بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

وضعية المرأة بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي

2008-03-13 10310 قراءة مختلفات د- سعاد عبد الله الناصر
وضعية المرأة بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي
في إطار المؤتمرات والاتفاقيات الدولية، في دعمها وتفعيل توصياتها، يُنظر إلى قضية المرأة بشـكل تعميمي قد يسيئ إليها ‏أكثر مما يفيدها، من هنا يمكن أن نسجل بأن وضعية المرأة المسلمة تختلف عن وضعية المرأة الغربية، وأن أنواع الظلم ‏والقهر وأشكال العنف الممارس عليها قد تختلف معالجـته من مجتمع إلى مجتمع آخر، ولهذا لا يمكن تعميم الحلول عليها، ‏لأن ما يمكن أن يكون صالحاً في المجتمعات الغربية يمكن أن يدمر المجتمعات الإسلامية، بل إن أغلب الدراسات أجمعت ‏على أن ما تمرره وتبشر به تلك التوصيات هو محاصرة كل ما له صلة بالدين، وتسعى إلى خلق نمط جديد من العلاقات ‏الاجتماعية بين الرجل والمرأة. وكذلك فإنه يجب التنبه إلى أن الحقوق التي تناضل من أجلها المرأة الغربية، وتسعى إلى ‏تحقيقها وامتلاكها، هي في أصلها حقوق امتلكتها المرأة المسلمة في وقت ازدهار الحضارة الإسلامية، وأن ما يجب أن ‏تناضل من أجله هو إحياء هذه الحقوق واستعادتها من مغتصبيها.‏
‏ ‏
قد لا نغالي إذا أثبتنا حقيقة مرة، وهي أن المجتمعات الإسلامية تتقاذفها موجات من الأمراض، إن على مستوى الجسد أو ‏على مستوى الروح. فأينما وليت وجهك تجد أرطالاً من المشكلات المادية والاقتصادية، وتخلفاً في ميادين التكنولوجيا ‏والعلم، رغم كل ما تبذله من رفع مستوى مادياتها واقتصادها، وليس ذلك إلا سوء تقدير وعدم أخذ بالأسباب من جهة، ومن ‏جهة أخرى تمكن أمراض الروح من الأمة بسبب الجهل بحقيقة وجودها وحقيقة عقيدتها ودينها، والجهل بمقاصد تنـزيله ‏ليكون مطبقاً في واقعها، والتخلف عن إدراك طبيعة رسالتها تجاه نفسها وتجاه الإنسانية، الأمر الذي أغرقها في الأمراض، ‏وجردها من صفتي الخيرية والشهادة، أفقدها الاتجاه الصحيح لعمارة الأرض بالعدل والإحسان والسلام والتعاون. ‏
وأبسط وأعمق مظهر اجتماعي يثبت ما نقول هو ذلك الخلل المهول في بناء شخصية الفرد المسلم، فهو يصلي ويضع ‏الآيات القرآنية على الجدران، وفي أحسن الأحوال أو المناسبات الدينية يقرأها ليتذكر أنه مسلم، وفي الوقت نفسه يغش في ‏معاملاته، ويرتشي، ويسرق، ويزني، أي يمكن أن يرتكب كل الموبقات في سبيل المصلحة الشخصية والمادية. ‏
كما أن أوضـح مظهر سـياسي هـو العـلاقة بينه وبين سلـطة الحكم، التي هي غالباً ما يحكمها منطـق القـوة والإرهاب ‏والقـهر، وهـذا ما يجعله يفقد الثقـة في نفسـه، ويعـيش حالات الإحباط والإذلال. ‏

ورغم ارتفاع الدعوات للإصلاح والتغيير، إلا أن أغلبها فشلت في تغيير الناس، لأن المنطلق لم يكن شمولياً يستحضر ‏الواقع الذي تعيش فيه الأمة، أي يجب ألا يكتفي دعاة التغيير والإصلاح بالدعوة إلى الرجوع إلى منابع ديننا أو تطبيقه، ‏وإنما يجب بالإضافة إلى ذلك قراءة الواقع وفهمه، وإعادة تشكيل عقل المسلم ليعي واقعه في ضوء فهم شمولي لعقيدته، ‏وتصحيح تصوره عن طبيعة العلاقة الصحيحة بين هذا الواقع وبين إيمانه وتدينه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يجب ‏العمل على إعادة الثقة بعلماء الأمة، العلماء الذين يجمعون بين العلم والتقوى والإخلاص وفقه الواقع، والتلقي السليم عنهم، ‏لأن التغيير لن يتم على الوجه الأمثل إلا بصلة العلماء بالأمة وواقعها، وسد الثغرات التي تبعد هذه الأمة عن التقدم والرقي، ‏بالتواصل والحوار والفهم الدقيق للمتغيرات التي تُستحدث كل لحظة. وهنا يمكن أن تكون نسبة التأثير أكبر، وفرص النجاح ‏في الدعوة أكثر في المجتمعات التي تفسخت عراها عروة عروة. ‏
والصـورة التي قدمت للمجتمعات الإسلامية، وإن كانت قاتـمة، إلا أنها حقيقية، ولكن نستطيع أن نستثني مجموعة ممن ‏هداهم الله، ووعوا طبيعة رسـالتهم في الوجود، من الغرق في مستنقع الابتعاد عن الحق والعـدل. ورغم تناميهم ونسـبة ‏تأثيـرهم في المجتمعات الإسـلامية، إلا أن تيار الانحلال والفساد هادر، والمد التغريبي يأخذ بخناق البسطاء والجاهلين ‏لدينهم، وهم يشكلون أغلبية الأمة، رجالاً ونساء. ‏

وإذا كانت هذه هي الصورة العامة، فإن المرأة تحتل نصفها، ومع ذلك لا يمكن تعميم هذه الصورة والحكم على وضعية ‏المرأة المزرية في كل المجتمعات الإسلامية، لأن هناك من النساء في هذه المجتمعات من تمكنت مِن فهم رسالتها في ‏الحياة، وأخرجت نفسها من العبودية والتخلف، ولم تسمح لأحد أن يظلمها أو يعتدي على حقوقها، مهما كانت قرابته لها، ‏وبالتالي ساهمت في تنمية مجتمعها، سواء في الميادين الثقافية أو السياسية أو الاقتصادية، أو في مجال العمل الخيري، ‏وفرضت على الرجل احترامها واحترام شخصيتها. ‏
ولكن تظل نسبة هؤلاء النساء ضعيفة لا تشكل واقعاً عاماً، وإنما الواقع العام الذي يتحكم في هذه المجتمعات ما بسطناه ‏سابقاً، بالإضافة إلى تهميش دورها وحرمانها من مختلف حقوقها، وتسليط الفهم الخاطئ لبعض المفاهيم الإسلامية عليها من ‏أجل إخضاعها، من مثل مفهوم القوامة. ‏

إن هذا المفهوم يشكل ورقة شرعية كثيراً ما تستخدم لتبرير سوء تصرف الرجل مع المرأة، أو ممارسة أشكال الظلم والقهر ‏عليها، لكن الحقيقة أن القوامة إذا نُظر إليها من منظور إسلامي محض في إطار شموليته نجد أنها لصالح المرأة. لماذا ؟؟ ‏لأنها تستوجب على الرجل مرغماً أن يوفر كل أسباب الراحة والمتعة، مادياً ومعنوياً، للمرأة، وإلا فإنه يمكن أن يعتبر آثماً، ‏لكن هذه المسؤولية التي يجب على الرجل تحملها ارتضت المرأة أن تأخذ نصيباً منها عن تراض منهما، وبالتالي تأخذ ‏القوامة شكلها الطبيعي في الإنفاق وفي شمولية الرحمة والمودة والسكن. لكن مع الأسف الشديد، وجدت بعض الممارسات ‏الظالمة للمرأة نتيجة ثقافة مترسخة عن مثل الفهم الخاطئ لبعض المفاهيم الإسلامية. ‏
كما أن العلاقات المتخلخلة في المجتمعات بين الأفراد، وبينهم وبين السلطة، جعلت الرجل يفهم من دوره ممارسة كل أشكال ‏الظلم والعنف والقهر والتخلف، وبالتالي فإنه يمارس كل هذه الأشكال التي تقع عليه لمن يعتقد أنها أقل منه أو أضعف منه ‏وهي المرأة. كما أن المفهوم الخاطئ عن التحرر والحرية أخذ المرأة من نفسها ونحا بها نحو تبني النموذج الغربي، ليس في ‏العلم والتنمية وتحقيق الوجود، وإنما في العري والفسق والتبرج، والتركيز على ثقافة الجسد، والابتعاد عن مصدر وجودها، ‏فتضيع وتضيع معها أجيال ممن تقوم على تنشئتهم وتربيتهم. ‏

ومع هذه القتامة في المجتمعات الإسلامية فإننا نجد أشعة من النور تنبع من ثوابت حضارة الأمة ما زالت تعيش فيها هنا ‏وهناك، وما زال الناس يتمسـكون بهـا رغم كل محاولات التغريب وطمس الهوية. ما زالت المرأة في هذه المجتمعات تعي ‏أن الواجبات التي يفرضها الإسلام عليها متساوية مع الواجبات التي يفرضها على الرجل. فهما معاً يقومان بواجباتهما ‏الدينية سواء كانت تعبدية، كالصلاة والصيام والحج والزكاة، أم أخلاقية كالصدق والإخلاص وغيرها، وهما معاً يجب أن ‏يتحملا مسـؤولية أسرتهما بالتشاور، كما أن وظيفة الأمومة ما زالت تحتل موقعاً متميزاً في العلاقات الاجتماعية وترابطها، ‏وتقوم بمهمة من أقدس المهمات وأسماها هي تربية الشخصية المسلمة القادرة على مواجهة كل التحديات وعلى بناء ‏مجتمعها بناء قوياً ومتيناً، من دعائمه الحب والتعاون والتكافل والرحمـة والمودة، ولذلك فإن المـرأة الأم أو الجدة مازالت ‏في مجتمعاتنا تعيش حياة طبيعية محاطة بالحب الذي زرعته في نفوس المحيطين بها، ومليئة بالمودة والرحمة. وإذا كانت ‏الأهداف الحقيقية من التربية قد خفتت أو اختفت في بعض الأحيان، فإن بذورها ما زالت حية تنتظر التربة الصالحة لنموها. ‏
من هنا يمكن القول: إن المرأة ربما كانت تعيش في وضعية أحسن من مثيلتها في المجتمعات الغربية، مع الفارق المادي ‏طبعاً. ‏

ذلك أن المرأة في المجتمعات الغربية غالباً ما تعيش في ظل الوحدة واليأس رغم كل وسائل الترفيه، لأنها لـم تعد بحاجة إلى ‏الزوج، كما أنها في غمرة تحقيق ذاتها والجري وراء الاكتفاء المادي نسيت وظيفة الأمومة، ولم تؤدها إلا مكرهة في إطار ‏إشباع غريزة البقاء لديها. بل إن أولادها، ناهيك عن أحفادها، لا يجدون الوقت حتى لزيارتها أو الاطمئنان عليها. كما أن ‏الفساد من سرقة وشرب خمر ومخدرات وغيرها، والانحلال الأخلاقي من اغتصاب وشذوذ وزنا المحارم وغير ذلك في ‏هذه المجتمعات، وصل إلى درجة فظيعة أصبح معها الفرد يتوق إلى الانتحار أو يستسلم للجنون. ‏
أما المرأة فقد دلت الإحصائيات، في أمريكا مثلاً، أن هناك أكثر من ثلاثة ملايين حالات إجهاض سنوياً، وأكثر من مليون ‏ولادة سفاح، وأزيد من اثني عشر مليون يعيشون بدون آباء، وأصبحت الكنائس في معظم بلاد الغرب تعقد زواج الجنس ‏الواحد، أي الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة. وهناك ملايين من الفتيات عاشرهن والدهن معاشرة جنسية، وأن في كل عشر ‏أسر توجد أسرة يعاشر فيها المحارم بعضهم بعضاً. أما الولادة خارج الزواج الشرعي فتكاد تصبح هي الأصل في أمريكا ‏وأوروبا، بل إن الدول الغربية تشجع على العزوف عن الزواج بسنها لسياسة الرعاية الاجتماعية، حيث تتقاضى الأمهات ‏غير المتزوجات إعانات اجتماعية تتراوح بين 400 و500 دولار أمريكي عن الطفل الواحد. ‏
فهل بعد هذه الإحصائيات، وغيرها أفظع، نريد اقتفاء النموذج الغربي في حل قضايانا ؟؟ ‏
وهل نعي أننا ربما نكون سائرين في الطريق نفسه مع ما نشاهده من انحلال وفساد، وارتفاع حالات الطلاق، وعزوف عن ‏الزواج، وجرائم الاغتصاب، في مجتمعاتنا الطموحة إلى التغيير والانعتاق؟؟ ‏
وهل آن الأوان أن نتساءل عن طبيعة هذا التغيير؟؟ و إلى أين سيؤدي بنا ؟؟ ‏
وهل جنينا شيئاً من التبعية والاستسلام ومن مسلسلات التنازلات المتعلقة بكل مناحي حياتنا ؟؟؟ ‏
أعتقد أنه قد آن الأوان للوعي بذواتنا، وللترفع عن التعلق بذيل الحضارات الأخرى، التي تحقق ذاتها في أوطانها، وتوسع ‏مجالها بتصدير فكرها وفرض نموذجها، كي يتغلغل في المجتمعات، حتى تتحكم في الشعوب المستضعفة والمستسلمة، ‏وتستفرد بالرئاسة على البشرية جمعاء بمساهمة منا، ودون جهد منها.‏

--------------------
فصل من كتاب "الأمة" عدد 97: قضية المرأة.. رؤية تأصيلية

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال