فوزي مسعود - مقالات فكر ورأي

هل هذه دولة أم وكالة سَمْسَرة

2026-07-08 147 قراءة الفرد التابع فوزي مسعود
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
هل هذه دولة أم وكالة سَمْسَرة
وزير الشغل التونسي يعلن، في ما معناه، أن آلافا من خريجي الجامعات التونسية تنتظرهم فرص شغل في أوروبا، ويصرّح بذلك بما يشبه الاستبشار والفرح

هذا يعني أن الوزير يقوم عمليا بدور وكالة تشغيل، وتحديدا بدور الوسيط بين الشباب المتخرجين والمشغلين في الخارج، أي إنه يعلن ضمنيا تحوله، أو تحوّل وزارته، إلى وكالة سمسرة

لست متأكدا أن من مهام الدولة لعب أدوار السمسرة، فضلا عن أن يقوم بذلك مسؤول سامٍ، فضلا عن أن يكون وزيرا

إن تحوّل أجهزة الدولة إلى لعب دور السمسرة يحمل دلالات خطيرة، منها:

اولا - تحوّل وظيفة الدولة التونسية وأجهزتها من توظيف الطاقات البشرية ومنظومة التعليم لخدمة تونس، وبالنتيجة خدمة الفرد التونسي، إلى التسليم بتوظيف تلك الطاقات البشرية الرفيعة من الخريجين، ومنظومة التعليم بالنتيجة، لخدمة دول أجنبية، وهذا اعتراف خطير جدا

ثانيا - تعامل الدولة التونسية مع الطاقات البشرية على أنها مشكلة يجب حلها، وعبء يجب تصريفه بأي وسيلة، عوض أن يكون دورها الاستفادة من تلك الطاقات لتنمية البلاد وإيجاد مسارات للاستفادة منها محليًا

ثالثا - التسليم بحقيقة أليمة تتعلق بتونس الحديثة، وهي أن تونس تحولت عمليا إلى ما يشبه المزرعة، التي يقتصر دورها على توفير الخراف الممتازة المعدّة للذبح، والأبقار الحلوب (الكفاءات البشريةالمتميزة).
بعد ذلك يتم اختيار أجود الخراف لتوجيهها إلى محلات الجزارة، واختيار أفضل الأبقار الحلوب لنقلها إلى مزارع شركات الألبان الكبرى

وتمثل المعاهد النموذجية في تونس التي تؤمّن تزويد الجامعات الفرنسية كل سنة بأفضل النوابغ التونسيين، تمثل، أحسن عينة لفكرة "المزرعة النموذجية"، وقد أسست فرنسا مايشبه محطة فرز محلية للتكفل بفرز "الخرفان وأبقار الحليب"، وهي مؤسسة جامعية مريبة توجد ب"المرسى" دورها استقطاب أفضل الأفضل من المعاهد النموذجية التونسية

---------

"فطُوبَى لكم، وأبْشِروا" بتونس الحديثة، تونس المزرعة، تونس وكالة السمسرة

وسنبقى في هذه الأدوار القبيحة والدّنيئة، ما شئنا أن نبقى، ما دمنا لا نراجع النموذج التأسيسي الذي يؤطر تونس الحديثة، والذي صممته فرنسا وفرضته علينا منذ البداية، من خلال منتسبيها ممن سُمّوا نخب الاستقلال، وكلّفتهم برعاية ذلك "النمط" وحمايته، بتوظيف أجهزة الدولة من منظومات التعليم والتثقيف والإعلام، ثم فرض ذلك النمط قسرا من خلال الجهاز القانوني لكي لايراجع

التعليقات والردود

0

حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق