بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

في بلاد "العكاريت" السّعداء

2025-10-22 680 قراءة مقالات فكر فيصل حمدي
1
في سنوات الدّراسة الأولى، كان لدي زميل في المدرسة اسمه " نبيل العكروت"، وكنت أسأله عن معنى لقبه العائليّ فلم يكن لديه جواب شافٍ حتّى سمعت المثل الشّعبيّ التّونسيّ الأصيل "إلّي يقُصلُو الحاكم وِذنُو مايتسمّاش عكروت" وسألت الوالد رحمه الله عنه فأخبرني أنّ "العكروت" هو من كانت أذناه صغيرتين أو بُترت إحداهما. وهي من الصّفات التي تجلب "المعرّة" والسّخرية بين النّاس، أمّا إذا كان هذا البتر بيد "السّلطان" فلا ينبغي تعيير المبتور به.
هذا التّفسير زاد من حيرتي، ففضلا عن "التّناقض" الذي وجدته بين الاسم واللّقب اللّذين يحملهما صديق الطّفولة، أي بين "النّبل"و"العكرتة"، فإنّ المثل الشّعبيّ يستحقّ تأمّلا وتحليلا لفهم معانيه ومدلولاته العميقة.

"إلّي": وتعني "من" وهي تُقال للعاقل، أيّ للإنسان الذي يتمتّع بميزة العقل حصرا.
"يقُصْلُو": أي يقطع له، يبتر عضوا من جسده مثلا.
الحاكم: وهو في المثل بمعنى "السّلطان" أي السّلطة السّياسيّة، وهي في المخيال الجمعيّ تشمل السّلطة التّنفيذيّة والقضائيّة، ولكنّها ترتبط أكثر بالأجهزة "الصُّلبة" عموما.
وِذْنُو: أي أُذُنَه، وهو العضو المسؤول عن حاسّة السّمع، وهو عضو ثنائيّ يكتفي المثل بالحديث عن أحدهما.
مَا يِتسَمّاش: بمعنى لا يُدعى أو لا علاقة له بالأمر.
عكروت: وهو كما أسلفنا، من كانت أذنه صغيرة أو مبتورة أو لحقها تشويه ما، طبيعيّا كان أو بفعل فاعل.
إذن، لنتجاوز هذا المدخل التّعريفيّ لنغوص في عمق الدّلالات. فحسب مثلنا الشّعبيّ، وهو كغيره من الأمثال يعبّر عن المخزون التّراثيّ والنّفسيّ والاجتماعيّ الذي يشكّل "شخصيّة التّونسيّ" ويؤثّر فيها وفي تكوينها كما يعبّر عن الذّهنية العامّة، حسب مثلنا، فإنّ من كان ضحيّة لعملية بتر أذنه "يتمتّع بالمساواة" مع غيره من "المواطنين"، ممّن "حافظوا على سلامة آذانهم"، بشرط أن يكون الفاعل هو "الحاكم"، أي السّلطة الحاكمة التي تحتكر "حقّ البتر" والتّصرّف في أعضاء "مواطنيها". وهو شرط لازم لكي لا يكون "ضحيّة مرّتين": مبتورا ومتنمّرا عليه.
لماذا "يُعفي" المجتمع "العكروت" من ممارسة هوايته المحبّبة في التّنمّر والسّخرية من الأفراد الذين لحقهم "أذى" ما، سواء أكانوا مسؤولين عنه أم مجرّد ضحيّة له؟ لأنّ الفاعل هو الحاكم. ماذا يعني ذلك؟ هذا يعني أنّ من حقّ الحاكم أن "يؤذي" أوّلا، وهو أمر لم يعترض عليه متن المثل، وثانيا أنّ من حقّ "العكروت" أن يقدّم أوراق اعتماده كمواطن كامل الحقوق يتساوى مع "بقية العكاريت" السّابقين واللّاحقين، ولا يحقّ لأحد أن يتنمّر على صفته الجديدة فالحاكم من "عَكْرَتَهُ" ولا أحد سواه.
المجتمع يمنح الضّحية تلك الحصانة دون نقاش. هل كان ذلك لـ"دواع إنسانيّة"؟ أخلاقيّة؟ قطعا لا، والشّرط المسبق خير دليل على ذلك، إذ لو أنّ "عمليّة العكرتة" كانت نتيجة لـ"تدافع" مجتمعيّ بين الأفراد، إثر خصومة أو معركة ما استعملت فيها أسلحة بيضاء مثلا، فسيكون مبتور الأذن "عكروتا" يستأهل كلّ أصناف الوصم والتّنمّر والسّخرية حتّى لو كان مجرّد "حزّاز" (من يتدخّل لفضّ خصومة) لا سيف له ولا "بوسعادة" (نوع من السّكاكين الشّهيرة في تونس عُرِف بها "الخارجون عن القانون") في المعركة، وسيصاحبه ذلك لبقيّة عمره المديد كعمر "الحلّاق صاحب الضّرطة الشّهيرة".
ولكن لماذا يُقدم الحاكم على بتر آذان النّاس؟ المثل لا يهتمّ لهذا الأمر ولا يطرحه أصلا وكأنّه أمر بديهيّ من بلاهة السّائل أن يسأل عنه فيفضح نفسه. حسنا، سنتحايل على هذا الفخّ لنلقي نظرة خاطفة عن "عادة قطع الآذان" في التّاريخ "وكيف كان ذلك؟" كما يقول دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف.
تُخبرنا المصادر التّاريخيّة أنّ عادة قطع الأذن كانت تمارس في الحضارات القديمة كعقاب للمُدانين بجرائم السّرقة والخيانة. والغاية منها التّشهير بهم وتعزيرهم وليسهُل على النّاس معرفة ماضيهم الإجراميّ. بينما مُورست هذه العادة في العصور الوسطى ضدّ المجرمين أيضا ولكن بهدف إذلالهم والمبالغة في تحقيرهم. كما نُفّذت أحكام البتر في العبيد الآبقين عقابا لهم على محاولتهم الهرب من نير العبوديّة أو مخالفة القوانين السّارية في تلك العهود. وفي بعض الثّقافات، كان قطع الأذن وسيلة لإهانة أسرى الحروب والتّشفّي منهم. كما كانت تُقطع آذان المحاربين القتلى ويحتفظ بها كتذكار لدى المنتصرين.
في المحصّلة، تاريخ هذه الممارسة يختصر في الرّغبة السّاديّة في الإذلال والتّحقير والتّشفّي، فضلا عن التّعذيب الجسديّ.
لكن، وحسب مثلنا دوما، فإنّ كلّ ذلك لا يحتاج تساؤلا أو تفسيرا أو تبريرا إذا كان الحاكم هو من قرّر أن "يمارسه" بحقّ من يشاء من "الرّعيّة" الجاهزة دوما للـ"العكرتة" والمتضامنة سرّا دون تصريح في ما بينها لتقبّل ذلك الأمر "السّاري" على الجميع دون "تفرقة". إنّه تضامن "الضّحايا" ولكن لا في مواجهة "الجلّاد" ورفض أحكامه الوحشيّة بل في "التّفاهم"على صيغة قبولها وتصريفها في ما بينهم.
لماذا الأُذن أيّها "الحاكم"؟ ربّما كان التّاريخ "الإنسانيّ" أكثر سخاء في الحديث عن عادة مشابهة هي "جدع الأنف" التي انتشرت ممارستها في مختلف الحضارات وللأسباب والغايات ذاتها. ولكن هذه العادة، وفي استهدافها للـ"أنف" بصفة خاصّة، كانت تستهدف رمزيّته التي تعبّر عن "الأنفة" (الأنفة=الأنف) و"الشّموخ" و"العزّة"..."الكرامة" تحديدا. ويروي لنا التّاريخ قصّة الإمبراطور البيزنطيّ جيستنيان الثّاني Justinien II (توفّي عام 711م) الذي تمّ جدع أنفه لمنعه من العودة إلى الحكم (أسباب سياسيّة) ولكنّه عاد رغم ذلك ليحكم ولو كإمبراطور مجدوع الأنف !
فما هي رمزيّة الأذن حتّى يلجأ الحاكم إلى بترها دون مساءلة؟ مدوّنة الثّقافات الإنسانيّة عبر مختلف الحضارات تصوّر لنا هذا العضو بصفته رمزا للـ"فهم" و"الحكمة". وما كانت أُذْنا "بوذا" لتكونا كبيرتين كما نراهما في تماثيله لولا "فَرطُ حكمته". كما أنّ "الفضول" و"الرّغبة في التّعلّم" ممّا ترمز إليهما الأذن البشريّة شأنهما في ذلك شأن "الطّاعة"، حتّى أنّ جسد الإنسان يمكن أن يتحوّل إلى مجموعة من الآذان إذا كانت "صاغية"، إذ يقول عند انتباهه إلى أمر ما واهتمامه به: "كلّي آذان صاغية" وهو مخيّر بعد ذلك أن يكون "أذن خير" أو "أذن سوء".
إذن فبتر الأذن وتحويل الكائن البشري إلى "عكروت" فعل مدروس جيّدا من قِبل "الحاكم" لتحقيق هدف عقابيّ تشويهي لا يُرجى منه إصلاح غير التّشهير والإذلال وقتل طموح من يطمح في أن يصبح "طزّ حكمة" أو يقوده فضوله إلى أن "يعرف أكثر من اللّازم". وهل نعرف ما "يصلح بنا"أكثر من "الحاكم"؟ ولتذكيره بـ"واجب الطّاعة"حتّى "يبيع ما يرهن"و"يُطيع من يخدم" (وذلك مثل آخر وحكاية أخرى).
أمّا إذا شعرنا بالملل من "خرافات" التّاريخ وأردنا "الإنصات" إلى علم الأحياء، فسنجد أنّ الأُذن عضو يقع في الرّأس، وهو مثل العينين والمِنخَرين والفكّين، عضو ثنائيّ توزّع طرفاه بتناسق طبيعيّ دقيق لتحقيق "التّوازن". فالطّبّ يخبرنا أنّ الأذنيْن يؤدّيان دورا محوريّا في تحقيق توازن الجسم ووضعيّة الرّأس وذلك عن طريق ما يعرف بـ"النّظام الدّهليزيّ" (Le système vestibulaire)، الذي يقع في الأذن الدّاخليّة، وأيّ اضطراب أو خلل يصيب ذلك النّظام فإنّه يكون سببا مباشرا في اختلال توازن الجسم برمّته وعدم قدرته على المشي الطّبيعي.
من المؤكّد أنّ "الحاكم" يدرك ذلك أيضا، لذلك يلجأ إلى تهديد الآبقين من رعيّته بجعلهم غير قادرين على السّير كباقي البشر وربّما تحويلهم إلى مجرّد زواحف تسير على بطونها !
ومن التفاسير الغريبة التي لا أعرف أين ومتى صادفتها لمعنى كلمة "عكروت" هي أنّها تطلق على الخروف الذي "لا قرون له" ويصعُب تمييزه عن الشّاة. وإذا لم يكن للخروف من "مزيّة" على الشّاة بـ"قرونه" حسب فهمنا "الجندريّ" للمسألة، فأنتم تعلمون أنّ الأمر يختلف في عالم "الأكباش" الذي تحظى فيه "القرون" بمكانة "رفيعة". وإن كان ذلك على تناقض "ناطح" مع رمزيّة "الفحولة" و"الحزارة" في عالمنا "الذّكوريّ".
مثل شعبيّ كهذا، وكغيره من الأمثال الكثيرة المتداولة، يستحقّ التّوقّف عند مدلولاته والنّظر عبر مرآته العاكسة إلى ما اعتمل وتخمّر في نفسيّة الشّعب وذهنيّته حتّى استوى على شكله "البديهيّ" الحاليّ "حكمة" عَرَكتها التّجارب والمحن فاستحالت "معتقدا" و"عرفا جاريا"، منذ أن كانت "قَرصَة الأذن" عقابا "تأديبيّا" مخفّفًا يسلّطه "أب العائلة" على الصّغار المشاغبين إلى أن تطوّر إلى "سلاح" يُشهِره "أب المجتمع" على أفراده "المتنطّعين".
"قوّة" هذا المثل تبرز في تلك الثّنائية المتآلفة: "التّطبيع" مع الجاني و"الإحاطة" بالمجني عليه وهو تآلف مشروط كما بيّنا بتوفّر ذلك "الإسمنت" الذي يشدّ بنيانها: "صفة الفاعل". فـ"الفعل" يجيء في مرتبة ثانية مُهمَلة تلي تحديد هويّة من قام به وهي "هويّة" كفيلة بحجب "بشاعة الفعل" أو دواعيه. تُهمَلُ "الجريمة" تماما ويقع التّركيز على "حماية" "المفعول به"، لا لدواع إنسانيّة أو حقوقيّة، بل لضمان تطبيق مبدأ "المعاملة بالمثل" بين "الضّحايا": لندافع عن هويّتنا كضحايا "بديهيّين" لِجَانٍ لا يمكن الطّعن في "أحقيّتِه" بتنفيذ "العقاب" متى شاء، كما شاء، بحقّ من يشاء.
هذا "التّضامن"، بما يحمله من "نبل مزيّف"، يتلاشى سريعا ويتحوّل إلى "تنمّر وحشيّ" بتغيّر "صفة الفاعل"، لا يقود إلّا إلى تأبيد تلك "الشّرعيّة" التي يستبدّ بها "الحاكم المطلق" الذي "لا يُسأل عمّا يفعل" أو "كيف يفعل" و"لماذا يفعل" ويُحوّل، بالتّالي، أولئك "الضّحايا"إلى "جناة أصليّين" بحقّ "أنفسهم".
للتّفكّر في هذا المثل الشّعبي "الأنيق" فضل آخر عليّ قادني إلى معرفة شجرة معمّرة في ربوع تونس الخضراء هي "زيتونة العكاريت". ويُقال أن عمرها يبلغ الألف عام وتُعدّ أضخم شجرة زيتون في دول حوض المتوسّط وتقع في ولاية تطاوين الجميلة وهي تعود لعائلة أصيلة تحمل لقب "العكروت".
لعلّ هذا "الفضل" هو أجمل ما في الحكاية كلّها، أن تنتمي لبلاد تفخر فيها بعراقة أشجار زيتونها. شجرة الزّيتون تلك التي لا تُسقط أوراقها ولا تسمح للخريف أن يفضح حزنها...على ما شهدت في هذه الرّبوع من "أحزان"، بُتِرتْ فيها "آذان البشر" واحتفظت " الحيطان" بآذانها.

-----------------------------------------------------
ملاحظة مهمّة: لقب "العكروت" لقب لعائلات تونسيّة عريقة ويحمله مواطنون فضلاء محترمون لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون في متن هذا المقال أو في تأويله أو في نيّة كاتبه الانتقاص منهم أو المسّ بكرامتهم أو التقليل من احترامهم، بأي طريقة أو قراءة كانت، فالموضوع المُتناوَل بالتّحليل يتعلّق بالمثل الشّعبي لا باللّقب العائليّ.

فيصل حمدي
أكتوبر 2025

التعليقات والردود

1
فوزي
2025-10-23
مقال ممتاز
سي فيصل، كتبتَ مقالا يتميز بعمق
أهنئك عليه

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال