تعيش فرنسا على وقع نزاعات لا تنتهي فصولها منذ أشهر إذا لم نقل منذ سنوات، وتحديدا منذ انبثاق نجم ماكرون على الرئاسة خارج الإطار السياسي التقليدي للأحزاب.
والخطأ ليس منه ولا من الأحزاب القائمة ولكن من تهالك النسيج السياسي لعقود والذي لم يتشرب بالكافي من تغيرات الأحوال الاجتماعية ليستجيب للواقع الجديد الذي أصبح يفرض نفسه ديمقراطيا بين كل انتخابات وأخرى. فإصرار ماكرون واليمين المنقسم على نفسه من حوله لحسابات مصلحية ضيقة وضعه في وضْع العربة أمام الحصان لا خلفه كما تقضي طبيعة الأشياء. فلم يتحرك خطوة نحو الحل فجعل يتقلب على هذا الجانب وعلى ذلك دون نتيجة إلا كسب الوقت لإنهاء ولايته الثانية بسلام أو بأقل الخسائر لسمعته كأسوأ رئيس في تاريخ الجمهورية الخامسة.
فبدل أن يقبل باللعبة الديمقراطية التي تبيّنتْ لكل ذي عينين فضلا عن النتائج الأخيرة للتشريعية التي حلّ ما قبلها ليعود إلى المربع الأول من انسداد الأفق. فلسان ميشال بارنيه الوزير الأول المسقوط أخيرا لم يكفّ عن ترديد أنه أمام أزمة خطرة لا سابق لها وأنه على وشك أن يصدّق أنه لثاني يوم من تنصيبه بات أقرب للفشل منه في كل لحظة ولحظة لاحقة.
وخلَفُه الجديد فرنسوا بايرو لم يزد عليه إلا بأدبياته المعروفة بوصفه ما بين الشعب وبين حكامه بحائط زجاج، وتمثيله للصعوبات التي أمامنا بالهملايا إضافة إلى ذلك التزامه بعدم إخفاء شيء ولا إهمال شيء ولا ترك شيء جانبا! فماذا بقي له كسياسي ليكافح خصومه ومنافسيه والمتزايدين عليه؟ فهل قول الحق وغمس القلم في كل دواة هو المرتجى من كل حاكم لمرضاة الجميع؟ لا بل أخْذ الحق من الظالم للمظلوم والنّصَفة للمعتدى عليه من المعتدين وإقامة العدل على الجميع. وليس أمامه كما قال غير مجتمع فاقد للصلة بينه وبين محكوميه، وليس غير تطبيق الإرادة التي عبّر عنها في انتخاباته الأخيرة، وهي الإذعان لواقع الأمر وتقليد السلطة لمن يتولاها ديمقراطيا لا مكارونيا كما يشاء سيده في الإيليزي. لأن التجربة السابقة إذا تكررت زادت الطين بلة.وزادت الغضب الشعبي، لأن الديمقراطية المعطّلة إذا عوّضت بالتوافُقْراطية المصطنعة بين الإيليزي وماتنيون لم تثمر إلا توقع الانقلاب عليهما دستوريا أو نابليونيا. وفرنسا متعودة على الاثنين. ولم تعد ديمقراطيتها التي أكلت عليها الأحزاب وشربت مثالا يحتذى خارج المسدّس الأم والمستعمرات القديمة فيما وراء البحار المستقلة والتي في التبعية الفرنكوفونية.
ولأول مرة تجد بعض الدول عِبْرتها فيما يحدث بفرنسا لأنها استطاعت في حد ذاتها بالتجربة والخبرة تغيير أمرها بما هو أحسن وأقوم سبيلا. فلم تعد كغيرها من الشعوب شعوبَ المحاكاة والتقليد الأعمى للديمقراطية الأوروبية وهذا بعض التخلص من مخلفات الاستعمار والتمسك بمقومات الاستقلال والذاتية الوطنية.
لقد تنازل بايرو في الرئاسية السابقة للانضمام كرئيس "الحركة الديمقراطية" (حزبه MoDem) لماكرون والآن كأن ماكرون أراد أن يردّ جميله. وأنا أعتقد أنه لو كان لا يعلم كيف سيكون عند حسن ظن الفرنسيين به الذين يحترمون ماضيه ويقدرون شخصيته واستقامته الدينية والجمهورية ومواقفه الصائبة والمعتدلة (أيام وزارته للتربية) من الإسلام والمسلمين في بلاده (هو صاحب المنشور الشهير للسماح بحمل الحجاب في المعاهد والرموز الدينية لا التظاهر بها في المدارس وغيرها من التجمعات) ولعله بهذا الاعتبار سيكون أكبر حليف له في مهامه الدقيقة لمعالجة الأوضاع في الاتجاه السليم الذي حادت عنه الحكومات السابقة هو حزب فرنسا الأبية الذي يقوده جان لوك ميلونشون ويتزعم "الجبهة الشعبية الجديدة" NFP للتقارب الضمني بين خطوط برنامجهم وبرنامجه أو عامة توجهاته المعروفة.
وأي تعطيل له أو تهديد بحجب الثقة منه سوف لا يزيده إلا رصيدا جديدا من الثقة به والشعبية في القاعدة الانتخابية التي أصبح للمسلمين الفرنسيين نصيب كبير فيها بعد تنامي اللاسامية بسبب حرب غزة، ولا تزيده إلا وجاهة لدى الأحزاب أو التجمعات البرلمانية التي وقفت إلى جانبه ودعمته، وستكون حظوظه الرئاسية فيما بعد إذا نجح أقوى وأقوى إزاء خصومه في الرأي والتوجه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني خصوصا لحسن رأيه في حقيقة المسلمين في فرنسا الذين هم في غالبيتهم في نظره يميزون بين الواجب الديني وبين الواجب الجمهوري لأفرادهم وجماعتهم دون خلط ولكن مع احترام الحرية واللائكية في الوقت نفسه.
ولا ننسى أن خصمه في السياسيين هو ساركوزي لخلافه معه في أن المعلم بالمدرسة أفضل في التربية على القيم من رجل الدين!
فهل نكون أمام انتهاء أزمة الإسلام بالديمقراطية الموجهة لحربه وحجبه عن الجماهير المتعطشة لمباديه وقيمه الصحيحة؟ بعد أن أفرغت الفلسفات البراغماتية وأشباهها سمومها في العقل الغربي الأوروبي ولم تفرز إلا الجشع والحروب.
عدوى التهارش السياسي في الديموقراطيات المعطلة
2024-12-15
992 قراءة
مقالات رأي
د - المنجي الكعبي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن