فوزي مسعود - مقالات فكر ورأي

أمّهات لكنهن قُدواتُ سوءٍ

2026-05-30 97 قراءة الفرد التابع فوزي مسعود
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
كنت هذا الصباح بإحدى المساحات الكبرى بالعاصمة، أدفع عربة تحمل مشترياتي من الماء. وصلت إلى نقطة الخلاص، فاقتربت مني امرأة وطلبت مني أن تمرّ للخلاص قبلي، وبرّرت ذلك بقولها إن لها قليلاً من المشتريات، فرددت بأن لي أيضاً سلعة واحدة وهي الماء، فدخلت معي في جدال

ولم أرد أن أواصل اللجاج، فوافقت أن تمر قبلي، لكني في سياق ذلك سألتها: لماذا تفعلين هكذا بابنتك الصغيرة وتعرّينها
فلم ترد بغير ابتسامة المحرج، ولم تعقّب

وكانت معها بنت صغيرة، لعلها في الروضة أو في سنوات الدراسة الأولى، وكانت تلبسها تبّانا قصيرا جدا، رغم أن الأم تلبس "زيّا سابغا وحجابا"، أي إن الفتاة عمليا كانت متعرية، وإن كانت تلبس فوق ذلك ما يشبه الزي المدرسي

------------

منذ سنوات خلت كنت في أحد فروع "بنك الزيتونة" بالعاصمة، ثم دخلت امرأتان، لعلهما في العشرينات والأربعينات من العمر، وتبيّن لاحقا أنهما الأم وابنتها، وكانت الأم متبرجة، لكن ابنتها كانت في مرحلة متقدمة جداً من التهتك، إذ تلبس تبّانا قصيرا بالكاد يستر عورتها، مما يتم ارتداؤه في العلب الليلية أو في أماكن لهو المنحرفين والمنحرفات

انتبه حرفاء البنك ممن كانوا في الصف الآخر، ومنهم من بدا عليه التذمر، ومنهم من اعتبر نفسه غير موجود، أما أنا فقد أحسست بنوع من الإهانة الشخصية، لأن المجال العام مكان مشترك، ولا يحق للغير أن يتصرف في أمر مشترك بما لا أوافق عليه، وأنا لا أوافق على هذا التعري

توجهت مباشرة إلى الفتاة وخاطبتها بما معناه: عليك أن تعرفي أنك تهينين غيرك بهذا اللباس، لأنه لباس غير مقبول في المجال العام، وعليك احترام غيرك

ولم أكد أنهي كلامي حتى انطلقت أمها كالسيل الجارف، بكلام وتهديد ووعيد، وحوّلت المقر البنكي إلى ساحة صياح وفوضى، فتدخل مدير الفرع البنكي وأخذنا ثلاثتنا إلى مكتبه

الذي حصل بعد ذلك أنه لم يكن محايداً، باعتبارنا جميعاً حرفاء لدى البنك، وإنما ساند المرأة وأعطاها الحق واعتذر لها، وتوجه باللوم إليّ، وقال لي بما معناه: ما دخلك أنت في لباس الناس، ثم زاد أن ألبسني تهمة تعطيل العمل بالبنك

-----------

1- لسبب ما يبدو أن الأمهات لهنّ وَلَعٌ بتعرية بناتهن في المجال العام، ولعلّهن يفعلن ذلك بدافع التباهي، فنحن إذن إزاء توظيف البنت لتلبية حاجة نفسية لدى الأم، فالأم هنا غير أمينة على ما هي مسؤولة عنه وهي بعد ذلك قدوة سوء

تفعل ذلك المرأة العادية، وحتى المرأة التي تلبس "الزي المحتشم"، لكنها تبرر إلزام ابنتها باللباس المتهتك بكلام كثير، لكنه كلام لا قيمة له، بما لا يتيح البحث فيه والرد عليه، وإنما خلاصة الحديث هنا أن تلك المرأة إنما تلزم ابنتها بالتعري، بفعل كونها ضحية لمنظومات الاقتلاع والتحويل الذهني نحو أفق النموذجية الغربية الغالبة، التي تؤمنها منظومات التشكيل الذهني من تعليم وتثقيف وإعلام

ويستثنى من ذلك الأمهات العفيفات اللاتي عصمهن الله بالتقوى، وحررهن من الدخول في مسار اعتماد الواقع مسطرة للإرضاء والتباهي

2- المجال العام ساحة مشتركة بين كل مرتاديه، بالتالي لا يصح أن نتصرف في ذلك المجال بما لا يوافق عليه الغير والضابط في الفعل هنا، هو المجال المفاهيمي المتفرع من المركزية العقدية التي تضبط ذلك المجتمع

وتونس يفترض أنها تدور في أفق المركزية العقدية الإسلامية، وبالتالي لا يصح أن يسمح بأن يؤتى أي فعل مما يعارض تقريرات تلك المركزية العقدية

3- اللباس فيه بُعد شخصي، وهو اختيارك وتفضيلاتك (اللون، الشكل...)، لكن تلك التفضيلات تبقى مشروطة بمدى مطابقتها لتقريرات المجال المفاهيمي والمركزية العقدية (*)

أي إنه لا معنى للحديث عن الحرية الشخصية في المجال العام بمعناها السائب

4- كل سلوك في المجال العام هو أداة إقناع وتحويل ذهني بالمفاهيم والتصورات التي أنتجت ذلك السلوك والاختيار، هذا يعني أن اللباس في المجال العام هو أداة نقل للمفاهيم والقناعات، وهو حامِلٌ مهمته التحويل المفاهيمي الخفي، وهذا ما يؤدي إلى خطورة المجال العام ووجوب تحريره من تحكمات البعض من خلال تمرير السماح باللباس المتهتك.

------------

(*) يمكن الاطلاع على المقالات التالية لمزيد من التعمق في هذه الفكرة:

1- المساحة الخاصة والمساحة العامة: اللباس حامل عقدي وليس شأناً خاصاً
https://www.myportail.com/articles-faouzi-messeoud.php?id=10900

2- اللباس المتهتك والتعري: هل هو حرية؟
https://www.myportail.com/articles-faouzi-messeoud.php?id=10827

3- هل اللباس مسألة شخصية لا يصح تناولها بالنقد؟
https://www.myportail.com/articles-faouzi-messeoud.php?id=10702

التعليقات والردود

0

حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق