هناك خلط لدى البعض بين المعرفة والفكر، وهو خلط يترك المجال لأهل المعرفة أي أهل الاختصاص، للاستئثار بالتعامل مع الواقع ومواضيعه فيما لا يمكنهم البتّ فيه ولا إدراكه، وهي مساحة الفكر.
أنا حينما أتحدث في أيّ موضوع، إنما أتحدث من زاوية كونه مسألة فكرية، لا باعتباره مجال تخصّص يتطلب معرفة.
التخصص يتعلّق بالمستوى المعرفي، أي حينما يتمّ التسليم بوجود المسألة ابتداءً وتأطيراتها، ثم يُنظر في التفصيل، بينما هناك تناول آخر، وهو التعامل مع الموضوع في مستوى وجوده أصلًا، أي مدى صوابيّته قبل النظر في التفاصيل، وهو ما أفعله.
ولذلك، فكلّ موضوع فيه تناول معرفي وتناول فكري.
خطر التناول المعرفي أنه يمكن أن يُكرّس الواقع، لأنه لا ينظر في مدى صوابيّة الموجود، ويمرّ مباشرة إلى نقاش التفاصيل، بينما الفكر وحده يمكن أن ينظر في ذلك.
فمثلًا، أصحاب المعارف الإسلامية (العلماء) يتعاملون مع الواقع بتصوّر معرفي من خلال البحث في الأحاديث التي تقول بوجوب طاعة الحاكم أو لا، بينما التناول الفكري يمكن أن يجعل كل تلك المعارف والاستشهادات لا قيمة لها أصلًا، حينما يثبت أن الواقع أساسًا لا تصحّ فيه تلك الاستشهادات.
ثم هناك تفصيل إضافي، وهو أن المعرفة فيها أيضًا نوع من التفكير، ويمكن أن يُسمّى تجاوزًا فكرًا، لكنه فكر معرفي منضبط بمساحة الحقل المعرفي موضوع بحثه.
لذلك فإنني أستثنيه من مفهوم الفكر الذي أقصده، وهو التعامل مع المعاني المجهولة، لا المعاني معلومة المساحة كما هو الحال في التفكير المعرفي.
------------
حينما نشرت كتابي الربط اللامادي حول خطر اللغة الفرنسية في تونس، ردّ عليّ بعض الذين يخلطون بين المعرفة والفكر، ويقيّمون كل شيء من خلال المعرفة والاختصاص، بقولهم إنني لم أقم ببحوث وإحصائيات حول استعمال اللغة الفرنسية، وإنني لست مختصًا في علوم الاجتماع.
هذا الكلام تصوّر يحصر كلّ شيء في المعرفة والاختصاص، وكان ردّي التالي:
الإحصائيات والبحوث تقوم على فرضيّة صوابيّة فكرة استعمال الفرنسية، أي لغة أجنبية، كلغة متسيّدة في المجال العام، لكن المشكل لديهم يوجد في التناول المعرفي (البحوث والإحصائيات...)، أي في التفاصيل: مدى خطر ذلك الاستعمال.
إلا أنهم يُقرّون بصحّة الفكرة من حيث وجودها.
أي إنّ المعارف تُقرّ بصوابيّة الموجود، وتنظر فقط في صحة التفاصيل.
أي إنّ الزنا مثلا لا يُرفض من حيث وجوده، وإنما يُرفض نظرًا لنتائجه، فإن لم تكن له نتائج سيئة حسب ما يقرّره أصحاب المعارف ومؤشّراتهم، ولا يمثّل خطرًا، وتمّ القبول به من الواقع، فلا بأس — وقِس على ذلك أي موضوع آخر.
بينما أنا أرفض تسيّد اللغة الفرنسية، لا من حيث تفاصيلها، وإنما من حيث وجود الفكرة أصلًا أي فكرة أن تكون لغة اجنبية هي الرئيسية للتدريس وتتسيد المجال العام،
أي إنني أنظر في مدى صوابيّة الوجود، لا في صحة التفاصيل، وقد كتبت سابقًا في الفرق بين الصوابيّة التي تتعلّق بالإيجاد، والصحّة التي تتعلّق بالتفاصيل الكميّة.
صوابيّة الوجود هذه فكرة، وليست تفاصيل معرفيّة كميّة.
أي إنّ الفكر ينظر في التأطير العام والوجود، لا في التفاصيل،
ولذلك فالفكرة لا تتطلّب أيّ اختصاص.
وقِس على ذلك أيّ موضوع، ففيه تناولان:
التناول الفكري، الذي ينظر في التأطير العام الخارجي من حيث الوجود وصوابيّة الفكرة،
ثم التناول التفصيلي، الذي يلزمه المختصّ في مساحة معرفيّة.
الفرق بين الفكر والمعرفة والفكر المعرفي
2025-10-09
1246 قراءة
فوزي مسعود
التعليقات والردود
1
مقال ممتاز
نعم هناك فرق كبير بين المعرفة والفكر