يقول الكثير إنّهم يحتفلون برأس السنة، ومنهم من يسمّيها سنة ميلادية، وآخرون دون ذلك يتهيبون الدلالة وحمولتها السلبية، فيقولون إنّها سنة إدارية. لكن في كلّ الحالات لا تمرّ هذه المناسبة من دون أن يتنازع الناس حولها، فتراهم يتجادلون في كلّ ما يمسّها، وأخصّ ما يبدؤون ويعيدون فيه هو رأي الإسلام في هذه المناسبة، فتظهر الفتاوى التي تقول إنّها تنطلق من رأي الإسلام، ويجتهد أولئك وينتجون أحكامهم.
ولا تُغني تلك الأحكام، مهما بلغت صرامتها، عن تواصل تلك الاحتفالات واستمرار إقبال الناس عليها. هناك خللٌ ما، إذن، في تعاملنا مع هذه الاحتفالات.
هذه الاحتفالات عمل ثقافي، وإن كان يدور حول فكرة دينية في أصلها، إذ إنّ فعل الاحتفال ليس من الدين المسيحي، ولا ممّا يُتعبّد به.
والفعل الثقافي هو تنزيل فكرة مشتقّة من الخلفية العقدية إلى مستوى التمثّل الواقعي. وهذا يصحّ على احتفالاتنا التي تدور مثلًا حول الأولياء الصالحين؛ فهي فعل ثقافي، وإن كانت في أصلها تدور حول فكرة دينية، هي الوليّ الصالح ومعاني الكرامات والتقوى. لكنّ ذلك الفعل الثقافي، أي «الزردة»، هو تمثّل للمرجعية العقدية وفق فهم الفرد العادي، وقد تشوبه انحرافات نسبةً للعقيدة المرجع. وهذا أحد معاني الثقافة، فهي تنزيل العقيدة المؤطِّرة للواقع إلى مستوى فهم الناس لها في ممارساتهم.
فالثقافة هي العقيدة المسموح بتغييرها، لأنّ الثقافة فعل بشري لا يحمل صرامة مفهومية ولا قدسية حين يُمسّ، ما دامت الأعمال الثقافية أعمالًا بشرية وانعكاسًا لأفهام الناس لمعاني عقيدتهم.
وقد يكون الفعل الثقافي منضبطًا بالعقيدة، فيكون حينها فعلًا ثقافيًا وفعلًا عقديًا في آنٍ واحد، مثل لباس المرأة الإسلامية؛ فهو من زاوية شكله ولونه فعل ثقافي، ومن زاوية مطابقته لشروط اللباس الإسلامي فعل عقدي.
احتفالات الميلاد، إذن، فعل ثقافي متولّد من مجال مفاهيمي يدور حول الخلفية العقدية الغربية. فهي أحد مظاهر تأثير الآخر الثقافي، وبالنهاية الآخر العقدي، علينا.
وهي احتفالات تعبّر عن تأثير المجال المفاهيمي الغربي فينا، وهو مجال مشتقّ من المركزية العقدية الغربية التي من مكوّناتها المسيحية وتمثّلاتها الثقافية لدى الفرد الغربي. وإلّا فإنّ المركزية العقدية الغربية لا تلعب فيها المسيحية إلا أدوارًا بسيطة.
في المقابل، تكمن أهمّ معاني المركزية الغربية في علوّية الرجل الغربي واعتداده بمهمّته ومسؤوليته تجاه باقي العالم، في أدواره الحضارية المزعومة، التي سمحت له بغزو باقي القارات، وتقديم أفكاره كمنظومات قيمية كونية، ورفض أيّ مشاركة له في التأطير الفكري للبشر.
إذن، يجب أن تُفهم هذه الاحتفالات على أنّها مغالبة من طرف المركزية العقدية الغربية في بعدها الثقافي. والتصدّي لها لا يكون إلا من خلال منظومة عقدية وفكرية شاملة تولّد مجالًا مفاهيميًا يؤثّر في الفكر والثقافة.
وهذا لا يكون إلا من خلال مركزية عقدية مُغالِبة، وهي المركزية الإسلامية، وهو ما ليس موجودًا حاليًا. ولن تكون الفتاوى، بطريقتها الحالية، قادرة أبدًا على التصدّي لتلك الاحتفالات.
لأنّ تلك الاحتفالات ليست الخطر في ذاتها، وإنّما معاني الإلحاق التي تحملها هي الخطر. فالاحتفالات مجرّد مظهر من إطار شامل مولّد للفكر والثقافة وأنماط الحياة، ومنها الاحتفالات، وهو ما أسمّيه المجال المفاهيمي.
فهذه احتفالات مُروِّجة لمجال مفاهيمي مُغالِب، وهذا هو الخطر.
إذن، نحن لا نتصدى لاحتفالٍ مجرّد، ولا لدينا مشكل مع أكل المرطّبات، ولا مع فعل ديني مسيحي كما يُصوَّر الأمر. نحن نرفض الاحتفال باعتباره أداة للترويج لمجال مفاهيمي مُغالِب يعمل على تمهيد الطريق للمركزية الغربية.
وعليه، فإنّ التصدّي لهذه الاحتفالات لا يكون بالفتاوى، وإنّما بالعمل على إنشاء مركزية عقدية إسلامية، تتكفّل بتوليد مجال مفاهيمي يُنتج بدوره مناسبات ومعاني الفرح والحزن واللباس، وغيرها من مظاهر الحياة من فنّ وثقافة.
فكرة الفتاوى كأداة للتصدّي للمغالبة الثقافية والفكرية الغربية مقاربة فاسدة منهجيًا؛ لأنّ الفتوى تتعلّق بفعل مؤطَّر، فهي تناول نقطي (*), بينما نحن نتعامل مع ظواهر. ثم إنّها هي ذاتها نتيجة سياق سبقها. كما أنّ الفتاوى أصلًا لم تُجعل لمثل هذه الحالات، لأنّ فكرة الفتوى نشأت على فرضية تناسق المجال المفاهيمي وإسلاميّته، ولم يكن في بال الأوائل أن نتعرّض لحالات مستجدّة كما هو حالنا اليوم، يكون فيها الفعل منتجًا من خلال مجال مفاهيمي مُغالِب، ممّا يجعل فرضيات الفتوى، من حيث تناسق الإطار، غير متوفّرة.
ثمّ منهجيًا، محلّ الفتوى هو التناول التعييني فقط. وحينما تخرج من مجالها، وهو التعيين (الزمان، المكان، الفرد)، تصبح رأيًا كسائر الآراء، لكنّه يتخفّى بظلال النظر الشرعي، الذي يُوظَّف لإضفاء القيمة على رأي بشري.
لذلك علينا أن نستبعد الفتاوى عند دراسة الظواهر والواقع عمومًا، لأنّها تناول غير سليم.
---
(*): يُنظر اللقاء الفكري لي حول محورية الفكرة عوض محورية الواقع، والفعل كمسار زمني عوض الفعل كنقطة
https://youtu.be/aRq-NQ7olag?si=KM9EDkKNPr63hBAy
احتفالات رأس السنة ليست فعلا دينيا مسيحيا كي تكون موضوع فتاوى، وإنما هي نموذج للتبعية للمركزية الغربية
2022-12-31
1793 قراءة
مختلفات
فوزي مسعود
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن