أعلمتني أستاذة جامعية اختصاص لغة عربية، أن وزارة التعليم العالي نبهتهم أنه انطلاقًا من السنة الجامعية 2027، "اللغة العربية لن تكون من ضمن المواد الرئيسية أو الأفقية، وإنما ستكون من ضمن المواد الاختيارية"
بالمقابل سيتم اعتماد اللغة الفرنسية كلغة رئيسية لازمة في إنجاز شهادة التخرج الإجازة، وسبب ذلك أنه تم عقد اتفاقية مع فرنسا تتعلق بتأهيل الإجازة، الذي يمر من خلال شرط اللغة الفرنسية
كما أعلمتني الأستاذة الفاضلة أن الأمر لا يتعلق بجامعتها هي فقط، وإنما بكل الجامعات التونسية في مواد الإنسانيات
وأضافت أنها وزملاءها بجامعتها رفضوا هذا الإجراء من خلال عريضة أمضوها، لكن كما تقول، فإن الوزارة ماضية في قراراتها
وقد سألتها حول مواقف أساتذة الجامعات التونسية الأخرى حول هذا الإجراء، قالت إنه إضافة إلى عريضة الاعتراض بجامعتها، فهي لم تلاحظ (حسب علمها) أي تحرك جماعي رافض بجامعات أخرى، لكنها قرأت لأستاذين كتبا رفضًا لهذا الإجراء
أي بالخلاصة فإن قرارًا يجعل لغة أجنبية في طور التقلص، إجبارية تُفرض قسرًا على أبنائنا، مقابل استبعاد اللغة الأم، لم يلاقِ إلا اعتراضات فردية ضئيلة
------------
لا يهمني كثيرًا البحث في التفاصيل التقنية للإجراء الجديد، وإنما علينا البحث في دلالاته:
- في الوقت الذي تتلاشى قبضة فرنسا عن بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، فإن قبضتها بالمقابل تزيد ضغطًا على أعناقنا في تونس
- وفي الوقت الذي يتم طرد فرنسا من بلدان أخرى، فإنها كما يبدو تجد ملاذًا آمنًا لدينا نحن في تونس، حيث تزيد من دعم حضورها وتأثيرها
- وفي الوقت الذي يتم التخلص من اللغة الفرنسية حتى من طرف الفرنسيين أنفسهم، فإنه يتم العمل على تدعيم هذه اللغة لدينا نحن في تونس على حساب لغتنا الأم العربية
- ثم في الوقت الذي يتم استبعاد منتسبي فرنسا في بلدان جنوب الصحراء ويُطاردون ويُسجنون ويُسفَّهون، فإن منتسبي فرنسا لدينا في تونس يواصلون التصرّف فينا كما يتصرف السيّد في ماله وقطيع عبيده، يفعلون ذلك مطمئنين لغياب أي رفض من التونسيين الغافلين عن خطر فرنسا ولغة فرنسا
يواصل هؤلاء التحكم في منظومات التشكيل الذهني بدوائرها الثلاث (تعليم، تثقيف، إعلام)، ويوظفونها للتسريع في عمليات الاقتلاع والإلحاق بأفق المركزية الغربية، وهي المهام التي تمثل اللغة الفرنسية فيها أدوارًا محورية للإقناع بكره الذات والدونية التي طالما تم العمل على زرعها في التونسيين كشرط لمواصلة إخضاعهم لاماديًا، إذ من تتحكم فيه ذهنيًا يسهل التحكم فيه ماديًا
------------
- لماذا لا توجد لدينا في تونس اعتراضات ضد مسار العبث بمجالنا التعليمي والثقافي، بحيث نتحول لساحة ومجال آمن تلتجئ إليه فرنسا لحماية لغتها التي تُطارد في كل العالم وتُستبعد من الفعل، بما في ذلك داخل فرنسا ذاتها أين يتم التحول لاستعمال اللغة الإنجليزية
- لماذا لا نرى اعتراضات ضد تسيّد اللغة الفرنسية في تونس، وضد إجراءات وزارة التعليم العالي من طرف المنظمات الطلابية وخاصة تلك التي تدور في أفق الدفاع عن الهوية
هل إن اهتمامات أكل وسكن الطلبة أهم لدى تلك المنظمات الطلابية، من التوقف عند خطر تواصل مسار الإلحاق بفرنسا، أم تراها منظمات لا تملك الوعي بذلك الخطر، أم أن سكوتها يُفسَّر بسبب آخر
- أليست هناك تجمعات تحصل كل مرة في شوارع تونس وساحاتها حول مسائل مختلفة: فلسطين، الحرب ضد إيران، تواجد الأفارقة، التحرك ضد الانقلاب...
طيب، أليس خطر فرنسا المتواصل منذ عقود جديرًا أن يكون موضوع تحرك في الساحات العامة
أليس إجراء وزارة التعليم العالي هذا عينة تستحق أن تتحرك ضده الجموع في الشوارع وأن ينتفض ضده الطلاب، أم ترى أن التونسيين لا يتحركون بسبب غياب الوعي لديهم بخطر فرنسا وبخطر مسار الاقتلاع والإلحاق بها، أم أنهم لا يتحركون بفعل سبب آخر
- أساتذة الجامعات التونسية الذين يكتبون ويحاضرون ويعقدون الندوات في كل شيء، وتراهم ينقلون إلينا "ندواتهم العلمية" في مواضيع تبدأ من قبل التاريخ وتمتد للمستقبل البعيد، أليس خطر فرنسا والإلحاق بها، موضوعًا جديرًا أن يتوقف عنده هؤلاء، فتعقد حوله الندوات وتبحث فيه مشاريع التخرج وتُشنّ بسببه الإضرابات، أم ترى أن هؤلاء المدرّسين الجامعيين لا يحوزون الوعي بخطر فرنسا وبخطر الإلحاق بها المتواصل منذ عقود، أم ترى أن سلبيتهم تعود لأسباب أخرى
خطير، إجراءات جديدة في الجامعة التونسية تجعل الفرنسية إجبارية والعربية اختيارية: ماهي أسباب غياب الردود
2026-04-11
165 قراءة
تفكيك منظومة فرنسا
فوزي مسعود
مسح للقراءة على الجوال
التعليقات والردود
0حتى الآن لا توجد ردود أو تعليقات على هذا المقال