الجيل الذي تربّى في صفوف الحركة الإسلامية في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، هم الآن أصحاب أسر، ولهم أولاد ولهم بنات، والأهم أن بناتهم بلغن منذ فترة سنّ الزواج
العديد من قدماء الحركة الإسلامية أولئك كوّنوا أُسرا نموذجية، فربّوا أبناءهم وبناتهم أحسن تربية، فكان العفاف والانضباط هو المعيار الذي تربّت عليه بناتهم، حيث لبسن الحجاب وهن صغيرات حينما كان الحجاب دليلا على الالتزام، ثم سرن سيرة حسنة، وهو المسار الذي يقود عادة إلى أحسن النتائج الدراسية، فكان منهن الطبيبة والمهندسة وما شابههن
لكن الآن، وبعد أن مرّت السنوات، سرعان ما تدرك أن ابنتك قد حان وقت زواجها، والزواج موضوع لا يمكنك التحكم فيه من خلال طرق التربية، ولا يمكن لابنتك التحكم فيه من خلال سيرتها ولا شهاداتها الرفيعة، لأن الزواج حاليا في واقعنا يخضع، في الرأي السائد، لعوامل عديدة أخرى، يؤثر فيها الواقع وتياراته
---------
ابنتك التي لم تتعود على المواعدة، ستجد نفسها غريبة في مساحة سوق الزواج، حيث تبدأ العلاقات وتُنسج بإتقان أبجديات المواعدة منذ الصغر، وما أكثرها. فهي كمن يدخل منافسة لا يتقن أدواتها، فيبقى على الهامش
وابنتك التي لم تتعود الجلوس في المقاهي، ستجد نفسها في حيرة أمام وضع لم تدركه إلا حديثا، ولا تفهم كيف تتعامل معه. فهي كمن يربّي خرافا وكان يعتقد أنه سيبيعها في سوق الأغنام، فإذا به يكتشف يوم ورود السوق أن عليه عرض خرافه في سوق تُباع فيه الخنازير والمخدرات وسائر العفن، وأنه لا حل لديه غير ذلك للبيع
وابنتك التي لم تتعود اتخاذ جسدها معيارا للتمايز، تجد نفسها تتحرك في مساحة يمثّل فيها التفاخر بالجسد وكفاءاته العامل الأول في التفاضل بين الفتيات، وهي ستجد نفسها في اضطراب كبير، إذ يستحيل عليها الدخول إلى هذه المساحة، فتصاب باكتئاب، أو بما يشبه الاكتئاب، لأنها وُضعت في سباق غير عادل يستحيل عليها المشاركة فيه، بينما ستُعتمد نتائجه في سباق الزواج، أو قل سيعتمده الباحثون عن الزوجة
-----------
النساء هن الطرف الأضعف في مسألة الزواج داخل الصف الإسلامي عموما، حسب ملاحظاتي، على الأقل في تونس
صحيح أن هناك حالات عديدة للزواج كان طرفاها من أبناء الصف الإسلامي، وانتهت إلى نتائج جيدة
بالمقابل، هناك حالات عديدة داخل الصف الإسلامي تخلى فيها الرجل عن المرأة، وأنا هنا أتحدث عن أبناء الصف الإسلامي الحركيين، أي "المناضلين"، وليس عن عامة الناس
هناك من انتظرته "الأخت" وهو في السجن حتى مر بها العمر، ولما خرج تزوج غيرها. وهناك من انتظرت زوجها وهو في السجن، فلما خرج تكاثرت الخصومات بينهما، ثم طلقها وتزوج فتاة صغيرة. وهناك من، منذ البداية، لم يتحكم في سَيَلان لُعابه، وفضّل الزواج بمتبرجة ساحرة القوام، زاعمًا أنه سيقوم "بهدايتها"
بمعنى آخر، الرجال عموما يقولون ما لا يفعلون في مسألة الزواج؛ فهم يروجون لأفضلية المرأة ذات الدين، لكنهم عندما يقررون الزواج سرعان ما يغيرون رأيهم، ويختارون ذات الجسد الفاتن المكشوف، وخفيفة الزاد، ويتركون ذات الدين لوحدها لا بواكي لها
بناتنا الضّحايا: عَفيفاتُ لكنّهن مَهْجورات
2026-07-21
49 قراءة
مختلفات
فوزي مسعود
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال