، نصب شباب المدينة كمينًا للقوات الفرنسية.
أربعة جنود فرنسيين قُتلوا، سبعة جُرحوا، والعالم لم يسمع شيئًا.
العمليات كانت سرية، الشهداء بلا أسماء، والبطولات بلا تماثيل. لأن قابس تعلّمت أن النصر الحقيقي هو الذي لا يُعلن.
هناك، بين النخيل والبحر والدم، وُلد جيل آخر من المقاومين: محمود الظاهري، الساسي القزبار، الطاهر بن علي… رجال من طين الجنوب، حملوا البنادق كأنهم يحملون مفاتيح التاريخ.
قابس كانت دائمًا في الظل، لأن الضوء في تونس كان يأتي من العاصمة.
لكن في لحظات الوطن الكبرى، لم تكن العاصمة من تصرخ أولاً، بل الجنوب.
وحين يخرس الجميع، كانت قابس تقول: «لن نموت إلا واقفين».
هي مدينة نضالٍ ووفاء، مدينة صامتة لكن خطرة.
لا تجيد البكاء في المناسبات الوطنية، ولا تعرف كيف تبيع دماءها على الشاشات.
هي قابس التي تلد الأبطال وتدفنهم في الرمل، دون نصبٍ ولا نشيد، لأنها تعرف أن التاريخ لا يُكتب بالحجارة، بل بالضمير.
لقد قاومت قابس الاستعمار الفرنسي، لكنها تقاوم اليوم استعمارًا آخر: النسيان.
نسيان التاريخ، ونسيان الرجال الذين صاغوا معنى الوطن بدمهم.
فكم من طفل في مدارسها يعرف أن الحامي وُلد بين نخيلها؟ وكم من سياسي يجرؤ أن يقول إن أول مقاوم في تونس لم يكن من العاصمة بل من قابس؟
قابس لا تطلب التمجيد، بل العدالة التاريخية.
تريد أن يُكتب اسمها في كتاب الوطن حيث يجب أن يكون: في الصفحة الأولى.
لأنها لم تكن هامشًا، بل مقدمة النار.
من علي بن خليفة إلى الدغباجي إلى الحامي إلى الظاهري... قابس لا تغيّر رسالتها.
تقول بصوت الجنوب العميق:
«نحن الذين لم ننتظر أحدًا ليقول لنا أحبوا الوطن، لأننا نحن الذين صنعنا معناه».

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق