فوزي مسعود - مقالات فكر ورأي

الفرنك الفرنسي CFA... وماذا عن تونس

2026-07-12 113 قراءة الفرد التابع فوزي مسعود
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الفرنك الفرنسي CFA... وماذا عن تونس
تتحكم فرنسا اقتصاديا وسياسيا في مجموعة من البلدان الإفريقية من خلال عملة الفرنك الإفريقي الفرنسي(CFA)

والملاحظ أن تلك البلدان تُسلّم بذلك الوضع الذي يبدو لنا نحن غريبا، لكن عموم سكان تلك البلدان ونخبها تأقلموا معه، وأوجدوا له تبريرات، وأصبح من الصعب إقناع الأجيال الجديدة هناك، من عامة الناس، بأن حالهم غير سوي. ولذلك يتواصل التحكم الفرنسي في بلدانهم

في تونس تتحكم فرنسا في المجال السياسي والثقافي والتعليمي، وتقرر للتونسيين، منذ عقود، لغتهم الأولى التي تستعمل في الاقتصاد والطب والهندسة، وتحدد لهم أفقهم العقدي الذي تتحرك فيه كل منظومات الدولة وتخدمه
وفي تونس تتحول الجامعات شق الانسانيات، إلى أجهزة لإعادة بث معارف نشأت في سياقات غربية، تتحدث وتروج لقضايا غربية، وفي لحظة تاريخية غير لحظتنا، وتدور في مهام ترويج لمنظومات عقدية غير منظومتنا

ويجتهد المشتغلون بالإنسانيات (اساتذة، طلبة ماجستير ودكتورا...) في الجامعات التونسية في التنقيب عما قاله الغربي، وتتحول مجهوداتهم إلى الإقناع بالتبعية للمغالب الغربي ولنموذجيته وتثبيتها، ثم الغريب أنهم ينالون على ذلك الشهادات الرفيعة ويعتبرونه إنجازا علميا

ومثلما أن الفرد من سكان البلدان الإفريقية الخاضعة للتحكم الفرنسي عن طريق عملة (CFA)، توقفت لديه قدرات إدراك حقيقة واقعه المخزي، ولأمر ما انتهى به الحال إلى التسليم بالموجود وبتأسيساته، فإن في تونس أيضا، ولأمر ما، سلَّم التونسيون بتأسيسات واقعهم، وانعدمت لديهم قدرات إدراك حقيقة مسار الاقتلاع والتحويل القسري الذي تعرضوا له طيلة عقود

كما تعطل الادراك لدى جهاز الجامعات التونسية ان ما يدرسونه مجرد معارف (وليست فكرا) تابعة بالضرورة للأفق العقدي لمنتجها الأول، وأن ادوار تلك الجامعات هي بمثابة محطات تدوير وإقناع بالنموذجية الغربية

ومثلما لا يستوعب أفارقة الفرنك الفرنسي أنهم، عمليا، تبّع لفرنسا، ولعلهم يدركون ذلك، لكنهم يهونون من تلك الحقيقة، بحكم الإخضاع والتوجيه الذهني الذي تعرضوا له طيلة عقود، فإن التونسيين أيضا، بعموم نخبهم وأحزابهم ومنظماتهم، لا يستوعبون أنهم، عمليا، تبّع لفرنسا، ولعلهم يدركون ذلك، لكنهم يهونون منه بحكم أنهم ضحايا منظومات القصف والتحويل الذهني وعمليات الإقناع بكره الذات وجدارة التبعية

لكل هذا، يجب عدم القبول بواقع تونس الحالي من حيث تأسيساته، ولكل هذا يجب عدم التوقف عند الصراعات والتفاصيل العقيمة بين التونسيين، التي يقال إنها نشاط سياسي، والتي تدور في فرضية التسليم بتأسيسات تونس

وإنما يجب إعادة النظر في النموذج الذي يحكم تونس منذ عقود، والذي فُرض علينا من خلال فرنسا، عن طريق منظومة منتسبيها ممن سُموا نخب الاستقلال، ومن تبعهم ممن توارثوا حكمنا

حينما نفعل ذلك سنكون مثل الأفارقة الذين يناضلون من أجل التخلص من سيطرة فرنسا من خلال الفرنك الإفريقي (CFA)، سنكون مثلهم، لأن كِلينا يرفض التسليم بجذور الواقع، ويعمل على إعادة النظر في البدايات

وهذا هو "النظر الجذري" الذي أدعو إليه، وهو المشروع المؤطر فكريا من خلال "منهج النمذجة الفكرية"

التعليقات والردود

0

حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق