ليسمح لنا أبو الريحان باستعارة عنوان كتابه الأشهر «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة» بشيء من التعديل للغرض الذي سوف لا يخفى عليه حاجتنا إليه مع بعض الأقلام التونسية التي تناولته أخيرا بفهم - تعالى فهمه - يتنقّص منه غرورا بموقعها من علمه وبيانه وحيائه ولسانه.
(١)
أولا لماذا ونحن أمام كتاب ضخم عن عالم الهند الأشهر نفتقد كل حديث فيه أو إشارة إلى الأرقام الهندية التي ارتبطت باسمه وباسم الخوارزمي قبله وكلاهما من شرق الإسلام.
هذه الأرقام التي أخذت أشكالا رسومية في كل لغة بحسب عبقرية كل خط فيها، وكلها هندية الأصل والتي اشتهرت في أوروبا بالأرقام العربية منذ ظهرت عندهم بالأندلس في رحلتها من شرق الإسلام إلى غربه. وبقيت باسم الأرقام العربية إلى يوم الناس حتى إذا دخلت فرنسا إلى تونس حافظت على صفتها العربية (الهندية الأصل كما قلنا) إلى جانب رسمها الفرنسي (الأوروبي) للرمزية وموافقتها حروف لغة الاحتلال السائدة.
فلما استقلت تونس واشتدت الدعوة للتعريب بما في ذلك الخروج من ازدواجية الأرقام تنادت الأصوات الفرنكوفونية المعززة بالتأثير الاستعماري المتخلف في تسيير دواليب الإدارة إلى المغالطة للاحتفاظ بالمسمى الفرنسي للأرقام وإسقاط مقابلتها العربية المسماة عند الفرنسيين بالهندية بدعوى التونسة وهي التخلص من كل تبعية سابقة. ففازوا باللفظ والكتابة للأرقام (الفرنسية) على أقل تقدير في مواجهتهم للعروبية والتعريب تحسبا للتيارات الوحدوية بالمشرق.
فلا أدري لماذا أغفل صاحب كتاب البيروني دوره في معركة التعريب التي في جوهرها حروف وأرقام. ما دام نقح كتابه ليضيف إليه الأسف على تحطيم الإرهابيين لصنم باميان، في قصة البيروني التي ذكرها؟ وسنأتي اليها في آخر نقطة من نقط ثلاث توقفنا عندها معه.
(٢)
القول المشهور المنسوب للبيروني: لأهجى بالعربية أحب إليّ من أن أمدح بالفارسية صيغته الواردة لفظا في الكتاب نقلا من المصدر : «الهجو بالعربية أحبّ إليّ من المدح بالفارسية.»
والفرق بين التركيبين أوضح من أن نتوهم فيه سوء تقدير صاحبه للغات حتى نتجنّد للدفاع عنها، بتعلة تجاوزه الحدود في تفضيل لغة على لغة.
فمن حق المتكلم أن يقدّم على لهجته الدارجة أو لغته الأم لغةَ دينه ونبيّها صلوات الله عليه وسلم. ويقرّر بصورة من الصور حلاوتها القرآنية في سمعه على سبيل المفاضلة لا تقديم لغة على لغة في المطلق وهو الأعرف بأنها كلها لغات بشرية إلا التي ميّزها الله بإعجازه تبقى الأفضل.
لا أن نقول لأن العربية في عصره تقدّمت على غيرها بمصطلحات الحضارة أربعة قرون قبله منذ ظهور الإسلام، فنكون وإياه كحامل التمر إلى هجر.
وعيوب اللغة العربية التي عددها البيروني عرضا ليست عيوبا في اللغة في ذاتها بل في الكتابة عند الكاتبين والنساخ، والتي لا تخلو منها لغة كالعربية تتميز بالإيجاز والاختصار، فتكون أصعب على بعض القراء غير المتمكنين دون بعض. والأخطاء في كل اللغات ولا يعالجها إلا التصحيح عن طريق المعارضة والمقابلة، وهو أمر في كل اللغات، قالها هو نفسه بوضوح فلا تخصيص لقوله بلغة دون لغة.
ويكاد يصدق القول بأن العربية لا تقرأ قبل أن تفهم، إذ التهجّي الصحيح لا يمنح القارئ ميزة لفهمها دون تعليم سابق وحصول ملكة كافية بالتلقين أو بالاصطناع.
وشكواه مقصورة في الواقع على نقل النساخ لأسماء الأدوية في اليونانية وفي علم الممالك والمسالك دون إعجام وحركات. وليس في المطلق كما أدرجت في سياقه هذه المعايب للعربية، حتى تَقوّلنا عليه أنه لا يرى هذه العيوب مبررات للانصراف إلى الفارسية، لمجرد قوله «إلا أننا لا نثق بها ولا نأمن التغاير في في نُسخها». ولذلك أوصى بالمقابلة بين المخطوطات المختلفة للتصحيح.
أما مفاضلته بين اللغتين العربية والفارسية في قوله: «فأنا في كل واحدة دخيل ولها متكلف والهجو بالعربية أحبّ إلي من المدح بالفارسية وسيعرف مصداق قولي من تأمّل كتاب علم قد نقل إلى إلى الفارسية، قد ذهب رونقه وكسف باله وأسودّ وجهه وزال الانتفاع به إذ لا تصلح هذه اللغة إلا للأخبار الكسروية والأسمار الليلية.»
هذا القول الذي تَلفّظه الباروني في كتابه بهذه الصيغة نقله بعضهم معدلا والله أعلم إن كان في نسخة وجده بصيغة المتكلم عن نفسه (لأهجى بالعربية أحبّ إلي من أن أمدح بالفارسية). والأمر مختلف كما لا يخفى. وما أظنه يخفى إلا على من يقرر أمرا مثيرا للتنابز بين اللغات، وليس القصد برجل عالم مثله متعدد اللغات والثقافات الإثارة وإنما هو موجه لبيان حظ اللغات من كل فن من الفنون أو اختصاص من الاختصاصات في حدود تطورها، فهو يريد مطلق الهجو والمدح على سبيل التمثيل لأن أحدهما محبوب والآخر مذموم، بدليل ما نسبه للفارسية من تفرد بأشياء تصلح بها بمقابل العربية التي بما هي لغة الكتاب المقدس والحضارة الإسلامية أحقّ بأن يُعتنى بها وتفضّل على غيرها من اللغات التى أصبحت مقتصرة على ميادين أو فنون كما تقتصر اللغات الأم على ما هو أساطير وقصص شعبية من الفولكلور وما في معناه. ولذلك جاءت كلمته لتمييز اللغة الفارسية بما هو أخص بها كلغة دارجة.
فالقصد هو الرفع من شأن لغة لا الاستهانة بأحداهما دون الأخرى.
فكيف اتهامه بالقصد من الحطّ بمكانة اللغة الفارسية؟ وهو يعلم أنها لغة في عصره وقبل عصره استوعبت نقل أمهات الكتب العربية إليها دون إخلال أو قصور ، كما أحبّ أن يؤاخذه بذلك الأستاذ الشابي في كتابه (الذي تناولناه بالنقد في مقال سابق) بل ويتهمه بذلك حتى اعتبره تجاوز الحد في حق اللغة الفارسية إن كان يقصد أكثر من عدم التكافؤ بينها وبين العربية، وهو صحيح يسوِّغه له، أما أن ينكر أن الفارسية تصلح لشيء لا ما دونه، فهذا رد قوله عليه باعتباره العارف بالفارسية المتخصص في آدابها شعرا ونثرا.
بل ويسفّهه أيضا في قوله إن النقل من العربية إلى الفارسية أي الترجمة يفقد الأصل رونقه ويذهب بنافعه.. والحال أن هذا وارد في كل لغة من ترجمة إلى أخرى كما قال بذلك الجاحظ قديما.
(٣)
صنم الباميان
بعد وصف قصة بهذا الاسم للبيروني وما كتب حولها من أشعار ونسج من خيال، وهما صنمان لرجل وامرأة من حجارة في جبل الباميان يقول الشابي: «وللأسف أن الإرهابيين قد حطموا هذين الصنمين باعتبارهما رمزا للكفر.
إنك تقول للأسف.. حتى الرسول صلى الله عليه وسلم حطم أصنام الكعبة للكفر ! فماذا تقول؟وتنسى تشهيرا منهم بما تفعله أمريكا والغرب ضد حركة المقاومة الإسلامية طالبان التي كانت تقاوم باسم الجهاد الغزو الأمريكي بعد السوفياتي لبلادهم طيلة عقود من السنين.
ويظهر أنه، أي هذا الأسف مما أضافه لكتابه لأنه يحكي في الأول أنه كتبه في سنة ١٩٥٨وتحطيم البرجين في نيويورك متأخر.
(٤)
واجب الحياء في حق العلماء والعموم.
فما هو في صلب المعاجم المتخصصة والقواميس من الإقذاع يبقى على الإحالة إليه دون نقله بالحرف والصورة أفضل لأنه مخجل خارج سياقه أو مقل بحياء صاحبه، لأنه غادر سرّه وخصوصيته، وذكره خارج التدوين التاريخي، وهذا له أصحابه وكتبه فالإشارة إليه كافية.
وما دمت قلت «وحين يثار يطرح ثوب الحياء ويمعن في إقذاع عنيف لا يدعو الوقوف عنده إلا تسجيل لحالة من حالاته النفسية وليس يبدو من قطعته التي تتضمن هذا الإقذاع لشاعر اجتداه الوجهَ الذي من أجله قال ياقوت إنها من أقوم شعره: (...)».
كان يفضل بك ألا تنقلها لنا في كتابك. وهي أبيات سبعة فيها ألفاظ يعفّ اللسان والقلم عن أقل قبح منها. فاستغربنا أن تنقلها لنا وتعلق عليها بقول ياقوت في معجمه «بأنها من أقوم شعره»، فكنت تكتفي بالإحالة على المصدر لما بيناه.
ومع ذلك ياقوت لا يقصد هذه الأبيات بعينها وإنما يقصد ما ذكره من مختارات من شعر الرجل وفي مقدمتها هذه الأبيات السبعة، بدليل أنه ذكر بعدها مقطعات شعرية عديدة.
إذن، فلا يقصد ياقوت أن هذه الأبيات هي من أقوم شعره، على ما فيها من ألفاظ قبيحة وإلا استغربنا ذوقه وتقديره للشعر «الجيد الحسن» كما وصف شعر البيروني عموما في أول كلامه.
فقد أورد ياقوت أشعارا للمترجم كان في أولها تلك الأبيات مع أنه قدّم في أول الترجمة أشعارا له كثيرة رصينة وكأنه أخّر البقية لأهميتها القليلة.
وشكّنا في صحة قول ياقوت في تقديم الأبيات، أي وصفها بالأقوم من شعره، جعلنا نشكك في سلامة النقل من المصدر. فرجعنا إليه وتحققنا من الحقيقة التي بيناها في هذه النقطة، لنقف على سوء البحث العلمي إذا ادّعاه أو تعاطاه من يقلّ تمرّسه به.
تونس في ٤١ من ذي الحجة ه / ٢٢ مايو ٤٢٠٢
البيروني والكلام المرذول أو البيروني على غير ما يفهم ويليق به تحت بعض الأقلام
2024-05-22
1402 قراءة
مقالات فكر
د - المنجي الكعبي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن