بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الإعلان الإسلامي: محدداته وأطره المرجعية

2008-04-21 9207 قراءة مختلفات د - أحمد عيساوي
الإعلان الإسلامي: محدداته وأطره المرجعية
يستند الإعلان الإسلامي إلى أطر مرجعية شرعية، تميزه عن سائر النماذج الإعلانية الأخرى، وذلك لأنه يركز أساسًا على ‏المحددات الشرعية للإعلام الإسلامي، الذي انبثق -بدوره- من صميم الأطر المرجعية المقدسة للدين الإسلامي. ‏

وعليه، فإن الإعلان الإسلامي ينضوي تحت دائرتين شاملتين هما الإعلام الإسلامي أولاً، ثم الأطر المرجعــية الديــنيــة ‏الشرعيــة.. فهو -لا يعدو أن يكون- مجرد مجال حيوي من مجالات الإعلام الإســـلامي، يستـــمد منه أصــوله، ‏ومنطــلقـــاته، ويستــــلهم منه طبيعة ممارساته، وعناصر رسائله، ونمطية أنواعه، وشرعية فنياته، ورموزه، وأهدافه. ‏

وقد تبدى لنا من خلال استقراء النماذج الإعلانية ذات الطابع الإسلامي المبثوثة في بعض الوسائل والقنوات الإعلامية ‏العربية والإسلامية، ضرورة توفر جملة من المبادئ الأساسية في الإعلان كشروط صحة ووجوب لإضفاء طابع الإسلامية ‏عليه. ‏

وهذه المبادئ الشرعية التي اشتركت في تشكيل الصورة الإسلامية للإعلان الإسلامي، هي من معين الكليات الأصولية ‏الكبرى ومن القواعد الفروعية الفقهية الصغرى، تمازجت فيما بينها لتضفي خلفية شرعية -كلية وفروعية- مضمونية ‏وشكلية على عملية الاتصال الإعلاني بكامل أركانها الرئيسة: (مصدر. رسالة. مستقبل. هدف. تأثير. استجابة)، وهي: ‏

‏1- مبدأ تسخير الإعلان لإحقاق الكرامة الإنسانية. ‏

‏2- مبدأ تسخير الإعلان لخدمة الدين. ‏

‏3- مبدأ الدقة العلمية الشرعية. ‏

‏4- مبدأ مشروعية الرسالة الإعلانية. ‏

‏5- مبدأ مشروعية الرموز والفنيات. ‏

‏6- مبدأ مشروعية الأهداف والغايات. ‏

‏7- مبدأ البعد عن الإثارة والتهييج. ‏

‏8- مبدأ مشروعية المعاملات. ‏

وتوفر هذه المبادئ الشرعية الثمانية في الإعلان، يضفي عليه صفة الإسلامية أولاً، ويقيه مماثلة الإعلانات الوثنية العارية ‏من القيم ثانيًا، ويميزه عن مشابهة الإعلانات الجزئية ذات الطبيعة المزجية، التي اختلطت فيها مبادئ الإسلام مع غيرها من ‏العادات والتقاليد المحلية والمستوردة ثالثًا، كما هو حال الإعلانات في الكثير من القنوات والوسائل الإعلامية العربية ‏والإسلامية. ‏

وسنحاول -إن شاء الله- أن نحلل هذه المبادئ، ونبين دورها في إضفاء الإسلامية على الإعلان. ‏

‏(1) مبدأ تسخير الإعلان لإحقاق الكرامة الإنسانية: ‏

خلق الله الإنسان وأنزله على الأرض ليعيش فيها، وسخر له كل ما فيها من موجودات ومخلوقات وفق نظام تسخيري ‏متناسق بينه وبينها. وقد أخبرنا المولى تبارك وتعالى عن تلك الحقيقة التسخيرية، وعن طبيعة الترابط السنني الحتمي بين ‏الإنسان وسائر المسخرات في العديد من المواضع القرآنية، حيث قال سبحانه وتعالى مبينًا حقيقة ذلك التسخير: (وهو الذي ‏سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ‏تشكرون ) (النحل:14). كما عبر عن ذلك التسخير أيضًا في العديد من المواضع القرآنية، لتغدو حقيقة التسخير الإلهي سنة ‏إلهية مودعة في جبلة الأشياء، ومنطق المخلوقات، وطبيعة الموجودات أثناء تفاعلها التسخيري مع الإنسان(1). ‏

فإذا كانت المخلوقات والموجودات مسخرة لخدمة هذا الإنسان، فإنه من المنطقي والطبيعي أن تخضع سائر الإبداعات ‏والمنتجات البشرية لخدمته أيضًا. وما الإعلان الإسلامي إلا مجالاً من مجالات الاتصال لتحقيق وظيفة الاستسخار الإلهي ‏للإنسان في الأرض. ‏

وإذا كان الغذاء والكساء والسياحة مظهرًا من مظاهر التسخير الإلهي المباشر للإنسان، وإذا كانت الشمس والقمر والنجوم ‏والليل والنهار وسائر قوى الطبيعة مسخرات من أجل خدمة الإنسان وتذليل صعوبات الحياة له، فإن الإعلان لا يعدو أن ‏يكون إبداعًا بشريًا ترتسم من خلاله معالم التسخير الإلهي لسائر هذه المسخرات في الحياة، وليضفي على نفسه -شكلاً ‏ومضمونًا- طابع المشروعية بحمله لمسؤولية تذليل مواطن المسخرات للإنسان، على عكس ما يمارسه ويجسده الإعلان ‏الوثني، الذي يتردى فيعكس منطقية المعادلة بين سائر المسخرات والمسخر له. وبذلك المنطق المعوج والمناقض للفطرة ‏السليمة، يصبح الإنسان عنصرًا من عناصر الاستخسار بعد أن كان هو مناط ومآل الاستسخار. ‏

ثم إن سننية التسخير الربانية، التي أودعها الله في صميم حياة الإنسان، تتأسس على مبدأ إلهي عظيم آخر، أودعه الله في ‏سلم ترتيبه لسائر مخلوقاته، التي ينتظمها تسلسل وترتيب إلهي كامن في طبيعة تكوينها من جهة، وفي دورها المنوط بها ‏تسخيرًا أو استسخارًا من جهة أخرى، والذي وفقه تتحدد درجتها ومكانتها وكرامتها، والتي تبوأها الإنسان فاحتل منها ‏الموقع الأول. وقد عبر المولى تبارك وتعالى عن تلك الحقيقة التكريمية في الكثير من المواضع القرآنية، حيث قال: (ولقد ‏كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ً) (الإسراء:70). ‏

وانطلاقًا من تكريم المولى تبارك وتعالى للإنسان، ووضعه فوق سائر الموجودات والمخلوقات، فإن الوكالة الإعلانية ‏الإسلامية مدعوة أثناء إنجازها وتصميمها للإعلان الإسلامي أن تجسد فيه -بدقة ووضوح- سنتي التسخير والتكريم الإلهي ‏للإنسان، وأن تخالف صراحة المنطق الإعلاني الوثني الذي يجعل من الإنسان المكرَّم مجرد موجود من الموجودات أو ‏شيء من الأشياء المادية المسخَّرة. ‏

وإذا التزمت الوكالة الإعلانية الإسلامية أثناء إخراجها لمثل هذه الإعلانات الإسلامية المتميزة، فإنها تكون بتجسيدها لهذا ‏المبدأ قد جعلت من الإعلان مجالاً حقيقيًا وطبيعيًا للتنمية المادية والروحية للإنسان وللإنسانية، على العكس من الإعلان ‏الغربي والوثني الذي يسخر الإنسان من أجل الموجودات المادية فقط. ‏

فالإعلان على سلعة من السلع كالعطور أو الصابون مثلاً، نجدها تختلف اختلافًا جذريًا بين الفلسفتين الإعلانيتين الوثنية ‏والإسلامية، حيث تستخدم الفلسفة الإعلانية الوثنية الإنسان -ممثلي الإعلان من النساء والرجال- استخدامًا استسخاريًا، ‏مسقطة من قدره ومكانته، بحيث تجعل من المرأة مجرد سلعة أمام سلع تروج لها من أجل دفع جمهور المستهلكين الحقيقيين ‏والمرتقبين للإقبال عليها واقتنائها فقط. وفي حقيقة ذلك هبوط مخل بقدر ومكانة المرأة من جهة، وحط لكرامتها وآدميتها من ‏جهة أخرى، وتحقير لكرامة الرجال المحيطين بها في عالم الإعلان أيضًا من جهة ثالثة. ‏

وكــــــذلك الأمر في ســــائر الإعــــلانــــات عن السلع أو الخدمات أو التسهيلات أو المنشآت: إهدار لكرامة المرأة، وحط ‏لآدميتها، وامتهان لمكانتها الرفيعة(2). ‏

في الوقت الذي تتوخى فيه الفلسفة الإعلانية الإسلامية -أثناء تصميمها، وإخراجها الإعلاني- إبراز المعالم الكبرى لسنتي ‏التسخير والتكريم الإلهي للرجل والمرأة على حد سواء. ‏

‏(2) مبدأ تسخير الإعلان لخدمة الدين: ‏

يسعى الإعلان الغربي الوثني عبر سائر نشاطاته الإشهارية، المحلية والإقليمية والعالمية، إلى نشر وتعميم وترسيخ القيم ‏المادية المثيرة لعالم الغريزة الحيواني في الإنسان، وتشجيع رغبات الاقتناء المادي، وذلك بإغرائه -الفني- جمهور ‏المستهلكين على الإفراط الاستهلاكي المحموم. وهو بمثل هذه الممارسات يدعوهم إلى الإيمان المطلق بالقيم والمفاهيم ‏المادية، وإنكار القيم الروحية الدينية السامية، جاعلاً من فلسفته الدهرية في الحياة عنوانًا ملازمًا لسائر نشاطاته الإشهارية ‏المادية. حتى عندما يريد أن يدفعهم لقيم العمل والكسب والكدح، فإنه يدفعهم من منطلق مادي كسبي بحت، وذلك عبرتقنيات ‏وفنيات إخراجية تجسد -بوضوح- عالم الغريزة المحموم، وتستبعد عالم الفضيلة والقيم الدينية والأخلاقية العليا. ‏

وفي مقابل هذا التردي المادي في عالم الغريزة والشهوة، الذي يمارسه الإعلان الغربي الوثني بشقيه المسيحي واليهودي ‏صراحة، يسعى الإعلان الإسلامي عبر سائر نشاطاته الإشهارية إلى نشر وتعميم وترسيخ القيم الدينية الإسلامية الروحية ‏الفاضلة. ‏

فهو ينطلق لتجسيد ونشر تلك التعاليم عبر عالم الإعلانات، ليس من منطــلق معارضــة الفــلسفة الإعـــلانية الغربية ‏الوثــنيـة فحسب -وإن كان هذا حتميًا- بل من منطلق نشر تعاليم الإسلام الخالدة التي ناط الله بالمؤمنين تبليغها للناس ‏أجمعين، وحملهم مسؤولية وأمانة تعميمها. وقد صرح المولى تبارك وتعالى بهذه الحقيقة في العديد من المواضع القرآنية، ‏حيث قال: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين ) (فصلت:33). ‏

إن السلع، أوالخدمات، أو التسهيلات، أو المنشآت المعلن عنها، نِعَم من نعم الله وفضائله على الإنسان، هذا الإنسان الذي قد ‏تنتابه حالات من الإغماء الروحي، والانفلات العقدي، والضياع القيمي، والنسيان المرجعي.. فيكون الإعلان -بهذ المبدأ- ‏مظهرًا من مظاهر الإبداع التذكيري والدعوي الدائم لهذه القـيــم الخــــالدات، وطريــقة من طرق استعادة التوازن القيمي ‏بين عالم المادة والروح المضطربة في نفسية الإنسان، وفي سائر عمليات إخراج الإعلان، وممارسة النشاط الإعلاني نفسه. ‏

إن الإعلان الإسلامي الناجح والمؤصل شرعيًا، هو الذي يسعى لنشر تعاليم وثقافة الدين مع السلع أو الخدمات أو غيرها، ‏لأن السلع والخدمات في فلسفة الإسلام وتعاليمه الربانية الصحيحة، مساربٌ تقرب العبد إلى ربه، وتكسبه رضاه والجنة.. ‏وما عالم السلع، والمال، والأعمال، والخدمات، والمنشآت، إلا مجال تختزله حكمة النبي عليه الصلاة والسلام المتمثلة في ‏قوله معرفًا بفلسفة مصارف المال في الإسلام: (ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت ‏فأبقيت )(3). ‏

إن الإسلام لا يمكن أن يخدم اليوم بالدعوة القولية، أو المسجدية، أو الصحفية، أو التربوية، أو التعليمية فقط، في عصر ‏طغت فيه القوى الاستعمارية الصناعية على العالم. بل إن الدعوة في حقيقتها عمل متكامل مرتبط بالعمل المثمر، والإنتاج ‏الصالح، والتنمية الناجحة، والاستثمار الفاعل، والرخاء الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي، والسياسي، والأمني.. ‏والإعلان في حد ذاته، وإن كان إشهـــارًا لسلع أو خدمات أو تسهيلات أو منشآت، هو- في نفس الوقت- إشهار علني لواقع ‏المسلمين الصناعي، والزراعي، والتقني. هو بالتالي إعلان صريح عن طبيعة الدين الإسلامي، وقيمه، وفلسفته، وتعاليمه ‏الفاعلة، وعطائه المتميز. ‏

ويمكن القول: إن الإعلان الإسلامي عن السلعة أو الخدمة، هو إعلان عن فلسفة الإسلام أولاً، وترويج لأمته، وقيمه، ومثله، ‏ومبادئه ثانيًا، قبل أن يكون محاولة للترويج، أو التسويق، أو البيع بهدف جلب الأرباح وزيادتها. ‏

‏(3) مبدأ الدقة العلمية الشرعية: ‏

كثيرًا ما تعرض قنوات ووسائل الإعلام الغربية أو العربية برامج علمية تتناول الجانب الطبي، أو الصحي، أو البيئي، ‏الإيجابي أو السلبي لسلعة من السلع، أو لخدمة من الخدمات، كعرض برنامج علمي عن مضار التدخين المتعددة، ثم يتلو ‏ذلك البرنامج العلمي إعلان مناقض تمامًا لحقيقة تلك المعطيات العلمية المقدمة آنفًا، حيث نراه يزين التدخين، ويحبذه لدى ‏جمهور المشاهدين. بل ويجعله مظهرًا من مظاهر الرجولة، وعلامة من علامات الفتوة والشباب، ومستوى راقيًا من ‏مستويات الكمال والنضج، ودليلاً على سمو مستوى التحضر لدى الفرد المدخن.. فيفجأ مثل هذا الإعلان -الذي لا يراعي ‏الحقائق العلمية- جمهور المشاهدين، ويسبب لهم تناقضات نفسية، وفكرية، وتربوية. ‏

ونظرًا للوضعية السيئة التي آل إليها أمر الإعلان في الغرب، تحركت جمعيات التسويق، وجمعيات حماية المستهلك، ‏وغيرها، لوضع حد لمثل هذه التناقضات، وقدمت شروطًا دقيقة عرضت في البرلمانات والمجالس النيابية، وبعد مناقشاتها ‏أصبحت قوانين صارمة يلتزم بها المنتجون والمعلنون معًا(4). ‏

والملاحظ أنه بعد الانزلاقات الخطيرة التي آل إليها أمر الإعلان في الغرب عامة، وخاصة في الأربعينيات والخمسينيات ‏من القرن العشرين، تحركت المؤسسات الجمعية لوضع حد لكل محاولات العبث والتلاعب الإعلاني بالجمهور، وكان ‏دافعها الرئيس هو ضمان القدر الأكبر من النجاعة والمردودية المادية فقط، وتجنب القدر الأكبر من الخسارة والانهيار ‏المادي البحت. واستطاعت -بعد صراع ثقافي ونقابي مرير مع المنتجين ووكالات الإعلان- أن تسن القوانين الصارمة، ‏التي تنظم شأن الإعلان والمعلنين والمنتجين. ‏

ولئن توصل الغرب لوضع حد لعبث الوكالات الإعلانية والمنتجين مدفوعًا بإلحاح العامل المادي، فإن الأمر يختلف في ‏الإعلان الإسلامي، الذي يجب عليه أن يتأسس على قواعد مرجعية وقيم ثابتة تحميه من التردي العبثي بالقيم والجمهور(5). ‏

ولن يتأتى للإعلان الإسلامي ذلك إلا إذا استند إلى قواعد الإسلام الأصولية في هذا الجانب، لأن مبدأ الدقة العلمية الشرعية ‏يقتضي منه أن يكون محكومًا بأخلاقيات الإسلام، وعلى رأسها التزامه بمبدأ ذكر حقيقة ما يعلن عليه بكل أمانة وصدق. ‏

إن إظهار الحقيقة مبدأ أساس في الإعلان الإسلامي، وهي قبل ذلك مبدأ أساس في الديــن الإســلامي، الذي يقــوم على ‏أصالة ووحدة الحقيقة، المستمدة من وحدانية الحق المطلقة. لذا وجب على الإعلان الإسلامي أن يلتزم بمبدأ ذكر الحقيقة، ‏لأن الإعراض عنها إضرار متعدد الجوانب، فهو يضر بالمنتج أولاً، وبالجمهور المستهلك ثانيًا، وبالإعلان ثالثًا. ‏

وعليه فإن الإعلان الإسلامي مدعو للالتزام ببيان ما يلي: ‏

‏1- خصائص السلعة: نوعها، وحقيقة المواد المصنوعة منها، وأصلها الحقيقي، وموطنها الأصلي. ‏

‏2- سعر السلعة: قيمتها، مناسبتها، شروط الشراء والبيع وظروفه. ‏

‏3- الخدمـــات المصاحبــة للشـــــراء: كالتــوصيل إلى المنــازل مجــانــًا، أو المبادلة، أو الرد، أو الصيانة ما بعد البيع.. ‏وغيرها. ‏

‏4- التوصية بالسلعة بواسطة شخص أو أشخاص معينين: ويجب عدم استعمال هذه التوصيات إلا إذا كانت حقيقية وواقعية ‏في السلع والخدمات والتسهيلات والمنشآت.. ‏

ومبدأ ذكر الحقيقة، يترتب عليه الالتزام بمبدأ الصدق، لأن الصدق مبدأ أساس فيه وفي الدين الإسلامي، وقد فرض المولى ‏تبارك وتعالى على المسلمين أن يلتزموا بخلق الصدق كمبدأ أصيل في جميع أحوالهم وشؤونهم الروحية، والمادية. ‏

وقد ثار جدل كبير بين المعلنين والأخلاقيين في الغرب حول آثار الإعلان الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التربوية، وعن ‏مدى نجاحه في التأثير في جمهور المستهلكين المحتملين، وقدرته في حملهم على الإقبال على السلعة واقتنائها، ومدى ‏ارتباط هذا التأثير الإعلاني في مخيال الجمهور بمدى صدق المعلومات المقدمة في الإعلان أو كذبها. وأسفر ذلك الجدل ‏عن تصورين رئيسين: ‏

أحدهما يرى أن مبدأ الصدق غير مهم في التأثير على جمهور المستهلكين الحقيقيين والمرتقبين، لأن الجمهور يقبل على ‏السلع وغيرها بدوافع كثيرة، وليس الصدق الإعلاني دافعه الرئيس. ‏

فيما ذهب الأخلاقيون والاجتماعيون وقادة الرأي إلى أن الصدق الإعلاني هو العامل الرئيس في التأثير في الجمهور، لأن ‏أساس الاتهامات التي يوجهها الجمهور إلى الإعلانات عادة ما يكون مصدرها اكتشاف حالات من الكذب، والابتعاد عن ‏ذكر الحقيقة، ومجانبة الواقع كما هو، وبالتالي تفتقد الثقة في الإعلانات(6). ‏

ويعتبر الإعلان غير صادق إذا احتوى على معلومات غير حقيقية ولو على سبيل الإخراج الخيالي أو الترفيهي بإحدى ‏الطرق الفنية، وذلك لبعده عن الحقيقة والواقع. كما يعتبر الإعلان غير صادق إذا أوجد شعورًا مضللاً في أذهان المستهلكين ‏المرتقبين، إن بالإيحاء المباشر إليهم أو بالاستنتاج الخاطئ من مقدمــاته، أو من فنياته الخاطئة. وذلك مصداقًا لحديث ‏الرسول صلى الله عليه و سلم السابق الذكر: (من غشنا فليس منا )(7). ‏

ومن هنا يجب على الإعلان الإسلامي أن يلتـــزم بمبدأ الصدق في كل ما يعلنه، وفي كافة تعاملاته الإشهارية داخل ‏المجتمع المسلم وخارجه. ‏

ثم إن مبدأ ذكر الحقيقية كما هي، لا يقتضي الالتزام بمبدأ الصدق المجرد فحسب، بل يقتضي التزام مبدأ الأمانة الشرعية. ‏لأن مبدأ الأمانة الشرعي هو الضمان الأكيد لما تعلن عنه وكالة الإعلان الإسلاميــة، وذلك بتحملها التــام والكــامل ‏للمسؤولية الشرعية لكل ما يحتويه الإعلان، كمرحلة ما بعد البيع، من نقل وإصلاح وصيــانة أو تبديل أو تعديل، إلى غير ‏ذلك من أشكال الضمان. ‏

لأن الملاحظ على جل المعلنين ووكالات الإعلان تقديم العروض المغرية لجمهور المستهلكين، ثم يعلق الجمهور الآمال ‏الكبار على تلك الوعود الجميلة والمطمئنة التي حمتلها إليهم الإعلانات الساحرة، وسرعان ما يكتشفون خيانة المعلنين ‏ووكالات الإعلان لما وعدوا به عندما يتخلون عنهم مباشرة -وبكل لؤم وخسة- بعد إتمام عملية البيع واقتناء السلعة، ‏فيغررون بهم أيما تغرير. ‏

وهذا ما يحرم على وكالة الإعلان الإسلامي ممارسته مطلقًا في كافة نشاطاتها الإشهارية، المحلية داخل نطاق المجتمع ‏المسلم، والإقليمية مع المجتمعات المجاورة الإسلامية وغير الإسلامية، والعالمية. ‏

‏(4) مبدأ مشروعية الرسالة الإعلانية: ‏

يشكل ركن الرسالة الإعلانية في عملية الاتصال الإعلاني كلها عاملاً رئيسًا وفاعلاً، يتوقف عليه -إلى حد كبير- نجاح ‏العملية الإعلانية كلها، أو فشلها كليًا أو جزئيًا. وعليه، فإن صياغة مضمون وشكل الرسالة الإعلانية عامل مهم وحاسم ‏للمنتج المعلن، ولوكالة الإعلان معًا. فعليها يترتب إقبال جمهور المستهلكين أو نفورهم من الإعلان. لذا تحرص الوكالات ‏الإعلانية والمنتجين معًا على إعداد دراسات مستفيضة ودقيقة عن الجمهور الموجه إليه الإعلان، وعن قيمهم، وديانتهم، ‏وثقافتهم، ولغتهم، ومستوياتهم الاجتماعية، والاقتصادية، بغرض إتقان صياغة مضمون الرسالة صياغة جيدة، ضمانًا ‏للفاعلية التأثيرية في جمهور المستهلكين الحقيقيين والمرتقبين. ‏

ولذا يحرص المنتجون ووكالات الإعلان الغربية على صياغة وتوجيه أدق المضامين فاعلية وتأثيرًا في رسائلهم ‏الإعلانية.. ومن أجل إنجاحها، ينطلقون من مبادئ وثقافة الفرد الغربي أولاً، ثم يضعون فيها -في نفس الوقت- مضامين ‏موجهة للفرد المرتقب في العالم، الذي ينوون (تغريبه) بتعميم نموذجهم الثقافي عبر الرسالة الإعلانية. ‏

ولئن كان الإعلان الغربي -كما نراه الآن- الموجه إلى المجتمعات الغربية وغيرها، لا يتورع عن الإشهار لكل أنواع ‏المحرمات من السلع، والخدمات، والتسهيلات، والمنشآت... كإعلاناته عن جميع أنواع الخمور والمسكرات، ولحوم ‏الخنازير، والمعاملات المصرفية الربوية والاحتكارية، والخدمات السياحية والترفيهية العارية عن القيم والمبادئ الأخلاقية، ‏لانطلاقه أساسًا من فلسفة أيديولوجية وثنية قائمة على التحلل في كل شيء، وتأليه الإنسان، وشهوات الإنسان، في مبادئ ‏صاغها منظرو الفكر الليبيرالي الوثني الحر دعت إلى : (دعه يمر، دعه يعمل، دعه يقول، دعه يكتـــب، دعه يسمع، دعه ‏يعلن، دعه يفعل ما يشاء في إطار قانونه الوضعي...)(8). ‏

فإن الإعلان الإسلامي على النقيض منه، يتورع عن ممثالة نفس الممارسات الإعلانية التي يقدمها الإعلان الغربي، وذلك ‏عائد لتأسسه على تعاليم المرجعية الشرعية التي اختزلتها حقائق الدين الإسلامي المطلقة، والتي حوتها أصوله ومصادره ‏الرئيسة من كتاب، وسنة، وإجماع، وقياس، واجتهاد...(9). ‏

إن الإعلان الإسلامي محكوم بضوابط الدين، وممنهـــج وفـــق محدداته الشرعية، التي تضبط مساره الكــلي الأصــولي، ‏والتي تكــيــف وتحــرك تفــاعلاتـــه ومكونـــاتـــه ونشـــاطه الجزئـــي الفــروعي، لا يتعــداها ولا يتخطاها مطلقًا. ‏

وتأسيسًا على هذه القواعد الأصولية والفروعية معًا، فإن الإعلان الإسلامي لا يمكنه أن يحمل رسائل مناقضة لكليات الدين ‏وفروعياته، مثل: ما تنشره الكثير من الصحف، وتبثه الكثير من القنوات السمعية والبصرية في الكثير من البلاد العربية ‏والإسلامية عن العرافات والمنجمات، وقارئي وقارئات الكف والبخت. ‏

هذا مثل عن بعض الخدمات التي يمارسها الإعلان العربي في البلاد العربية والإسلامية.. أما عن السلع مثلاً، فإن الإعلان ‏الإسلامي محكوم خلال نشاطه الإشهاري بألا يعلن عن السلع المحرمة، مهما كان العذر أو الربح العائد، لتشديد المولى ‏تبارك وتعالى على تحليل دائرة الحــــلال في الإســـلام، وتحــــــــريم د ائــرة الحرام أيضًا. يضاف إلى ذلك ما تنتظمه ‏السنة والقواعد الأصولية والفروعية لفهم هذه الأحكام ودرجتها على المكلفين زمانًا ومكانًا. ‏

كما يلتزم الإعلان الإسلامي أيضًا بحكم الشارع في الامتناع التام عن الإعلان لكل أشكال الخدمات المحرمة، كما هو حال ‏الكثير من الصحف، والقنوات السمعية البصرية، التي تعلن عن ألعاب الميسر، واليانصيب، واللهو، والسياحة الخليعة، ‏والحفلات المختلطة بين الجنسين، والسهرات الماجنة، لنهيه سبحانه وتعالى عن ذلك. ‏

وعليه، فإن الرسالة ومكوناتها ومضمونها الإعلاني في الإعلان الإسلامي، محكومة -أساسًا- بتعاليم الدين الإسلامي، سواء ‏من حيث مشروعية السلعة، أو من حيث مشروعية عناصر ومكونات المضمون الفكري للرسالة الإعلانية(10). ‏

‏(5) مبدأ مشروعية الرموز والفنيات: ‏

يحفل الإعلان الغربي بحشد هائل ومتحرك من الكلمات الجذابة الأخاذة. كما يحفل كثيرًا بالزخرفة والبريق، والأضواء، ‏والألوان، والحيل الإخراجية، وتوظيف كل الأشكال الجميلة والمحببة لجمهور المستهلكــين... وذلك بغـــرض خلــب ‏ألبــابهم، وتعريفــهم بالســـلع أو الخدمات أو التسهيلات أو المنشآت التي يعلن عنها، ودفعهم للإقبال على اقتنائها، أوالتعامل ‏معها لتحقيق الربح السريع. ‏

ويعود سبب توفر هذا الحشد الهائل من الرموز، والتزاحم المعقد في الفنيات، لأن الإعلان الغربي ينطلق أساسًا من الفلسفة ‏الإعلامية والإعلانية الغربية، التي تسعى لإرساء أطرها الثقافية الليبيرالية الوثنية. فكل ما هو جميل أو غير جميل، أو ‏مألوف أو غير مألوف، أو مقبول أو مستهجن، يحلو للوكالة الإعلانية توظيفه توظفه دون مراعاة للذوق العام المحلي، الذي ‏فسد بفعل الكثير من التآكل القيمي لملكة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والذوق العالمي الذي اعتراه الكثير من التآكل ‏والإفساد القيمي أيضًا. ‏

والإعلان الإسلامي في جانبه الإخراجي التقني، والهندسي الفني، والمادي المجرد، صنو للإعلان الغربي، ولكنه من حيث ‏الرسائل، والمضامين، والرموز (اللغوية، والثقــافية، والتراثية، والدينيــة، والروحية والاجتماعية، والأخلاقية، ‏والتربوية...) يختلف اختلافًا جذريًا عن الإعلان الغربي. وذلك عائد بالأساس لكونه ينطلق من فلسفة إعلامية وإعلانية ‏إسلامية، لها خصائصها، ومميزاتها، وتصوراتها الشرعية للرمز والصوت، واللون، والحركة، ولطريقة توظيفه، ولغاية ‏ومقصد استعماله. ‏

إن وكالات الإعلان الإسلامي مطالبة -من خلال نشاطاتها الإشهارية المحلية، والإقليمية، والعالمية - باستيفاء كافة التقنيات ‏الإخراجية، واستخدام كافة الطرق الفنية الجميلة والمألوفة، وتوظيف كافة الرموز المتاحة فنيًا، بعد إضفاء الوجهة الشرعية ‏على مكوناتها الفنية والرمزية، لدعوة الجمهور بعقلانية وموضوعية للتفاعل معها، وإيجاد التأثير الإيجابي في نفسية ‏جمهور المستهلكين، وخلق الاستجابة المناسبة للإقبال على السلعة أو الخدمة. ولكن ليس بالطريقة الغربية الإخراجية ‏المتوحشة، والفنية الصارخة، والتقنية الصاخبة، العارية عن كل القيم والمثل العليا.. ذلك أن المعلن المسلم معني بالدرجة ‏الأولى بإضفاء خاصية المشروعية على الرموز التي يستخدمها، لكونه المسؤول الأول أمام الله تعالى، وأمام تعاليم دينه ‏الإسلامي، وأمام المجتمع الإسلامي خاصة، والأمم المدعوة عامة. ‏

وعلى وكالات الإعلان الإسلامي التأكد من صلاحية الرموز ومدى تلاؤمها مع الشرع الإسلامي، وذلك بالتأصيل الشرعي ‏لها، ولطرقها الإخراجية، وفنياتها الإبداعية. فالكلمات، والألوان، الرسوم، والأصوات، والألحان، والأنغام، والإخراج ‏الفني، وغيرها، يجب أن يكون مقيدًا بضوابط الشارع الحكيم، فلا يجوز مثلاً استخدام الكلمات الخبيثة العارية عن القيم ‏الدينية الفاضلة، لقوله تعالى: (ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي ‏أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون. ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق ‏الأرض ما لها من قرار. .)(إبراهيم:24-26). ‏

وهنا يتجسد بوضوح الامتثال الشرعي في اختيار الكلمات الطاهرة، التي يجب على الإعلان الإسلامي أن يوظفها في ‏مضامينه ورســائله بمقابل سيل الكلمات الخبيثة التي تتدفق بها الإعلانات الوثنية الأخرى. ‏

كما لا يجوز له على سبيل المثال استخدام الحركات الراقصة والمبتذلة التي يقوم بها بعض الفتيان والفتيات، لحرمة المؤدي ‏إلى الحرام، حيث هو حرام مثله، ولإخلال ذلك بمبدأ الكرامة الإنسانية، ومبدأ مشروعية الرموز، والوسيلة، والمقصد(11). ‏

‏(6) مبدأ مشروعية الأهداف والغايات: ‏

يسعى الإعلان الغربي -عبر نشاطاته المختلفة- إلى التأثير في جمهور المستهلكين الحقيقيين والمرتقبين بهدف الإقبال على ‏سلعه، وخدماته، وتسهيلاته، ومنشآته التي يعلن عنها، وذلك باستخداماته لطرق وفنيات شتى، وعلى رأسها طريقة تشخيص ‏وتضخيم عيوب السلع والخدمات الأخرى، وإبراز مزايا ما يعلن عنه من سلع وخدمات، مستعينًا بحيلٍ إخراجية سمعية ‏وبصرية، تخلق بطرق الاستنتاج الضمني لدى جمهور المستهلكين حالة من الخداع والإيهام وحسن الظن بمزايا ما يعلن ‏عنه من سلع وخدمات، وإبراز عيوب ما تعلن عنه إعلانات الوكالات الأخرى. ‏

ويعد هذ الأسلوب الإعلاني أحد طرق الإعلان الغربي والعربي الحالي محليًا وعالميًا، وهو -في شكله ومضمونه- يتنافى ‏مع فلسفة ومبادئ الإعلان الإسلامي، الذي يجب عليه أن يتوجه بالأساس إلى مقاصد شرعية معينة، وأهداف إعلانية ‏ودعوية واضحة، ومؤصلة شرعًا، من حيث المنطلق، والممارسة، والوسيلة، والغاية، لأن الدين الإسلامي يأمر المسلمين ‏أن يتعاملوا ويتفاعلوا وفق مبدأ المقصدية الشرعية المقدس، الذي حددته التعاليم القرآنية في العديد من المواضع، منها قوله ‏تعالى: (واقصد في مشيك )(لقمان:19). ‏

إن من أوكد مبادئ الإعلان الإسلامي، التوجه المقصدي المباشر للتعريف بالسلع، أو الخدمات، التي يعلن عنها، وتزويد ‏الجمهور المســلم وغير المســلم بالمعــلومات الإيجابية والحقيــقية فقــط، وليــس من مقاصده الرئيسة أن يثير لدى الجمهور ‏بعض الشكوك والظنون حول مضامين الإعلانات الأخرى، مما يدفعهم إلى سوء الظن بها، وبالتالي التراجع عن الإقبال ‏عليها واقتنائها إلا في حدود متطلبات النهي عن المنكر. ‏

إن الإعلان الإسلامي في حقيقته المبدئية -وهكذا يجب أن يكون- توضيح وإشهار وإيضاح، لا تشويه وظن وقدح في ‏إعلانات الآخرين. ونجاحه لدى الجمهور المسلم وغير المسلم يكون بمدى صلاحية وفائدة وجودة ما يعلن عنه من سلع، ‏وخدمات، وتسهيلات، ومنشآت، وليس بمقدار تضخيم حجم العيوب للإعلانات الأخرى. وكذلك ليس بنوعية القذف الذي ‏يكيله لوكالات الإعلان الأخرى. ‏

إن الســلع والخــدمات والتسهيـــلات والمنشـــآت الجيــدة، لا ينقص من قدرها ومكانتها سيل التشويهات التي تكيلها لها ‏الإعلانات التي تعلن عن المنتوجات ناقصة الجودة. بل ربما تتأثر بعض الشيء في بداية توجــه سيــل الحمــلات العدائية ‏التشويــهية ضــدها، ولكنها سرعـــان ما تسترجع مكانتها، وتقف قوية في مواجهة الإعلانات المضادة، وكثيرًا ما يتجه ‏الجمهور إليها بفعل الدعايات الإعلانية التشويهية المضادة لها. ‏

إن الإعلان الإسلامي الذي ينطلق من فلسفة إعلانية إسلامية شرعية أصيلة، غير معني بتاتًا بتشويه صورة ومضامين ‏ورسائل ومقاصد الإعلانات الأخرى في مخيال الجمهور المستهلك -مهما كانت الدوافع، والمنطلقات، والغايات- اللهم إلا أن ‏تكون من المحرمات، أو المحظورات، أو المنهيات، أو المكروهات كراهة تحريم من المنهي عنها شرعًا، والتي تسعى ‏الإعلانات الأخرى لتزيينها وترويجها وتحبيبها للفرد المسلم، ودفعه للإقبال عليها بهدف إفساده وإفساد المجتمع، وتقويض ‏قيم الأمة الإسلامية الحضارية الأصيلة، وهنا يتصدى لها الإعلان الإسلامي التحذيري، والتنبيهي، والتوجيهي، ويفضح ‏حقيقتها، ويظهر عيوبها، ومضارها. ‏

إن الإعلان الإسلامي في ظل الفلسفة الإعلانية الإسلامية، مطالب بتعليم ونصح ودعوة الناس جميعًا أثناء قيامه بنشاطه ‏الإعلاني مع السلع والخدمات.. كما هو مطالب بزرع الأفكار، والقيم النبيلة، والمبادئ الإسلامية الفاضلة، وغرس الصور ‏الجميلة عن تعاليم الدين الإسلامي السمحة. ‏

وهو مطالب أيضًا بالتأثير الإيجابي في جمهور المستهلكين، المسلمين وغير المسلمين، بغية جلبهم للإقبال على ما يعلن ‏عنه، ولفت انتباههم إليه -بالطرق المشروعة- لجودته العالية في المنتج، وأصالته الراقية في الشكل والمضمون. وبهذا يكون ‏قد حقق مبدأ المقصدية الشرعية، عاملاً بقوله تعالى: (واقصد في مشيك )(لقمان:19). لأن المشي هنا لفظ من ألفاظ العموم، ‏ولا يعني به السير المقصدي على القدمين فحسب، بل هو مشي مقصدي هدفي في عالم السياسة، ومشي مقصدي هدفي في ‏رحاب المجتمع، ومشي مقصدي هدفي في آفاق الاقتصاد، ومشي مقصدي هدفي في مجال القانون، ومشي مقصدي هدفي ‏في ميادين الأخلاق، ومشي مقصدي هدفي منهجي، ومشي مقصدي هدفي في مجالات علوم الإعلام والإعلان. ‏

ولا تلزمه الفلسفة الإعلانية الإسلامية الاشتغال بعيوب الإعلانات الأخرى اللهم إلا ما كان منها متوجهًا لإفساد الفرد ‏والمجتمعات الإسلامية. ‏

وبمبدإ الهدفية والمقصدية المشروعة للإعلان الإسلامي، يكون الإعلان قد استرشد غاية ومقصدًا، بعد أن استرشد منطلقًا، ‏ومضمونًا، ورسالة، ورموزًا. وبه تكتمل عملية التقعيد التنظيري الشامل والعام لعملية الاتصال الإعلاني: [مشروعية ‏الرسالة. مشروعية الرموز. مشروعية المقصد]. ‏

‏(7) مبدأ الفطرية والبعد عن الإثارة: ‏

يسعى الإعلان الغربي خلال ممارساته لنشاطاته الإعلانية عن السلع والخدمات والتسهيلات والمنشآت، إلى إحداث موثرات ‏فاعلة في دماغ الإنسان ومراكز اتخاذ القرار لديه (عقله، عاطفته، شهواته)، بدرجات متفاوتة الاستجابة والتأثير بين فرد ‏وآخر ومجتمع وآخر، تبعًا لنوعية شخصية ذلك المستهلك، وطبيعة تكوينه التربوي، ومستواه الثقافي، وحقيقة إيمانه وتدينه، ‏ومدى تمسكه بمبادئه، ودرجة انصهاره القيمي والأخلاقي.. فتؤثر بتقنياتها الهندسية، وفنياتها الإخراجية على الفرد ‏والمجتمع -على تباين بين مستويات التأثير- فتحدث في جمهور المستهلكين الاستجابة المطلوبة -التي يرضى عنها المنتج ‏والمعلن معًا- فيقبل مباشرة على اقتناء ما تعلن عنه. ‏

وأقصى نجاحاتها الإعلانية الدعائية هو أن يصل الإنسان -في ظل تأثيراتها الفنية والإخراجية الساحرة- إلى درجة ‏الاستسلام العقلي، والاسترخاء الفكري، ويصبح دماغه معطلاً عن ممارسة عملية التفكير، ويغدو مستعدًا لقبول إيحاءات ‏عالم الإعلانات السحري المفروض عليه بواسطة ما تبثه الوسائل الإعلامية المختلفة(12). ‏

ويعمل مصممو ومخرجو الإعلان الغربي -عند إعداد إعلاناتهم- على توظيف أكبر قدر ممكن من الفنيات التهييجية ‏والتقنيات الإثارية التي تسلب عقول الجمهور المستهلك، وتشل مواطن القرار لديه، وتسلمه لشهواته، وعواطفه، وغرائزه، ‏التي يراها محققة في عالم الإعلانات السحري فقط مما يضطره مستسلمًا للإقبال عليه. ‏

ويركز مصممو الإعلان الغربي على غرائز الطمع، والرغبة، والطموح، وحب الاقتناء، وحب الدعة والاسترخاء، والتطلع ‏إلى الراحة والمتعة، وغيرها من الرغبات، التي تحرك بقوة تطلع وطموح الشباب من الجنسين لحياة أفضل، وتدغدغ ‏عواطفهم في العمق، وتثير أحاسيسهم الجنسية بشتى مظاهر الزينة الوقحة من ثياب وعطور ومظاهر ساحرة موجودة في ‏عالم الإعلانات المغري، لغرض زيادة عدد المقبلين من الجمهور المستهلك على السلع والخدمات التي يعلن عنها. ‏

والإعلان الإسلامي الذي يستند إلى مبادئ الإسلام السمحة، التي تعترف صراحة بحقيقة الغريزة الجنسية في الإنسان، وتقر ‏بوضوح بتأثيرات دوافعها المختلفة فيه، وتدرك أهميتها الكبرى، ودورها الرئيس لتحقيق وظيفة الاستخلاف في الأرض، لا ‏تستقذرها(13)، ولكن تنظمها وتضبطها وفق مسارب شرعية تكريمية ترقى بمستوى الإنسان، ويتم له من خلالها تصريفها ‏والتمتع بها. ‏

ومع هذا الاعتراف الصريح بأهمية وتأثير عالم العواطف والغرائز، لكنه محظور عليه مطلقًا بأدلة الشرع أن يوظفه ‏توظيفًا استغلاليًا مثيرًا بغرض التنويع الإخراجي، والإثارة الإعلانية، لجلب الجمهور لاقتناء السلع أو غيرها. ‏

إن الإعلان الإسلامي مأمور بالابتعاد كلية عن كل أشكال الابتذال، والخلاعة، والإثارة، وتهييج الشباب والفتيات من أجل ‏الترويج للأحذية، أو الألبسة، أو العطور، أو الرحلات السياحية الماجنــة.. لذلك فهو يرفــض هذا الابتـــذال المســف بالقيم ‏والمبادئ الدينية الخــالدة لتنــافيها المطلق مع حقائق التنزيل المقدسة، التي كرمت الإنسان وفضلته على سائر المخلوقات، ‏وصانته بستره لعوراته، وفضلته بنعمة الحياة، وكرمته بفضيلة الارتقاء الغريزي عن ما هو عليه في عالم الحيوانات. ‏

إن الإعلان الإسلامي خلال ممارساته الإشهارية، يعمد إلى تجسيد القيم الفاضلة، ويقربها إلى عقول الجمهور، ويرتقي بهم ‏من حالة التردي والمتاجرة بعالم الغريزة والشهوات، لأن عواطف الإنسان ومشاعره وغرائزه في الإسلام ليست مجالاً ‏مفتوحًا للمتاجرة الرخيصة مــن أجل تحقيــق الأرباح. وعلى الرغم من اعتراف الإسلام بعالم الغريزة في الإنسان، إلا أنه ‏لا يعتبرها وحدها المحرك الرئيس في الإنسان العاقل الراشد. ‏

وقد بينت نتائج الدراسات الإعلانية التي قامت بها مراكز البحث والدراسة المتخصصة في تقنيات الإعلان في الغرب، أن ‏عنصر تأجيج الغريزة الجنسية لدى جمهور المستهلكين، عن طريق الاستعراضات العاطفية المغرية التي تقوم بها الفتيات ‏العارضات، والتي تصاحب عرض السلع أوالخدمة، لم تعد مجدية، ولم تعد تشكل الدافع الحقيقي لتأجيج حمية الجمهور ‏للإقبال على السلع والخدمات، وأن عنصر المرأة لم يعد الدافع القوي والحافز الحقيقي لجلب الجمهور نحو السلعة أو ‏الخدمة.. ‏

لقد اكتشف الغرب مؤخرًا أن المرأة والغريزة الجنسية لم تعد تشكل عنصر جذب في نجاح الإعلان والحملة الإعلانية. ولذا ‏فإنهم تخلوا عنها في الكثير من الإعلانات، ولم يصلوا إلى هـــذه الحقيــــقة إلا بعد التجريب الميداني لها في عالم الإعلان. ‏

والإعلان الإسلامي، الذي ينطلق من الفلسفة الإعلامية الإسلامية، التي تنطلق بدورها من مبادئ الإسلام وتعاليمه الفطرية ‏السمحة، لا يقف عائقًا في وجه هذه الغرائز، ولا يعمل على كبتها وقهرها، بل هو معني بتفهمها أولاً، ومعرفة مداخلها ‏الفطرية الطبيعية ثانيًا، ثم الانطلاق إلى إعداد الخطة الإعلانية الشرعية المناسبة للتعامل معها ثالثًا. ‏

إن عالم الغريزة والعواطف في الإنسان، مداخل طبيعية وفطرية للدخول إلى نفسية المواطن، المسلم وغير المسلم، وبوابات ‏دعوية للغوص في أعماقه وفي سائر جوانب حياته وفق الضوابط الشرعية، بدءًا من الحاجة إلى الطعام والكساء والأمن، ‏وانتهاءًا بالغريزة الجنسية، وفطرية التوالد والتناسل، وحب البقاء. ‏

ومع الاعتراف الفطري المبدئي بها، لا يجوز له أن يثيرها، ولا أن يعمد إلى تهييجها السافر بهدف جلب الربح المادي فقط، ‏منطلقًا وممارسة وغاية. ‏

وهنا وجب التمييز بين الدفع الرقيق والمعقول للإعلان الإسلامي، الذي يمارسه برفق -وفق الضوابط الشرعية- للكشف عن ‏العواطف وتفهم حقيقة عالم الغرائز، لإيجاد أيسر السبل لإشباعها على مبدأ: (إن في بضع أحدكم لأجرًا )(14)، وبين ‏التهييج الإثاري الذي يمارسه الإعلان الغربي معها. ‏

وكذلك وجب التمييز بين التعاطي الشرعي والمعقول لعالم العواطف والغرائز على مبدأ: (يا أبت استأجره أن خير من ‏استأجرت القوي الأمين ) (القصص:26)، وبين استغلالها استغلالاً غريزيًا بشعًا على شاكلة ما يمارسه الإعلان الغربي. ‏

ثم إن مبدأ الفطرية السمحة والبعد عن الإثارة والتهييج، يقتضي أيضًا الالتزام بمبدأ البعد عن كل أشكال المبالغة، لأن ‏الإعلان الإسلامي محكوم عليه أثناء ممارساته الإعلانية -للجمهور المسلم ولغيره- بالبعد عن المبالغة والادعاءات الوهمية ‏والصراخات التضخمية، ولو على سبيل الإخراج الفني التقني، حيث إن توظيف الحيل الفنية الإخراجية في الإعلان -وفق ‏هذه الضوابط- تجعل من الأمور التي يعلن عنها سريعة الفاعلية، قوية التأثير، عظيمة النتائج، بعيدة عن كل أشكال ‏المضاعفات والسلبيات، وغير ذلك. ‏

إنه مأمور بتجنب كل أشكال الإثارة، والتهييج، والمبالغة، لما يعلن عنـــه، من أنها ســلع راقية، وسحرية، وفعالة، وذات ‏مــردوديــة خيالية.. وسرعان ما يقبل عليها الجمهور المستهلك، ثم تخيب آماله وتطلعاته فيها(15). ‏

وبالتزامه الفطرية في المنطلق، والبساطة في الطرح، والصدق في العرض، والدقة في الإخراج، والهدوء في الألوان، ‏والاتزان في الأصوات، والمشروعية في الحركات والفنيات والأشكال، ينطلق الإعلان الإسلامي -بإذن الله- لكسب ‏الجمهور المسلم، وغيره، عاملاً بالمبدأ الـقرآني الخالد في عالـــم العقائد، والأفـــــكار، والأشــــــياء: (قل هذه سبيلي أدعوا ‏إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) (يوسف:108). ‏

وبعرضه الهادئ والمتزن، يغدو الإعلان الإسلامي أحد وسائل التبشير الــدعـوي بالديـــن الإســلامي، عــلى الصعيد ‏المحــلي والإقليـــمي والعالمي. ‏

‏(8) مبدأ مشروعية صيغ المعاملات: ‏

يتميز الإعلان الإسلامي -منطلقًا، ووسيلة، وغاية- عن غيره بتثبته من مشـــروعيــة ما سيــقوم بالإعــلان عنه، من سلع أو ‏خــدمات أو تسهيلات أو منشآت، وذلك وفق صيغ الحكم التكليفي الموضوع لعامة المكلفين، وهي كالتالي: ‏

‏1- سلعة حلال + إعلان مشروع + وسيلة مشروعة = إعلان جائز. ‏

‏2- سلعة حـلال + إعــلان مشــروع + وســـيـلة غيـــر مشروعــــة = إعلان غير جائز. ‏

‏3- سـلعة حـــلال + إعـلان غيـــر مشـروع + وسـيـــلة مشـروعــة = إعلان غير جائز. ‏

‏4- سلعة حرام + إعلان مشروع + وسيلة مشروعة = إعلان غير جائز. ‏

‏5- سلعة مـكـروهة تحـريمًا + إعــلان مشــروع + وسيلة مشروعة = إعلان غير جائز. ‏

وهكذا ينطبق الأمر على سائر السلع والمعاملات والخدمات والتسهيلات والمنشآت.. ودون متابعة عملية الجواز والتحريم ‏في نمطها الحسابي المنطقي المقدم آنفًا، الذي يختزل لنا في طياته جملة من الصيغ المحرمة الأخرى، نتبين -بوضوح- أن ‏الإعلان الإسلامي أكثر تحر ودقة للمشروعية في أركانه الكبرى: (المنتج، الإعلان، الوسيلة) من غيره، وأكثر مضمونية ‏لحفظ الحقوق، واحترام الحريات، وتوقير المحرمات والحرمات. وأنه معادلة بأركان رئيسة ثلاثة، إذا اختل منها ركن ‏أصبحت باطلة، وغير جائزة القبول، ولو وقعت بالفعل فهي في دائرة الحرام. ‏

وبهذه المبادئ الأصولية الشرعية، يضمن الإعلان الإسلامي مشروعيته، ويحقق إسلاميته. كما يضمن تميزه عن غيره من ‏الإعلانات البشرية الوضعية (منطلقًا. وسيلة. غاية)، وتضمن الوكالات الإعلانية الإسلامية مشروعيتها، وولاءها لله رب ‏العالمين، ولخدمة دينه، وهدي عباده الضالين.‏

------------
فصل: "الإعلان الإسلامي: محدداته وأطره المرجعية"، من كتاب "الامة" عدد 71، المعنون ب: "الإعــــــلان من منظــور إسلامي"

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال