بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

آخر سقطات البابا، مباركة شن حرب على سوريا وإيران

2008-04-22 8988 قراءة مختلفات جهان مصطفى – شبكة المحيط
آخر سقطات البابا، مباركة شن حرب على سوريا وإيران
رغم أنها لم تكن المرة الأولى التي يخرج فيها بابا الفاتيكان بينديكت السادس عشر على العالم بتصريحات مثيرة ، إلا أن ‏كلمته التي ألقاها أمام الجميعة العامة للأمم المتحدة في 19 إبريل 2008 كانت الأخطر من نوعها لأنها تحمل بين ثناياها ‏دعوة صريحة للحرب وهى فرصة لن يفوتها بوش والمحافظون الجدد بأي حال من الأحوال لضرب سوريا وإيران.‏

فالبابا أعطى الضوء الأخضر لشن مثل تلك الحرب بتبريره مهاجمة من تطلق عليهم واشنطن مصطلح " الدول المارقة "، ‏وذلك عندما حمل دولا لم يسمها مسئولية انتهاكات حقوق الإنسان ضد شعوبها ، وحذر من أن المجتمع الدولي سيضطر إلى ‏التدخل لحمايتها ، قائلا :" إن من واجب كل دولة أن تحمي شعبها من الانتهاكات الخطيرة والمتكررة لحقوق الإنسان وإذا ‏كانت الدول غير قادرة على توفير مثل تلك الحماية ، فمن واجب المجتمع الدولي أن يتدخل بالوسائل القانونية التي نصت ‏عليها شرعية الأمم المتحدة وبأدوات دولية أخرى".‏

وفي نبرة لاتخلو من تأييد صريح للتدخل العسكري وللحرب الاستباقية ، تابع قائلا :" لا يجوز اعتبار التدخل قهرا غير ‏مبرر أو مساسا بالسيادة ما دام يحترم المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي" .‏

التصريحات السابقة الظاهر منها أنها تستهدف كوريا الشمالية وإيران وسوريا وهى الدول " المارقة" بحسب التسمية ‏الأمريكية ، إلا أنه نظرا لأن بيونج أعلنت تخليها عن برنامجها النووي ، فإن هناك ما يشبه الإجماع بين المراقبين على أنها ‏تستهدف بالأساس سوريا وإيران وهذا لعدة أسباب منها أنها صدرت عن البابا وهو في زيارة للولايات المتحدة كما صدرت ‏بعد لقائه بالرئيس الأمريكي جورج بوش وجاءت أيضا متزامنة مع التقارير المتزايدة حول توجيه ضربة عسكرية لإيران ‏قبل نهاية ولاية بوش بالإضافة للمناورات العسكرية الضخمة التي أجرتها إسرائيل في بداية شهر إبريل وتردد أنها بروفة ‏على ضرب سوريا وحزب الله وإيران.‏

وبجانب ما سبق ، فإن تصريحات البابا حول الحروب الاستباقية أو الوقائية أعادت للأذهان إساءته للإسلام في 2006 ، ‏والتي ارتبطت أيضا بتصريحات بوش حول الحرب الصليبية ووصف الإسلام بالفاشية بالإضافة إلى قيامه بغزو أفغانستان ‏والعراق ، ما يشير إلى أن هناك تحالفا وثيقا بين أطروحات بابا الفاتيكان واليمين المتصهين في الولايات المتحدة وعلى ‏رأسه بوش وتشيني.‏

ففي محاضرة كان قد ألقاها بجامعة ريجنزبورج بألمانيا في 12 سبتمبر 2006 ، شن البابا هجوما على جوهر العقيدة ‏الإسلامية في صورة الجهاد والاستشهاد وادعى أن العنف ونشر الدعوة بحد السيف يكمن في بنية وأسس العقيدة الإسلامي ‏وهو ما يعني ضرورة مواجهة هذا الدين وأصحابه بشكل جذرى ، فطالما أن "العنف والإرهاب" هما جوهر العقيدة فسيظل ‏يفرز إرهاب بشكل دائم حتي وإن تمت مواجهة هذه "العملية الإرهابية" أو تلك هنا أو هناك وبالتالي فهو يضع أمام الشعب ‏المسيحي فى العالم أجمع مبررات شن الحرب ضد العالم العربي والإسلامي ولذا فهم كثيرون تصريحاته الأخيرة على أنها ‏تبرير للحرب القادمة التي سيقودها بوش لتحقيق مشروعه في الشرق الأوسط الذي هو ليس سوى الخطوة الأولي في سبيل ‏تحقيق المشروع الأكبر " مشروع القرن الأمريكي الجديد" للانفراد بالسيطرة على العالم ، فالسيطرة علي إيران والعرب ‏وخزانات بترولهم ستجعله يتحكم في مصير العالم بعد سيطرته علي مصدر الطاقة الأساسي.‏


تاريخ من الهدايا البابوية لبوش ‏

الحقيقة المفزعة السابقة عبرت عنها بوضوح جريدة "نهضة مصر" في أحد تقاريرها ، قائلة :" قدم البابا لبوش في خطبته ‏المبررات الدينية التي تعطي لخطة الهجوم العسكري على منطقة الشرق الأوسط شرعيتها أمام المسيحيين في جميع أنحاء ‏العالم ، فبالنظر لأن البسطاء من الناس في كل الإديان لايريدون الحرب ، فلابد من تقديم أسباب مقنعة تبرر لهم خوض هذه ‏الحرب القادمة والأسباب غاية في البساطة وقدمها بينديكت في 2006 بقوله إن العقيدة الإسلامية تتضمن في بنيتها دعوة ‏صريحة للقتل والعنف وليس لها منطق عقلي مثل المسيحية فالمسيحيون عرفوا الله بالعقل أما المسلمون فالله عندهم مطلق ‏السمو ليس له علاقة بمقولات المسيحية العقلية، بينما رأى في اليهودية ديانة يقوم منطقها علي العقل أيضاً مثل المسيحية ‏وهكذا حاول البابا بخبث شديد وبشكل غير مباشر أن يقدم للمسيحيين علي مستوي العالم سبباً مقنعاً يبرر لهم الحرب التي ‏يقودها بوش في الشرق الأوسط وهو أول من يدق طبولها كما دقت خطبة البابا أوربان الثاني طبول الحملة الصليبية الأولي ‏عام 1096 ".‏

ولاننسى أيضا في هذا الصدد المساعدة الجليلة التى قدمها بابا الفاتيكان لـ"بوش" في انتخابات الرئاسة 2004 فقد كتب وهو ‏لايزال كردينالا ، حيث لم يكن وقتها قد اعتلى كرسي البابوية ، خطاباً إلى أساقفة الكنائس الأمريكية يقول فيه إن هؤلاء ‏الكاثوليك الذين وافقوا على الإجهاض قد ارتكبوا إثما عظيما ويجب أن يطردوا من الكنيسة كما طالب بوجوب إعطاء أوامر ‏إلى القساوسة الكاثوليك برفض التعامل مع أي سياسي كاثوليكي يدعو في حملته الانتخابية أو يصوت مع الإجهاض أو مع ‏قانون إنهاء الحياة في حالة الموت الإكلينيكي وهي إشارة واضحة إلى المنافس الديمقراطي جون كيرى، وفي الأسابيع ‏الأخيرة للانتخابات الأمريكية تكرر قراءة تلك الرسالة التي كشفت عنها مجلة " لسبرسو" الإيطالية على منابر الكنائس ‏الكاثوليكية التي باتت تدعي ليل نهار أن التصويت مع الديمقراطيين هو خضوع لسيطرة الشيطان وتحالف مع قوى الشر. ‏

وبهذا ارتفع هامش التأييد الكاثوليكي لبوش في انتخابات 2004 بنسبة 6 نقاط مقارنة بانتخابات عام 2000 وارتفعت النسبة ‏التي حصل عليها من 46% عام 2000 إلى 52% عام 2004 وتحولت أصوات ثلاثة ولايات هى أهايو وايوا ونيو ‏مكسيكو لصالح بوش باسم أصوات الإيمان الكاثوليكي وبدون هذا كان يمكن لكيرى أن يحصل على مليون صوت ويصبح ‏رئيس الولايات المتحدة.‏


حرب صليبية جديدة ‏

ويبدو أن ما حدث مؤخرا من إعادة نشر الرسوم المسيئة وعرض فيلم فتنة الهولندي يأتي أيضا منسجما مع مخططات ‏التحالف بين البابا والمحافظين الجديد ، ففي صحيفة "الديلي تليجراف" البريطانية ، كتبت كارين آرمسترونج، مؤلفة كتاب ‏‏"نبذة عن تاريخ الإسلام"، مقالا تقول فيه :" إن ثمة عداء قويا للإسلام في الثقافة المسيحية الغربية ويتعين التخلص منه ، ‏إن هذه العقلية التابعة للقرون الوسطى لا تزال حية ترزق ، معاداة الإسلام لدينا تعود إلى زمن الحروب الصليبية ، ‏تصريحات البابا ستجعل الغرب مصمما على المضي قدما في حرب صليبية جديدة". ‏

واستطردت تقول :" لقد تعددت الأسباب التي دفعت بابا الفاتيكان إلى فتح المعركة بوجه الإسلام، حيث أن المهام التي كانت ‏تنتظره عند توليه كرسي البابوية عام 2005 ، كثيرة وأهمها إنعاش القيم الكنسية في السياسات الرسمية على حساب ‏العلمانية والتعامل مع تبعات حملة الهيمنة الأمريكية وعسكرتها عالميا والمقترنة بتصورات "الصهيونية المسيحية" بجانب ‏كيفية التعامل مع الإسلام وخصوصا بعد انتشاره السريع في أوروبا وأمريكا، حيث يصل عدد المسلمين في أوروبا الغربية ‏وحدها إلى 70 مليون يتوزعون في أكثر الدول الأوروبية أهمية مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا ". ‏

وهناك أيضا دراسة نشرت بمجلة "فورين بوليسي" الدورية العلمية الأمريكية أعدها سكوت أبليبي مدير معهد كروك ‏للدراسات حول السلام العالمي التابع لجامعة نوتردام الأمريكية في عام 2004 أي قبل اعتلاء بينديكت لمنصبه خلفا ليوحنا ‏بولس الثاني، أشارت إلى أنه ينبغي عند اختيار البابا الجديد أن يكون على اطلاع عميق بالإسلام وقادرا على التعامل مع ‏تحدي انتشار الإسلام في الغرب. ‏

وفي السياق ذاته ، نشرت صحيفة "الاندبندنت" البريطانية مقالا جاء فيه أن هناك ديانتين كبيرتين فقط تحاولان تحويل ‏العالم إليهما وهما المسيحية والإسلام ، إلا أن الإسلام فقط هو الذي يملك في هذه المرحلة الطاقة الحيوية لتكريس نفسه لهذه ‏المهمة ، ولذا يرى بابا الفاتيكان أن الديانتين على خلاف تام وهما في صراع قائم وتوصل إلى قناعة مفادها أنه من ‏المستحيل إجراء أي نقاش لاهوتي حقيقي معه ، مشيرة إلى أنه لم يكن راضيا عن دخول البابا السابق يوحنا بولس الثاني في ‏حوار مع الإسلام وهذا ما يفسر إزاحة كبير الأساقفة مايكل فيتزجيرالد من رئاسة مجلس حوار الأديان التابع للفاتيكان ومن ‏ثم تقليص دور المجلس بعد ذلك . ‏
‏ ‏
وأيد تشارلز كروثامر الكاتب في مجلة "التايم" الأمريكية صحة ما سبق ، قائلا:"يعتقد المنظرون الجدد في البيت الأبيض ‏من المحافظين والإنجيليين أن الولايات المتحدة صاحبة رسالة ومكلفة بأدائها، وأنه يشرع للولايات المتحدة استخدام كل ‏الوسائل للوصول إلى غايتها بلا حرمة ولا عذاب ضمير، عقيدة المحافظين الجدد هذه ليست بغريبة أو بعيدة عن عقيدة ‏البابا، بل يرى البابا أن عقيدة المحافظين الجدد في البيت الأبيض ليست إلا صدى لتوجهات وأفكار الكنيسة، ويعتقد أنه ‏ينبغي على الأوروبيين تبني هذا التوجه وإبعاد العلمانيين عن صناعة القرار في السياسة الأوروبية. لقد روي عن قداسة ‏البابا منذ وصول المحافظين الجدد بخلفيتهم الصهيونية المسيحية، أو ما يوصف بالمسيحية التوراتية إلى السلطة في ‏الولايات المتحدة الأمريكية، أنه يرى في ذلك نموذجا صالحا لأوروبا، أي أن تعود الكنيسة إلى صلب توجيه صناعة القرار ‏السياسي ، ومن هنا يمكن أن تسهم إساءته إلى الإسلام والمسلمين من المنطلق الكنسي في الحملة الجارية لترسيخ هيمنة ‏المحافظين الجدد المطلقة على المنطقة العربية الإسلامية".‏

طوق النجاة ‏
‏ ‏
والخلاصة أن مايحدث ضد العرب والمسلمين لاينبع من قرارات عشوائية وإنما هو نتيجة حملة منظمة ومنسقة للسيطرة ‏على مقدراتهم ، ومع ذلك يظل الأمل معقودا على المقاومة الشريفة في العراق وفلسطين ولبنان والصومال لإحباط تلك ‏المخططات ولعل التقرير الذي أصدره البنتاجون بالتزامن مع تصريحات البابا الأخيرة هو الرد المناسب في هذا الصدد.‏

ففى 19 إبريل ، أكد تقرير صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية حول قرار غزو العراق وتداعياته أن الحرب كلفت الولايات ‏المتحدة خسائر باهظة في الأرواح والأموال والسياسات, مشيراً إلى أن مركزها وهيبتها اهتز أمام دول العالم كله ، فضلاً ‏عن انهيار سمعتها الأخلاقية وزعامتها بسبب حربها واحتلالها دولة مسلمة وفضائحها في معاملة المعتقلين.‏

ورصد حجم الخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة منذ الغزو وحتى الخريف الماضي وهي أكثر من 3800 قتيل و28 ألف ‏جريح، إضافة إلى خسائر العراقيين، حيث حصدت الحرب أرواح ما لايقل عن 85 ألف عراقي وبات 15% من الشعب ‏العراقي لاجئين ووصلت التكلفة المالية في يوليو 2007 إلى 450 مليار دولار كلها تمت تغطيتها بالعجز في الموازنة ‏الأمريكية.‏

وخلص التقرير الذي أعده المعهد القومي للدراسات الاستراتيجية التابع للبنتاجون إلى أن السياسة الأمريكية كانت مفلسة ولم ‏تحقق الطموحات التي كانت تسعى إليها .‏

ويمكن القول ، إن بوش وبابا الفاتيكان لم يدركا بعد أن الصمت والخنوع ليس من مفردات القاموس العربي والإسلامي ولذا ‏فإنه لابديل عن الحوار في نهاية المطاف.‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال