بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الحجاب في تركيا، لمن الغلبة؟

2008-03-18 12127 قراءة مختلفات عماد خضر
الحجاب في تركيا، لمن الغلبة؟
ثار الجدل مجدداً حول قضية الحجاب على الساحة السياسية في تركيا، فقد مضت الحكومة التركية قدماً وبقوة بشأن ‏خططها لرفع حظر ارتداء الحجاب في الجامعات، وهو ما يهيئ المناخ لصدام محتمل مع النخبة العلمانية حول هذه القضية ‏شديدة الحساسية التي تثير خلافاً بين حزب العدالة والتنمية الحاكم والشخصيات العلمانية البارزة وفي مقدمتهم القضاة ‏وجنرالات الجيش الذين يعتبرون الزي تهديداً لمبدأ الفصل بين الدين والدولة لأسباب تتعلق بالموروث التاريخي المكتسب ‏عبر الحقبة الكمالية، مما نجم عنه تبادل الاتهامات وتحذيرات من قبل القوى العلمانية إلي الحكومة بضرورة التوقف عن ‏العبث باستقرار البلاد، ملوحين بأنه في حال عدم التراجع عن مسعاها سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضد الحزب الحاكم ‏ومعه من يناصره من أحزاب المعارضة، لدرجة أن هذه القضية أصبحت الموضوع الوحيد الذي يستأثر باهتمام الأتراك ‏والصحافيين والسياسيين متجاهلين قضايا عديدة أكثر أهمية وحيوية وهو ما يتعلق بملف القضاء على منظمة حزب العمال ‏الكردستاني التي تشن حرباً انفصالية في جنوب تركيا.‏

اردوغان يطمح إلى التغيير:

وقد بدأت القضية التي كانت تعتمل تحت الرماد منذ أمد بعيد، عندما وجه رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء وزعيم ‏حزب العدالة والتنمية انتقادات لاذعة وشديدة على هامش منتدى حوار الحضارات بمدريد في شهر يناير الماضي حول ‏استمرار التعاطي مع قرار حظر الحجاب في دولة إسلامية؛ في وقت تسمح به دول الغرب بذلك، ولامس عصب الحجة ‏التي يرفعها عتاة العلمانيين لمنع ارتداء الحجاب وهو أنه رمز سياسي، ويخالف العلمانية في عدم استخدام الدين أداة في ‏السياسة عندما أكد في نفس المناسبة على أن الحجاب لا يعد رمزاً سياسياً، وإنما ينبع بالأساس من الحرية الشخصية، ‏وحرية الاعتقاد، ولا يحق لأحد أن يحظر ارتداءه، وأخذ على عاتق حكومته حل هذه المشكلة.‏

وقد قطع اردوغان الطريق مسبقاً على طموحات المعارضة العلمانية التي أخذت تفسر مواقفه على أنه اعتراف بأن الحجاب ‏رمز سياسي، وأن الإسلاميين في تركيا كشفوا عن نواياهم الحقيقية، عندما أعاد تذكير الجميع بأن حزبه ليس حزباً دينياً، ‏ولا من جذور دينية، ووصفه بالحزب الإسلامي متاجرة، حتى القول إنه حزب إسلامي متقدم أو حديث شيء قبيح جداً، ‏كذلك القول بأنه حزب الإسلام المعتدل هو أمر خاطئ جداً، وأكد أنه كما يوجد داخل حزب العدالة والتنمية محجبات فهناك ‏داخل حزب الشعب الجمهوري (العلماني المتشدد) محجبات، فهل هؤلاء المحجبات يرتدينه كرمز سياسي؟ بالطبع لا، بل ‏سيجبن بأنه تلبية لضرورة دينية، وتابع اردوغان:" ولو، لنفترض أن الحجاب رمز سياسي فهل يمكن الموافقة على اعتبار ‏أنه رمز سياسي جريمة؟ وهل يمكن حظر الرموز؟ أين هو في العالم شبيه ذلك؟".‏

واستعان اردوغان بحرية الحجاب في الجامعات الأوروبية بالقول: "إن ارتداءه في دول مختلفة مسموح، ولا توجد أي ‏مشكلة في حين أنه في بلدي حيث 99 في المئة من الشعب مسلمون نشهد هذه المشكلات للأسف، ولكني واثق من أننا ‏سنتخطى هذه المشكلة، وسنحلها في أقرب وقت"، ولكنه قال: "إننا سنحل هذه المشكلة من داخل الدستور من دون توتير ‏الأجواء، وبالتوافق مع الأحزاب في البرلمان".‏

وعندما عاد إلى أنقرة قال رئيس الوزراء طيب اردوجان: "إن حزب العدالة والتنمية سيقترح تخفيف حظر صارم على ‏ارتداء الحجاب في الجامعات دون انتظار إقرار البرلمان لدستور جديد، وقال أردوجان: "ليس لدينا أي نية أو هدف ‏للانتظار، يتعين أن يحدث في أقرب وقت ممكن".‏

لقد كان أردوغان واضحاً جداً وصريحاً في طرحه وللمرة الأولى منذ فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية ‏وتشكيله حكومة أغلبية منذ عام 2002م في أن قضية الحجاب يجب أن تحل عبر إدراجها في الدستور الجديد الذي أعدت ‏مسودته، وينتظر أن يطرح على النقاش العام، فالاستفتاء الشعبي، ليكون ناجزاً خلال عام، ويبدو أنه مصمم هذه المرة على ‏إنهاء هذه المشكلة التي تمثل فشلاً لحزب العدالة والتنمية منذ وصوله إلى السلطة، ورغم أنه يسيطر الآن على كل مؤسسات ‏الدولة المفصلية خاصة السلطة التنفيذية بجناحيها الحكومي والرئاسي، وتمتعه بالأغلبية شبه المطلقة في اليرلمان وهو ما ‏يفسر ضمنياً قوة موقف حزب العدالة والتنمية، إلى جانب الموقف المؤيد من حزب الحرك&;#1577; القومية بزعامة دولت باخجلي ‏ثاني أكبر أحزاب المعارضة لتصريحات أردوغان في ضرورة البدء في رفع الحظر المفروض على ارتداء الحجاب في ‏الجامعات التركية والمؤسسات.‏

من المعروف أن حزب العدالة والتنمية يسعى عبر سياساته المعلنة بالدرجة الأولى إلى الحد من درجة التطرف العلماني ‏للدولة التركية في عدائها للدين، واستبدالها بعلمانية أقرب في مضمونها إلى المعنى الأوروبي، والتي يغلب عليها الحياد ‏إزاء المسألة الدينية، والاقتراب إلى المعايير الأوربية في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية، فقد أعلن أردوغان في ‏تصريحاته سابقة أن حزبه يريد من الدولة أن تقف على مسافة واحدة من حرية العبادة لجميع المتدينين، مشدداً أن المشكلة ‏تكمن فيمن يحرفون معنى العلمانية، ويطبقونه حسب أهوائهم، كما أن عبد الله جول أكد أنه مع العلمانية المتصالحة مع ‏الدين، والمدافعة عن الحريات.‏


القوميين يساندون الموقف:

بالتأكيد يأمل حزب العدالة والتنمية ويؤيده بذلك فئة كبيرة من الشعب التركي بمختلف فئاته أن تلقى التعديلات المقترحة ‏للدستور القبول للتخفيف من الغلو في حظر الحجاب، خاصة وأن دعوات أردوغان تلقى قبولاً من حزب الحركة القومية ‏اليميني (70 مقعداً في البرلمان)، وهو ما يتيح لحزب العدالة والتنمية إقرار تعديلاته بالأغلبية اللازمة لتجنب إجراء استفتاء ‏عليها.‏

الزعيم دولت باخجلي أوضح في بيان له أن الأمر بات ممكناً من خلال إجراء تعديل في البند الثاني للمادة العاشرة من ‏الدستور الذي ينص علي ضرورة تصرف الموظفين في جميع مؤسسات الدولة الرسمية وفقاً لمبدأ المساواة أمام القانون، ‏استناداً على حقوق وواجبات المواطنة، وأكد أن ارتداء الحجاب يخالف فقط مبدأ تساوي الموظفين أمام المؤسسات ‏الحكومية، وشدد أن رفع هذه المخالفة يتم عن طريق حذف البند المذكور من الدستور، مشيراً إلى خلو الدستور من أي ‏قانون يحظر ارتداء الحجاب في الجامعات ومؤسسات الدولة قائلاً: إن الآراء المخالفة لذلك إنما تستند في معارضتها على ‏قرار أصدرته المحكمة الدستورية عام 1989م، مؤكداً أن حزبه سيدعم حزب العدالة الحاكم حال تقدمه بطلب في المادة ‏الدستورية، وعرضه على البرلمان.‏

وبالفعل فقد توصل حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية إلى اتفاق مبدئي لرفع الحظر عن الحجاب في المدارس ‏والجامعات، وتم الاتفاق على إجراء تعديل على ثلاث فقرات في القانون الدستوري (10 - 13 -42) تمهيداً لرفع الحظر ‏عن الحجاب، وذكر بيان للحزبين صدر بعد اجتماع مشترك استغرق ساعتين أنه "لطالما كانت هذه المشكلة جرحاً ينزف ‏في المدارس والجامعات، وكان لا بد من حلها"، وأضاف البيان: "لقد سبق لحزبينا أن أعربا أكثر من مرة أمام الرأي العام ‏عن معارضتهما لقانون حظر الحجاب، ولقد ناقشنا اليوم هذه المسألة من منطلق حق وحرية الإنسان"، وأمد البيان أن ‏الطرفين توصلا في إطار عام إلى اتفاق بهذا الصدد، إلا أن العمل متواصل لوضع التفاصيل النهائية.‏

إذن موقف حزب الحركة القومية جاء بمثابة خدمة كبيرة في اتجاه حل هذه المشكلة، فهو من ناحية يؤمن غالبية سياسية ‏وبرلمانية معتبرة مع حزب العدالة والتنمية (لإجراء تعديل دستوري بغالبية الثلثين أي 367 نائباً)، ولا يبقى في المعارضة ‏عندها سوى حزب الشعب الجمهوري، وسيحسب هذا الموقف لحزب الحركة القومية المحافظ لأنه سهّل الحل المبكر بجذب ‏مؤيدين جدد له لتوسيع قاعدته الشعبية، الذي سيظهر أمام المجتمع بصورة المتعاون، كما أن هذا الموقف يكسب حزب ‏العدالة والتنمية للمرة الأولى قوة سياسية كبيرة تضمن له عدم الظهور بمظهر المتفرد في قضية كبيرة وحساسة بحجم قضية ‏الحجاب، ويقترب بذلك من رغبة أردوغان في تأمين إجماع حولها، ويمكن القول أنه في حالة كتب النجاح لمحاولة تعديل ‏الدستور الحالي فإن المحجبات سيكسبن عاماً كاملاً على الأقل في المؤسسات الجامعية، وهذه الفترة الزمنية التي يحتاجه ‏تعديل في مشروع الدستور الجديد بين نقاشات، ومن ثم عرضه على الاستفتاء الشعبي.‏

كما أبدى الرئيس التركي عبد الله جول تأييده لاقتراح رفع الحظر على الحجاب في الجامعات بقوله: "الجامعات يجب ألا ‏تصبح أماكن للجدل السياسي، والمعتقدات يجب أن تمارس بحرية في الجامعات"، وبصفته رئيساً للدولة يتوقع أن يكون ‏جول محايداً في النزاعات السياسية، إلا أن تأييده للحكومة بشأن قضية الحجاب لم يكن مفاجئاً نظراً لخلفيته السياسية ‏الإسلامية.‏

وبالفعل فقد بادر حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية بتقديم مشروع تعديل القانون إلى البرلمان يوم الاثنين 30 ‏يناير القاضي بتخفيف الحظر المفروض على ارتداء الحجاب في الجامعات، والتخلص من إحدى أهم العقبات التي تعرقل ‏استقرارها الاجتماعي، وتوتّر وضعها السياسي، فهي الآن على عتبة حل قضية الحجاب في اتجاه إلغاء القوانين والقرارات ‏التي تحظر ارتداءه تحديداً في الجامعات، مع إبقاء حظره في المدارس حتى المرحلة الثانوية، وفي الإدارات العامة.‏
‏ ‏

القوى العلمانية تتحرك بسرعة:‏

لم يغب عن القوى العلمانية خطورة توافق رؤى ثاني أكبر أحزاب المعارضة في البرلمان الحركة القومية مع توجهات ‏حزب العدالة الحاكم التي كان لها أكبر الأثر، ولعبت دوراً مهماً خلال العام الماضي في حل أزمة انتخاب عبد الله جول ‏رئيساً للجمهورية بحضور نواب الحزب جلسات التصويت على انتخاب جول في البرلمان، مما أتاح الفرصة أمام نواب ‏حزب العدالة والتنمية للحصول على النصاب اللازم للبدء في الجلسات.‏

ومن ثم بات على القوى العلمانية التحرك بسرعة من أجل تعطيل توجه حزب العدالة والتنمية إلى المضي قدماً من أجل ‏تنفيذ أهم مفردات أجندته حسب وجهة نظرهم "أسلمة البلاد"، مستخدمين في ذلك مختلف السبل لوقف هذا المشروع على ‏النحو التالي:‏

‏1) حذرت أعلى محكمة إدارية في تركيا من أن الخطط التي تدعو إلى رفع الحظر على ارتداء الحجاب في الجامعات تشكل ‏خطراً على ما أسمته بالسلم الاجتماعي، وفي بيان لها قالت المحكمة: إن "هذه الخطط لن تبقى قاصرة على المؤسسات ‏التعليمية فقط، ولذلك فنحن ننظر إليها بقلق، حيث أنها ستؤثر على السلم الاجتماعي"، وأضاف البيان: إن أحكام القضاء ‏السابقة أوضحت أن المبادرات الدينية لا تدخل في نطاق الحريات الديمقراطية لأنها تضر بمبادئ العلمانية.‏

ووصف كبير ممثلي الادعاء بمحكمة الاستئاف بتركيا اقتراح رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بتخفيف الحظر ‏على ارتداء الحجاب بأنه "غير دستوري"، مذكّرة بمصير حزبي الرفاه والفضيلة بحجة أن هذا المسعى سيؤدي إلى زعزعة ‏استقرار البلاد.‏

‏2) أصدر المدعي العام الجمهوري عبد الرحمن بالشانكايا بياناً آخر أكد خلاله أن التفكير باستخدام بعض الملابس في إطار ‏الحريات سيفصل بين الطلاب، ويحول المؤسسات التربوية إلى ساحة نشاطات تتعارض ونظام الوحدة والعلمانية، وأضاف: ‏‏"لا تستطيع الأحزاب السياسية السعي وراء تغيير الطابع العلماني للجمهور"، موضحاً أنه من البديهي أن احترام الحريات ‏على أساس الدين سيؤدي إلى التجاذب ثم إلى المواجهة، كما بدأ في جمع الأدلة والتصريحات الصادرة عن حزبي العدالة ‏والتنمية الحاكم والحركة القومية بشأن رفع الحظر على الحجاب تمهيداً لإقامة دعوى قضائية أمام المحكمة الدستورية ‏لإغلاق الحزبين، ويسعى المدعي العام إلى توظيف نصوص قانون الأحزاب السياسية التي استخدمت من قبل لإغلاق ‏حزبي الفضيلة والرفاه اللذين كان يرأسهما رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان بسبب سعيهما لرفع الحظر عن ‏الحجاب، كما أدرج تصريحات رؤساء البلديات التابعين لحزب العدالة والتنمية في الملف أيضاً.‏

‏3) حذر مجلس الدولة التركي في بيان من الاتجاه إلى رفع الحظر عن الحجاب في الجامعات، وقال المجلس: إن إقرار ‏مسألة رفع الحظر عن الحجاب لن تقتصر على المؤسسات التعليمية فقط، لكنها ستمتد إلى المؤسسات الأخرى في الدولة، ‏وهو أمر يدعو للقلق لأنه سيولد مشاكل كثيرة، ويهدد السلام الاجتماعي في البلاد، وشدد البيان على أن تركيا دولة ‏ديمقراطية علمانية تقوم على دور القانون، مشيراً إلى أن المحكمة الدستورية ومجلس الدولة أكدا مراراً على أن احترام ‏الحريات على أساس من الدين سيؤدي إلى التجاذب والمواجهة داخل المجتمع التركي، كما حذرا من تصوير الأمر على أنه ‏يأتي في إطار الديمقراطية لأن ذلك سيشكل مساساً خطيراً بالعلمانية في تركيا، كما أكدت ذلك محكمة حقوق الإنسان ‏الأوروبية أيضاً.‏

‏4) في أول رد فعل من جانب المؤسسة العسكرية التركية أعلن رئيس الأركان يشار بويوكانيت معارضته الضمنية لأي ‏قرار أو قانون يقضي بتخفيف الحظر المفروض على ارتداء الحجاب في الجامعات، وقال: "كل شرائح المجتمع التركي ‏تعلم ما يعتقده الجيش بشأن قضية الحجاب، وأنا لا أريد أن أتحدث بشأن هذا الموضوع"، فيما لم يعرف على الفور إن كان ‏الجيش سيحاول أو كيف سيحاول وقف الإصلاح المزمع، خاصة أن الجيش فشل العام الماضي في عرقلة انتخاب عبد الله ‏جول الإسلامي السابق رئيساً للبلاد، ولا يتوقع الأتراك في الغالب وقوع انقلاب عسكري ببلادهم، وإن كان جنرالات ‏الجيش قاموا عام 1997م بتأييد من الرأي العام بالإطاحة بحكومة كان ينظر إليها على أنها إسلامية للغاية.‏

‏ ‏
نظرة إلى الحجاب في تركيا:‏

المعضلة القائمة أن الدستور التركي لا يتضمن أية إشارة إلى الإسلام أو الشريعة؛ لذا ينطلق الإسلاميون من دفاعهم عن ‏الحجاب ضد الدولة لا من أصله الشرعي الإسلامي، بل انطلاقاً من مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما ‏يزيد الأمر صعوبة عليهم، بخلاف الحال في معظم الدول الإسلامية الأخرى التي يعطي النص على الإسلام باعتباره ديناً ‏رسمياً في دساتيرها، منطلقاً قوياً للإسلاميين في الدفاع عن الحجاب، فتصبح العقبة الأساسية أمام التقدم في موضوع ‏الحجاب هي عدم تطور الديمقراطية في تركيا.‏

وما لا يعد خافياً أن حزب العدالة والتنمية ينظر إليه أنه أخفق في معالجة موضوع الحجاب، إلى جانب فشله في الدفاع عن ‏المدارس الدينية، وهو ما خيب آمال الكثيرين في تركيا، فرغم إعلانه في يوليو 2007م عن أمله في مراجعة القوانين حتى ‏يتاح للطالبات ارتداء الحجاب الإسلامي في الجامعات التركية الخاصة، وذلك على الرغم من رفض سلطات التعليم العالي؛ ‏لم يذهب أردوغان بعيداً فيها دفعاً للتوتر، إذ يتخذ الحزب موقفاً حذراً في إبداء رأيه حول هذه القضية.‏

اردوغان ذهب تركيزه على ضرورة التوصل إلى «إجماع اجتماعي» حول هذا الموضوع الشديد الحساسية في تركيا، ‏وتصوير الحجاب بأنه ليس قضية حزب العدالة والتنمية ولكنها قضية المجتمع التركي كله، وأن المجتمع لا يبدي اهتماماً ‏كافياً بهذه القضية، ومن ثم فحكومته ليست مستعدة لدفع ثمن مواجهة هذه القضية، وكان حزب العدالة والتنمية الحاكم قد ‏وعد بإنهاء الحظر المفروض على ارتداء الحجاب في المؤسسات الرسمية حال فوزه في الانتخابات التشريعية وتشكيله ‏الحكومة في نهاية عام 2002م، لكنه تراجع بعد معارضة شديدة من الجيش العلماني.‏

غير أن أردوغان الذي ترتدي زوجته الحجاب تعهد في الوقت نفسه بعدم ترك المسألة لما وصفه "بالاستغلال" من قبل ‏المتدينين المتطرفين، وكرر بحسب تصريحات له في نوفمبر 2002م: "سوف نحل المشاكل بالتفاهم الاجتماعي، لا نريد ‏توترات، إن اللعب بالورقة الدينية يجب أن ينتهي في هذا البلد"، وأضاف أردوغان: "في هذا البلد الذي ألغى عقوبة الإعدام ‏سيكون من المؤسف أن نكون عاجزين عن إلغاء قرار يقيد حق التعليم".‏

ويبدي بعض المراقبين الأتراك استغرابهم من إثارة حكومة حزب العدالة والتنمية لقضية الحجاب في هذا الوقت بالذات ‏وهي التي كانت تخشى من إثارة قضية منع المحجبات؛ خوفاً من أن يمثل ذلك معوقاً أمام انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي ‏من جهة، ومن جهة أخرى قد يؤدي للتصادم مع بعض القوى التركية الرافضة لإثارة هذه القضية، والمؤيدة لعلمانية الدولة.‏

وتثير بعض وسائل الإعلام التركية - سيما العلمانية منها - حملة مستمرة على الحجاب الإسلامي، ويصاحبها ردود أفعال ‏إزاء مشاركة زوجات بعض المسؤولين من حزب العدالة والتنمية وهن محجبات في مراسيم رسمية.‏

مشكلة حزب العدالة والتنمية الكبرى هي مع الحجاب، فإذا كان الحزب قد فشل حتى الآن في حل قضية أصغر مثل معاهد، ‏إمام، خطيب، فهذا يعني انه يواجه أزمة حقيقية في قضية الحجاب، وقد يتوقف عليها مستقبل الحزب ووحدته.‏

‏ ‏
تاريخ طويل في محاربة الحجاب:‏

لم يعد الحجاب في تركيا مجرد التقيد بتعاليم الشريعة الإسلامية بتغطية رأس المرأة، بل تحول إلى مواجهة سياسية بين من ‏يرون فيه رمزاً سياسياً وبين من يرونه أحد متطلبات الإيمان.‏

فالجهات العلمانية ترى في حجاب الطالبات الجامعيات وطالبات ثانويات الأئمة والخطباء مظهراً إسلامياً، وبمثابة إعلان ‏دعم للأصولية الإسلامية؛ لا يتلاءم - على حد زعمهم - مع علمانية الدولة، على الرغم من أن الغالبية الساحقة من الأتراك ‏مسلمين، وتدافع المؤسسة العسكرية - التي تتمتع بنفوذ واسع - بقوة عن فصل الهوية العلمانية العامة للدولة عن الممارسات ‏الدينية الخاصة، وتحرص على إظهار هذا الفصل أمام العالم، فهي تريد الإيحاء بأن الدولة التركية دولة علمانية حديثة ‏غربية التوجهات.‏

غير أنه لا يمكن اسـتيعاب أبعاد قضية الحجاب في تركيا بدون الاطلاع على الجهود التاريخية الحثيثة للقضاء عليه منذ ‏أتاتورك، إذ لا تزال الحرب قائمة بما أحدثته علمانية أتاتورك من شرخ كبير فـي الانتماء الإسلامي للمجتمع التركي.‏

وتتعسف بعض الأوساط العلمانية في تركيا ضد الطالبات المحجبات، وتقول: إن قانون القيافة الذي وضع عام 1926م في ‏فترة حكم مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة يفرض ارتداء الملابس الغربية على المرأة والرجل بحجة التوافق ‏مع شروط الحياة العصرية الغربية؛ ما جعله أحد أهم المؤثرات على مظهر زي الطالبة التركية، وإن كان تطبيقه يرتبط ‏بميول الحكومة الإيديولوجية.‏

ويفرض قانون ارتداء القبعة، وإلغاء ارتداء الطربوش والطاقية؛ على المرأة العاملة بدواوين الدولة والحكومة، والمدرسة ‏والجامعة أيضاً ارتداء التنورة (الجيب) الطويلة، والبلوزة أو الجاكيت أو التايير وهو نفس القانون الذي استند إليه مجلس ‏الأمن القومي في تركيا لإسقاط العضوية البرلمانية عن النائبة المحجبة "مروة قاوقجي" عام 1999م، فخلال جلسة حلف ‏اليمين بالبرلمان التركي للأعضاء الجدد بعد انتخابات إبريل من نفس العام أصر أعضاء الحكومة التركية الائتلافية حينها ‏بزعامة بولنت أجاويد، وأعضاء البرلمان من الحزب الديمقراطي اليساري؛ على طرد قاوقجي التي فازت بمقعدها ‏البرلماني عن حزب الفضيلة (المحظور) بحجة منع القانون للمحجبات من دخول القاعة العامة للبرلمان، مثلما أسقط مجلس ‏الوزراء التركي برئاسة بولنت أجاويد جنسيتها التركية.‏

وقد صدر عام 1981م قانون يمنع ارتداء الحجاب في الجامعات التركية، ولكن تورغوت أوزال رئيس الوزراء المنتخب ‏عام 1983م تراجع عن هذا القانون، ثم أبطلته المحكمة الدستورية في إصدار قانون 1987م يمنع دخول المحجبات إلى ‏الجامعات، وقد تم التراجع عـن هذا القانون سنة 1991م، ولكن لم يمنع هذا مـن استمرار الحظر في جامعات كثيرة من قِبَل ‏البرلمان والمحكمة الدستورية.‏

ولكن أعاد الرئيس التركي سليمان ديميرل إصدار قرار عام 1997م ضمن حزمة الحملة المضادة للتيار الإسلامي أثناء ‏ولاية حكومة مسعود يلماظ بمنع دخول المحجبات المؤسسات التعليمية أو الوزارات والمصالح الرسمية التركية عندما أجبر ‏الجيش رئيس الوزراء نجم الدين أربكان على تقديم استقالته، كما منع القرار المحجبات من التردد على الأندية والمؤسسات ‏الاجتماعية التابعة للجيش التركي، مثلما منع الصحفيات المحجبات من دخول أي مؤسسة تابعة للجيش التركي، حيث تم منع ‏بعض الصحفيات التركيات المحجبات من دخول المؤسسات الرسمية للمشاركة في تغطية وقائع إخبارية، وتعرضت مئات ‏الموظفات للفصل أو الإجبار على الاستقالة بسبب الحجاب، واضطرت الطالبات التركيات الميسورات للسفر إلى أذربيجان، ‏والمجر، والنمسا؛ لاستئناف دراستهن الجامعية، ولكن النظام السياسي مازال يتعقبهن، ويسعى إلى رفض اعتماد شهاداتهن ‏الجامعية، ورغم اضطرار بعض الطالبات في جامعات تركيا إلى الاستمرار في التعليم حتى لو كلفهم ذلك خلع الحجاب أمام ‏مداخل الجامعات، فقد تركت أخريات التعليم مفضلات ذلك على خلع حجابهن.‏

‏ ‏
خاتمة:‏

الأزمة الحقيقية للنظام الكمالي في تركيا هي في صراعه اليائس مع حركة كبرى في تركيا تسعى لاستعادة الجذور والهوية ‏التركية الإسلامية كما كانت طوال ألف عام، وتقول الدراسات أن 80 % من المجتمع يريد تشريع الحجاب، والأسوأ من ‏ذلك بالنسبة للنخبة السياسية والعسكرية هي في مصالحها المهددة التي ارتبطت بهذا الوضع تركياً، ومهما يكن من أمر فإننا ‏أصبحنا أمام مشهد جديد من مشاهد الحياة في تركيا التي تلفت النظر بشدة إلى مصير يبدو مجهولاً، ويبدو أن الخناق يشتد ‏على عنق المتشددين من العلمانيين في تركيا فيما يخص مسألة الحجاب.‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال