القوة المادية من دون مشروع فكري / عقدي تجعل الدولة مايشبه شركة كبرى لإدارة الموارد البشرية
وهذا ينطبق على بلدان الخليج مثلا التي لا تمثل أكثر من رصيد مادي تتصرف فيه الدول المؤثرة وتتقاتل على حيازته
وهو ينطبق كذلك على دول غنية أخرى لاتحمل مشروعا عقديا مثل اليابان وكوريا الجنوبية، فهي رغم غناها المادي فإنها مجرد توابع لأمريكا ويكاد ينعدم تأثيرها الدولي
بينما وجود المشروع العقدي الذي ينتج رسالة سياسية تتبناها تلك الدولة وتروج لها خارجيا، يجعلها تتحول لقطب ولمحور يؤثر في الغير حتى وإن كانت قوتها المادية ضئيلة
هذا انطبق على كوريا الشمالية وعلى إيران وعلى كوبا
وانطبق على الاتحاد السوفياتي وعلى الصين
وانطبق على الدول ذات المشاريع القومية مثل مصر عبد الناصر وليبيا القذافي وعراق صدام وسوريا حافظ الاسد
فهذه دول أصبحت في فترات ما أقطابا تنتج تأثيرات فكرية بطرق ما وتؤثر خارج حدودها
وهو ما لا نلاحظه لدى الدول العربية الأخرى التي لا تحمل أي مشروع سياسي أصيل، وإنما هي مكتفية بمسار سياسي محلي يدور عموما في حسن إدارة واقع التبعية لإحدى الدول الغربية القدوة
أنا أذكر هذا الكلام من دون أن أتوقف عند التقييمات المعيارية لتلك التجارب لأن ما يعنينا هنا هو وجود الأهمية تبعاً لوجود مشروع عقدي بقطع النظر عن صوابيته وجدواه
ثم إن الدول الغربية تحمل كلها مشاريعا عقدية ضمنية وهي علوية المركزية الغربية، وكل الدول الغربية تعمل على الترويج وإعلاء النموذجية الغربية كلّ بطريقتها
وعلينا أن ندرك أن القوة الناعمة للدول الغربية إنما تكمن في قوة نموذجها العقدي الذي بعض عيناته ما يسمى القيم الكونية وتروج له من خلال شبكات منظمات المجتمع المدني المتنوعة
وعلينا بعد هذا أن ندرك أن الدول الغربية لا تعادي إلا أصحاب المشاريع العقدية بينما لا تتوقف عند الدول ممن لا تملك أي مشروع، سبب ذلك أن صاحب المشروع الفكري سيرفض الإلحاق بدولة أخرى ولن يسلم بالتبعية للغير
لذلك عادى الغرب الإتحاد السوفيتي وكوبا وفنزويلا وإيران وعراق صدام وسوريا حافظ الأسد وليبيا القذافي، ويعادي الآن الصين
بينما لم يعادِ الغربُ دولَ الخليج ولا تونس ولا المغرب ولا الأردن مثلا، لأنها دول تابعة مطمئنة بتبعيتها وتسلم بمسار الإلحاق بالنموذجية الغربية ولا تقول بأي فكرة مغالبة للغرب، وإنما همها تحسين شروط التبعية، لذلك يدور حديث الساسة في تلك البلدان في التفاصيل التقنية مثل الحَوْكمة والديموقراطية والتنظيم السياسي الداخلي مما يسمونه الحريات، ويسلمون بالمقابل بالتأسيسات العقدية الضابطة للواقع ابتداء الذي يدور في مسار الخضوع للنموذجية الغربية ولايراجعونها
لذلك الفعل السياسي الذي لا يتحرك حول مشروع عقدي إنما هو حقيقة مشروع تبعية للنموذجية الغربية، وكل فعل سياسي لا يقول بإعادة النظر في تأسيسات الواقع ودولنا الحديثة فهو مجرد حلقة أخرى من مشاريع التبعية التي تحكمنا منذ عقود
------
فوزي مسعود
#فوزي_مسعود
الدول المؤثرة هي صاحبة المشروع الفكري وليست الأقوى ماديا: الصين، إيران، كوريا، كوبا..
2025-04-10
862 قراءة
فوزي مسعود
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن