بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

موقع: د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏

عرض جميع مقالات هذا الكاتب

(2) إسلامية المعرفة والخوض فيما لا يفيد

2008-04-07 12291 قراءة مقالات فكر د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏
4
(2) إسلامية المعرفة والخوض فيما لا يفيد
يسعدنا انضمام الدكتور أحمد إبراهيم خضر من مصر لكتاب موقعنا، وقد وافانا بمجموعة من المقالات الفكرية المتميزة ‏التي سوف نعمل على نشرها تباعا بإذن الله، ونحن نرحب بالدكتور أحمد إبراهيم خضر بيننا. ‏
مشرف موقع بوابتي

بعيدا عن هذه الانتقادات اللاذعة التي وجهت إلى مشروع إسلامية المعرفة من حيث أنه مشروع قد جثم على ثقافتنا‎ ‎الإسلامية ، مسيئ أكثر منه محسنا، يتعامل مع قضايا ثانوية هامشية غير مستساغة علميا ومعرفيا،عالية الضجيج مبنية في ‏جذورها على أخيلة متوهمة وادعاءات مزيفة بالإضافة إلى تهافتها اللفظي الذي أصبح سمة للعديد من المشروعات المماثلة.‏

وبعيدا عن أن هذا المشروع يتمحور حول شخصيات محددة، تقوده نخبة تقيم في الولايات المتحدة ، تفرض وصايتها ‏المعرفية والمادية على بعض الجامعات والمراكز الأكاديمية في العالم الإسلامي ، تعمد إلى تجييش العقل المسلم في‏
‏ كهوف معرفية تعزله عن السياقات المعرفية العامة . ‏
وبعيدا عن أن هذا المشروع ينفق أموالا طائلة فيما لا طائل من ورائه، ووصل إلى درجة من التمكن بحيث لا يمكن التحكم ‏فيه أو إيقاف مده ، فضلا عن استئصاله ، كما يتباهى بذلك رواده .‏

وبعيدا عن أن الفكرة الأساس لهذا المشروع تقوم على أن الأمة عرضة لشوائب المعرفة الإلحادية والكهنوتية وإن مهمة ‏مشروع الأسلمة حماية الناس جميعا من الأفكار والمبادئ الزائفة المشؤومة التى تغزو عقولهم , وأنه مالم تتهيأ لكل فرد ‏الحصانة من هذه الأمراض فستكون الأمة كلها هي الضحية . وأنه لا بد من توظيف العلوم ضمن منظومة منهجية ومعرفة ‏دينية غير وضعية. إن هذه الفكرة الأساس – كما يقول منتقدوا المشروع - نظرية عدمية تحيل الموجود إلى شيء آخرمزيف ‏ليس له وجود تحت دعاوى الخوف من التحيز أوالتبعية .‏

وبعيدا عن أن هذا المشروع قد أوقع التباسا بين المفردة الدينية وغير الدينية من خلال ما أسماه بمعركة المصطلحات . ‏واستعان بعدد من البحوث التهجينية ليؤيد أفكاره ، وأنه حشر ابن تيمية حشرا لصالح هذه الأفكار ، وأول العديد من ‏النصوص الدينية لذات الهدف .‏

وبعيدا عن الاتهام للمشروع بأنه لخص المعرفة الغربية في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية وأعطاها لعدد من العلماء ‏الإجتماعيين المسلمين لأسلمتها ، وأن ما خرج به من وراء ذلك ماهو إلإ نظرية هشة تستدعى بذل الجهد العقلى والمالى فى ‏سبيل لا شيئ ، وما فعلوه ليس إلا أنهم صنعوا خليطا من نوعين مختلفين من المعرفة وسكبوا أحدهما على الآخر . فخرجوا ‏بناتج غير مستساغ ، أحد أمثلته الساخرة هو مصطلح الشوراقراطية الذى هو خليط بين الشورى والديموقراطية ودولة ‏اسراطين التي تجمع بين إسرائيل وفلسطين.‏

وبعيدا عن اتهام رواد هذا المشروع من أنهم يعانون من دوران التفكير واستنساخ الآخر عبر مفاهيم مفرغة من مضمونها ، ‏أو مصطلحات هجينة ليس لها مضمون أصلا ، وأنه يحاول ترقيع تخلف المسلمين باستيراد ما هو مشاع أصلا ثم نسبه إلى ‏تراثنا دونما أدنى محاولة للاستفادة من التراكم المعرفي الإنساني. إلى آخر هذه الإنتقادت التى جاءت على لسان وليد أبو ‏الخير في مقالنه عن أسلمة المعرفة أم تغريبها . ‏

وبعيدا عن أن المعضلة الأساس لهذا المشروع التي تكمن في أنه يقف على أرضية أفكار هو نفسه يناهضها ويعمل على ‏هدمها كالحداثة.‏

وبعيدا عن أن العلوم الإجتماعية المعاصرة التى ينكب عليها دعاة إسلامية المعرفة إنما هي مشروع تحريري من أطر ‏التقاليد الدينية وأنها فى نفس الوقت أداة للسيطرة الغربية على العالم .‏

وبعيدا عن أن خطاب هذا المشروع كأداة لنقض التغريب يبقى فى إطار العموم الإختزالى الذى يقتصر على مفاهيم حداثية ‏كبرى ، ويدمج مفاهيما لا علاقة لها بموضوع المعرفة إلا الربط الإنشائى لمبدأ التوحيد والإستخلاف والتوازن بين المادة ‏والروح والتسخير ، وأن كل ذلك لا يشكل سوى هالة رقيقة سرعان ما تزول ويبقى التغريب قائما ولكن عبرما يسمى ‏أدلجة المأثور الدينى . ‏

وبعيدا عن أن هذا المشروع يغلب عليه الهاجس والطابع السياسى ويغفل عن البعد الأخلاقى المميز للتجربة الإسلامية ‏الخلاقة ..إلى آخر ماجاء فى انتقادات حسن أبو هنيه في مقالته عن المعرفة بين الأسلمة وتغريبها.‏
‏ ‏
بعيدا عن كل ذلك فإننا نحاكم المشروع على أرضية شرعية فنقول :‏

أولا: ليست هناك مصلحة تعود على الإسلام والمسلمين من وراء هذا المشروع ، فإذا قيل أن هناك مصلحة ، فإنا نقول : أن ‏هذه المصلحة لا بد أن تكون موافقة لقصد الشارع لأن المصالح إنما اعتبرت مصالح من حيث وضعها الشارع لا من حيث ‏يتوهم مدعوها أنها مصلحة ، فهل يستطيع دعاة المشروع أن يثبتوا لنا أن مشروعهم هذا موافق لقصد الشارع ؟ ‏

ثانيا: من القواعد المقررة عند علماء الشرع أن " كل مسألة لا ينبنى عليها عمل ، فالخوض فيها خوض فيما لا يدل على ‏استحسانه دليل شرعي . والمقصود بالعمل هو عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعا.. وهذا يعنى أنه مالا
‏ ينبنى عليه حكم تكليفي لا يجب الخوض فيه لأنه يشغل المؤمن المكلف عما يعنى من أمر التكليف الذى طوقه الله تعالى به ‏، إلى ما لا يعنى .ولن تترتب عليه فائدة فى الدنيا والآخرة. ففى الآخرة لن يسأل عن إشكالية التحيز ولا عن معركة ‏المصطلحات ولا عن الشوراقراطية ولا عن دولة إسراطين ، ولا عن الثنائية الكبرى ولا عن ثنائية الإنسان- الطبيعة إلى ‏آخر ما يتحدث عنه دعاة المشروع ، إنه سيسأل فقط عما أمر به أو نهى عنه ، وفى الدنيا فإنه لو عمل بكل ما يعتقد أنه ‏إيجابي لهذا المشروع ، فإن هذا لن يزيده فى تدبير رزقه ولن ينقصه. ‏

ثالثا: من الأمور المقررة عند علماء الشرع أيضا أن عامة المشتغلين بالعلوم التى لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم ‏الفتنة والخروج على الصراط المستقيم ويثور بينهم الخلاف والنزاع المؤدى إلى التقاطع والتدابر والتعصب حتى يتفرقوا ‏شيعا ، لأنهم تركوا الإقتصار من العلم على ما يعنى وخرجوا به إلى مالا يعنى ، فيكون ذلك فتنة على العالم والمتعلم . ‏

وحال دعاة المشروع هو خير دليل على صدق هذه القاعدة ، هاهم يتنازعون حول عمن هو صاحب فكرة المشروع ، وأن ‏فلانا سرق الفكرة من فلان ، وأن فلانا لم يميز بين المحاولات الإصلاحية التجديدية والمنهج المعرفى للأسلمة ، وأن فلانا ‏لم يميز بين التأصيل والأسلمة ، وأن فلانا قد استبعد من مؤتمرات الأسلمة لأنه دمج بين ما يسمى بالعرفانية ومحاولات ‏تكييف المعرفة الغربية ، وأن مسارات الأسلمة قد غدت بدونه شعارا بلا منهج وأن المشروع قد شوه وزيف . وننقل هنا هذه‏
‏ العبارات التى تؤكد صدق هذه القاعدة التى أشرنا إليها وتكشف الفتنة التي دخلت على دعاة المشروع أنفسهم : " (.... ‏انتحلت أفكاري بدون إثبات أي حق لي ...‏

‏ ظل بعض العلماء المتطلعين إلى الشهرة يوالون نشر أفكاري تلك بطرق وأساليب غير محكمة ولا مجودة .....إن المسلمين ‏لا بد أن ينتبهوا إلى المنتحلين والمزيفين والمحاكون من الجهلاء .... إنهم يرتكبون جرما وشرا عظيما بنشر القيم الهابطة ‏التى يفرضونها على الغافلين فرضا .... إنهم يسعون إلى كسب الثناء والحمد الذى لا يستحقونه ....إن فلانا يخفى فى نفسه ‏الإستنارة مالله مبديه فى حالات ومواقف كثيرة .....وهكذا إلى آخر ما أشار إليه أبو القاسم الحاج فى مقالته عن الأصول ‏والتمويه فى إسلامية المعرفة.‏

رابعا: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا وهكذا وهكذا " ويقول الشيخ ‏محمد الخضر حسين فى تعليقه على هذا الحديث : أن وصف الرسول صلى الله عليه وسلم العرب بأنها أمة أمية جاء لبيان ‏قلة العارفين منها بالكتابة وذكر هذا الوصف ليكون كالعلة لتعليق حكم الصيام على رؤية الهلال دون الحساب ، ولم يأت به ‏من باب الفخر حتى يفهم منه مدح الأمية والترغيب فى البقاء عليها ، فالقرآن وصفهم بالأميين ونبه أن الرسول صلى الله ‏عليه وسلم بعث فيهم ليخرجهم من طور الأمية ويرتقى بهم إلى صفوف الذين أوتوا العلم والحكمة فقال تعالى : " هو الذى ‏بعث فى الأميين رسولا منهم يتلوعليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) ‏الجمعة/2. هذه الأمة الأمية التى يغلب على أفرادها عدم معرفة الكتابة إلى الآن من أين لها أن تفهم معنى " إشكالية التحيز ‏والجانب التفكيكى فى الإبستومولوجيا المعاصرة والموقف المعادى الذى يدفع إلى العدمية وجدلية الغيب دون لاهوت ‏وجدلية الإنسان دون وجودية عبثية وجدلية الطبيعة دون مادية " إلى آخر ذلك من المصطلحات الغامضة عند دعاة ‏المشروع .! إنها أمة أمية ، وأي حكمة وراء هذه المصطلحات يمكن أن تتعلمها الأمة ؟ وإن ادعوا بأن الحكمة هى ضالة ‏المؤمن فحيث وجدها هو أحق بها ، فعلماء الحديث ذكروا بأن هذا حديث غريب . كما أن الحكمة ليست فى هذه ‏المصطلحات الغامضة التى أشرنا إليها ، فالحكمة فى كتاب الله نوعان : مفردة ومقترنة بالكتاب فالمفردة فسرت بالنبوة ‏والقرآن والعلم والفقه والمقترنة بالكتاب فسرت بالسنة . فأين هذا من التفكيك والجدلية والإبستومولوجيا وغير ذلك . حتى ‏ولو افترض البعض أن الأخذ بها جائز قلنا أنها صعبة المأخذ، وعرة المسلك، بعيدة الملتمس ، لا يليق الخطاب بتعلمها ‏للتعرف على آيات الله ودلائل توحيده. ‏

‏ إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخض فى ذلك ، ولم ينقل عنه ذلك ، ومن لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏دل على عدمه . كما أن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم جميعا لم يخوضوا فى هذه الأشياء التى لا يترتب عليها عمل مع ‏أنهم كانوا أعلم الناس بمعنى العلم المطلوب. ‏

إن المعاني المطلوب علمها لا بد أن تكون سهلة المأخذ ، يسع للأمي تعقلها، ولا بد أن تكون قريبة الفهم والسهولة على ‏العقل بحيث يشترك فيها الناس جميعا سواء من كان منهم ثاقب الفهم أو بليدا ، وهى إن كانت من النوع الذى لا يدركه إلا ‏المثقفون والصفوة لم تكن عامة و لم تكن للأميين . إن التعمق فى البحث فيما لا يشترك فيه الجمهور خروج عن مقتضى ‏الإسلام الذى جاء لأمة أمية ، وإذا جمحت نفوس الناس إلى أن تطلب مالم يطلب منها تقع فى ظلمة لا انفكاك لها . وصحيح ‏أن الله تعالى جعل الناس فى فهم الإسلام على مراتب ، وأن من له زيادة فى فهم الإسلام ليس كمن ليس زيادة ، لكن هذا ‏الأمر هبة من الله ، ولا تخرجهم هذه الزيادة عن حكم الاشتراك مع الناس فى أمر الإٍسلام ، فهذه الزيادة أصلها الأمر ‏المشترك . والمسائل التى تميز الخواص عن العوام لا تخرج عن هذا القانون ، فالجميع جارون على حكم أمر مشترك ‏مفهوم للجمهور على الجملة.‏

الخلاصة : أن كل عمل كان المتبع فيه هو الهوى بإطلاق من غير إلتفات إلى الأمر والنهى أو التخيير هو باطل بإطلاق . ‏فالعمل لا بد من باعث يحمل عليه وداع يدعو إليه ، فإذا لم يكن هذا الباعث والداعي هو تلبية أمر الشارع ، ولم يكن للشارع ‏فيه مدخل فليس الدافع هنا إلا مقتضى الهوى والشهوة، وما كان ذلك فهو باطل بإطلاق ، لأنه خلاف الحق بإطلاق .وفى ‏حديث ابن مسعود رضي الله عنه فى الموطأ " إنك فى زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه ، تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع ‏حروفه ....يبدأون أعمالهم قبل أهوائهم ، وسيأتى على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قرائه تحفظ فيه حروف القرآن وتضيع ‏حدوده .......يبدأون فيه أهواءهم قبل أعمالهم " .‏

التعليقات والردود

4
طالب العلم
2009-03-23
الحق المتبع
شرف كبير لنا ان يكون هذا العالم من كتاب بوابتى
ابو سمية
2008-06-17
الى هشام البحار
مقالات الدكتور أحمد إبراهيم خضر، تعد فعلا متميزة من حيث محتواها ومن حيث توجهها
هشام البحار
2008-06-17
المسموح والمنموع فى العلاقة بين الخطيبن
د\ احمد خضر انى احبك فى الله لا نك نا بغة لا نعلم قدرها فعلا من يقدر كلامك الا من يذوق مراره
د أحمد إبراهيم خضر
2008-04-11
0000-00-00
الأستاذ الفاضل مشرف موفع بوابتى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكركم يا أخى العزيز على ترحيبكم بى ، وإنه لشرف لى وكرم منكم أن تنشروا لى مقالاتى فى موقعكم الموقر . وإن قبلها الله تعالى منى فلكم فيها الأجر والثواب إن شاء الله ، وأسأله تعالى أن تكون فى ميزان أعمالنا وأعمالكم يوم الموقف العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم
د أحمد إبراهيم خضر
10/4/2008

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق