بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الحجاب يتحدى العلمانيين

2008-02-01 10689 قراءة مختلفات د. أحمد إدريس الطعان
1
الحجاب يتحدى العلمانيين
لقد كانت فريضة الحجاب فريضة محكمة أراد الله عز وجل من خلالها أن يحفظ للمرأة كرامتها من الامتهان ، وعرضها ‏من الابتذال ، وذلك بسترها لجسدها ومفاتنها ، حتى تتمكن من القيام برسالتها الإنسانية إلى جانب الرجل وتكف طرفه عنها ‏لكي لا يطمع في شرفها من في كان قلبه مرض } فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ‏‏{ سورة الأحزاب آية : 32 ‏
إن الآيات الكريمة السابقة نسيج واحد يحتوي على مجموعة من الوصايا التي تكرم المرأة ، وتهيئها لحمل رسالتها كإنسان ‏مكمل لنصفها الآخر : الرجل . ‏
‏- فلتغضض من بصرها كما أُمر الرجل .‏
‏- ولتحفظ فرجها مثلها مثل الرجل .‏

ثم تتميز المرأة تبعاً لتكوينها الذي خلقها الله عز وجل فيه ووظيفتها التي أناطها الله عز وجل بها ببعض الأوامر والوصايا :‏
‏- فلا تبدي زينتها إلا لمن سمّاهم الخالق عز وجل . ‏
‏- وتضرب بخمارها على رأسها وعنقها وصدرها .‏
‏- وتحرص على أن حالها مبني على الستر دائماً فتدني على جسدها جلباب اللباس والقماش وعلى نفسها وكرامتها جلباب ‏الحياء والفضيلة .‏
‏- وتجدّ في لهجتها وحديثها ، وتخفض من صوتها وضحكها ، وتختار الكلمة المناسبة مع المقام المناسب بحسب الحال ‏والمآل حتى لا يطمع بها مرضى القلوب . ‏
وحين تتحقق المرأة بهذه الوصايا فلا عليها أن تكون عنصراً فاعلاً في الحضارة إلى جانب الرجل تشاركه في محافل العلم ‏والعمل والجهاد والتربية والدعوة ولم يمنعها حجابها من كل ذلك ولم يعق حركتها ولم يعرقل مسيرتها . ‏



المطلب الأول - العلمانية والحجاب : ‏

وقد أدرك الغرب أن حجاب المرأة المسلمة – المسلمة فقط - رمز للتحدي يشكل خطراً على إيديولوجيته العلمانية ولذلك ‏قرر منع الحجاب . فشعاراته البراقة ، وشعارات الثورة العلمانية كلها ركلت بالأقدام في سبيل منع الحجاب وبدا للناس ‏جميعاً حقيقة طالما خفيت عليهم وهي أن شعارات الحرية والديمقراطية إنما هي مجرد أوهام وأحلام خدعوا بها . ‏
سألت أستاذاً علمانياً ينسب نفسه إلى الفلسفة لماذا منعت الدولةُ التي ترفع لواء العلمانية المرأةَ المسلمة من حجابها ؟! فقال ‏لي : - ولعله يسترضيني – هذا في الحقيقة شرخ كبير في العلمانية كان عليها أن لا تقع فيه، ولكن العلمانية تصحح أخطاءها ‏ومساراتها دائماً. فقلت : إن هذا الشرخ ليس في المظهر ، ولا في كونه مجرد نزوة عابرة ، أو خطأ في الممارسة وإنما هو ‏نتاج للخلل في الأساس العلماني ، وهو شرخ في القاعدة الفلسفية التي تقف عليها ظاهرة العلمانية . ‏
لقد صدع العلمانيون رؤوسنا في التنكيل بالأنظمة المستبدة ، والتغني بالحرية والمساواة والديمقراطية ونحن معهم في ذلك . ‏كما تحدثوا عن الفاروق عمر على أنه " المستبد العادل " أي أنه الخليفة الذي يمتلك كل السلطات التشريعية والقضائية ‏والتنفيذية وهو بنظرهم اتجاه لم يعد صالحاً لهذا العصر ، والبديل له بنظرهم دولة المؤسسات العلمانية التي لا سلطان لأحد ‏عليها إلا للعدالة . ‏

والسؤال الآن : إذن لماذا ضاق الغرب ذرعاً بحجاب المرأة المسلمة فكشر عن أنيابه وأصدر قراراً بمنعه ؟ كيف استطاع ‏أن يفعل ذلك ما دامت المؤسسات العلمانية القانونية هي التي تحكم ولا سلطان لأحد عليها ؟ ‏
‏ أليس هذا القرار من أحط ألوان الاستبداد ، ولا يمكن تصنيفه إلا في مخلفات القرون الوسطى المظلمة ؟! . ‏
لم تنج إذن العلمانية من الاستبداد ، والاستبداد الظالم ، فإذا كان لا مناص من الاستبداد إذن فأن يكون استبداداً عادلاً خيرٌ لنا ‏، فعادت الحاجة ماسة إلى مثل الفاروق عمر رضي الله عنه . ‏
الإشكالية هنا : أن الإنسان هو الذي يحكم ، وهو الذي يسيّر المؤسسات وهو الذي يسن القوانين ، وهو الذي يفسرها ويؤولها ‏وهو الذي ينفذها ، فما أسهل عليه أن يوظف ذلك كله لخدمة مصالحه ومنافعه ، وخصوصاً في هذا العصر الذي يلعب ‏الإعلام والدعاية دوراً بارزاً في غسل الأدمغة ، وترويج الأفكار ، وتغليب بعضها على بعض بحسب الحال والظرف ‏والمصلحة . ‏
ومن هنا فالشعارات العلمانية الرائجة اليوم مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان هي شعارات ظرفية تخدم الإنسان ‏الأقوى – الإنسان الأبيض – وتوظف الآخرين لخدمته وفي الوقت الذي تصبح خطراً عليه تداس بالأقدام وتُركل بالنعال، ‏وظاهرة الحجاب مثال على ذلك. ‏

ولذا فالقول إن العلمانية وقعت في خطأ – مجرد خطأ – حين منعت المرأة المسلمة من حجابها هو محاولة للخروج من عنق ‏الزجاجة ، لأن الممارسة العلمانية محكومة بشيئين هما : ‏
‏- الإنسان وطغيانه الممكن، بل الغالب .‏
‏- النفعية البراجماتية ، والأثرة الظاهرة في السلوك الإنساني أفراداً ودولاً وجماعات . وفي هذه الحالة فالقضية ليست مجرد ‏خطأ وإنما انهيار في البنيان العلماني من أساسه.‏
‏ العلمانية لها قيمها المعلنة ، والأديان كذلك ، وإذا كانت الأديان تعد من يخرج عن عقائدها كافراً ، فإن العلمانية كذلك تحكم ‏عليه بالنفي والإقصاء أو التخلف والرجعية أو الإرهاب ، فالعلمانية في هذه الحالة تتحول إلى دين علماني له قيمه وأصوله ‏ورجاله بل وطقوسه أيضاً . والقول بأن العلمانية لا تنظر إلى نفسها على أنها مقدس يحرم المساس به ولذلك فهي تجدد ‏نفسها وتصحح أخطاءها دائماً عبر صيرورة مستمرة كلام جميل ومعسول، ولكن الدين كذلك يقول ، فالإسلام يجدد نفسه ‏دائماً " إن الله يبعث لأمتي على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها " .‏
فالعلمانية إذن دين متجدد ، والإسلام أيضاً كذلك والفارق هو أن الإسلام له ثوابته التي لا تُمس بينما العلمانية تدعي أنها ‏متلونة ولا ثوابت لها إلا الواقع بتغيراته وأنماطه المختلفة . ‏
ولكن الإسلام لا يرغم الآخرين على أن يمارسوا شعائره فهم أحرار في دار الإسلام في ممارسة شعائرهم والإسلام يحميهم ‏، بينما العلمانية في دارها ترغم المسلمة على ممارسة الطقوس العلمانية في السفور والانحلال . ‏



المطلب الثاني - الحجاب والتحدي الحضاري : ‏

مرة أخرى : لماذا تضطهد العلمانية المرأة المسلمة المحجبة ؟ ‏
إن الغرب لا يرى في الحجاب الإسلامي مجرد قطعة قماش تستر شعر المرأة أو رأسها أو وجهها وإنما يرى في الحجاب ‏اختزالاً للحضارة الإسلامية تغزوه في عقر داره . ‏
إن الحجاب يعني في المنظور الغربي أن الإسلام كله بقرآنه ومحمده وكعبته يتجسد في قطعة القماش هذه ، وفي هذه المرأة ‏المحجبة التي تخطر في شوارع باريس أو لندن . وإن هذه الصورة تمثل بالنسبة له أخطر ألوان التحدي ، إنها تذكره ‏بطارق بن زياد وموسى بن نصير وعبد الرحمن الغافقي على تخوم باريس . كما يرى الغرب في المرأة المحجبة وهي ‏تتبختر في شوارع باريس أو غيرها كأنها ترفع راية الإسلام وتدوس قيم الغرب ، وتتحدى شعاراته البراقة ، وتهزأ ‏بحضارته المبهرجة ، وتترفع عن مدنيته الزائفة ، إنها تتشبث بأصالتها في وسط المعمعة ، وتلتف حول دينها وعفتها ‏وشرفها في وسط تيار جارف من الإغراء واللذة . إن منظرها مثير جداً فهو يشبه منظر الجندي المستميت في وسط ‏المعركة حين يرفع اللواء والرماح تنوشه من كل مكان فيظل ممسكاً به حتى تتقاسمه شفرات السيوف وأسنة الرماح . ‏
إن الغرب لا يرى في المرأة المحجبة مرأة بل يرى الإسلام يتحداه في عقر داره ، وقد حاول جاهداً أن يصمت لسنوات ‏محافظاً على قيمه في الحرية ، ولكن ضغط الحجاب ودلالاته التاريخية والحضارية جعل صبره ينفد فانتهك القيمة الأساسية ‏التي يقف عليها وهي قيمة الحرية وذلك ليوقف هذا المد الإسلامي الخطير . ‏
أجل إن الحجاب الإسلامي – الإسلامي فقط – ليس مجرد تحد فقط بل هو غزو وبشارة في ذات الوقت ، فالمرأة الغربية ‏اليوم تعيش في أحلك أيامها ، وأسوأ لحظاتها يقول بيير داكو "" لم يسبق للمرأة أن كانت مسحوقة ومنهارة وخامدة مثلما ‏هي عليه الآن ، ويمثل عصرنا أكثر العمليات دناءة في تاريخ المرأة ، فالمظاهر خداعة ، ذلك أن الفخ مموه على نحو يثير ‏الإعجاب "" ([1]) "" إن الفخ قام بعمله على نحو ممتاز ... فالسمكة كانت جائعة ، وكان يكفي إلقاء الصنارة في الماء ‏حتى تنخدع بها "" ([2]) إن بيير داكو يلخص لنا حالة المرأة في الغرب بعبارة مختصرة ، إنها حالة مأساوية مريرة . وقد ‏بدأت المرأة تشعر بذلك ، وبدأت تتململ من الضياع والعبثية التي خُدعت بها ، ولذا فهي ترى أن صورة المرأة المسلمة ‏المحجبة صورة مثالية تتمنى لو يتاح لها أن تعيشها ([3]). ولكنها ليست مهيأة لذلك فهي مكبلة بقيود ثقيلة ، إنه إرث ‏العلمانية المديد : تفكك أسري وضياع اجتماعي وأخلاقي ، وعدمية فلسفية ، وفردانية موحشة . ‏
ومن هنا فالمرأة المسلمة في الغرب تؤدي بحجابها دور الداعية الصامتة ، إنها ترفع شعار "" الكيان المستقل "" وتمثل أمام ‏المرأة الغربية دور "" العالَم المتميز "" فهي كيان مستقل عن عالم الرجال وعالم أنثوي متميز عن عالم الذكورة .‏
إن المرأة المسلمة بحجابها تحتكر أنوثتها وتمتلكها ولا تبددها في عالم الرجال ، إنها تنطوي في داخلها على سرٍ يجب أن ‏يظل مطمحاً لعالم الرجولة تهفو إليه الرجولة فلا تنال منه إلا بقدر ما يتحقق من سعادة وكرامة إنسانية مشتركة . ‏
إن في المرأة جانبان : جانب عملي إنساني مشترك بينها وبين الرجل وهو دورها في الحياة والبناء والإعمار والمشاركة ‏والعمل والعلم والإبداع . ‏
وجانب آخر هو أنثوي غريزي تميزت به المرأة عن الرجل ، وزودها الصانع عز وجل بمكونات الأنوثة فهي أم حنون ‏وزوج رؤوم ، وأنثى لعوب . والإسلام لا يريد لأيٍ من الجانبين أن يطغى على الآخر ، فلا يريد المرأة المترجلة التي ‏تكبت أنوثتها وتتحول إلى كائن قاس عنيف جلف . ‏‎ ‎
ولا يريد المرأة الجاهلة العابثة التي تُحوّل نفسها إلى أداة للمتعة واللذة والإنجاب فقط ([4]). ‏
إن ما يصلح المجتمع هو المرأة التي يتكامل فيها الجانب العملي مع الجانب الأنثوي أو الجانب الوظيفي الحياتي مع الجانب ‏الغريزي . وإن المرأة حين تقف إلى جانب الرجل في المعمل أو المخبر أو الوظيفة فهي تزاحمه بإنسانيتها وكفاءتها وليس ‏بأنوثتها ، وأنوثتها تظل ورقة مخفية مدخرة لا تمنحها للرجال إلا في الإطار المشروع، إطار البناء المشترك والمساواة ‏والندية . ‏
بينما المرأة السافرة الفاتنة ترمي بلحمها وشحمها أمام الكلاب الجائعة ، والذئاب الغادرة ، والثعالب الماكرة ، وهي بسفورها ‏ومفاتنها تدفع بكفاءتها وإنسانيتها وفاعليتها إلى الوراء وتدفنها في الأعماق ، وذلك لأن صوت الغريزة واللذة أقوى من ‏صوت العقل – غالباً – وأقوى من صوت الحرية والتحضر والضمير والأخلاق ، هذه الشعارات الجوفاء التي تنادي بها ‏العلمانية . ‏

والآن بعد فوات الأوان أدركت المرأة الغربية أنها خُدعت في أعظم عملية نصب واحتيال في التاريخ إنها مهزلة "" حرية ‏المرأة "" ولذلك فهي تغبط المرأة المسلمة على حجابها وعفافها وترى أن هذا هو رأس المال الثمين الذي فرطت به حين ‏خدعوها فأوهموها أنه قيود وتخلف ، ولكنها حين فعلت ذلك خسرت كل شيء ، ولأن المرأة فُطرت على الرحمة والشفقة ‏فإن المرأة الغربية لا تريد لأختها الشرقية أن تنحط في المرتكس نفسه ، وتقع في الفخ ذاته ([5]).‏
إن أهم ما يعنيه الحجاب بالنسبة للمرأة هو إبراز فرديتها الإنسانية ، وتكنيز فرديتها الأنثوية لتكون قادرة على مشاركة ‏الرجل في الفعل الحضاري دون أن تخضع لابتزازه أو انتهازيته، ذلك لأن الجانب العملي والعقلي والإنساني والحياتي في ‏كلا الطرفين متساوٍ ويبقى الرجل متفوقاً برجولته الظاهرة البارزة، لأن الرجولة يناسبها الظهور والبروز فكيف تقابل المرأة ‏الرجولة لتكون نداً للرجل ؟ ظنت المرأة أو قيل لها إن عليها أن تقابل رجولته البارزة بأنوثتها المكشوفة ومفاتنها المعروضة ‏فصدقت ذلك ، وأخطأت لأن الأنوثة سلاح لا يناسبه الظهور والانكشاف بل ذلك يثلمه ويفقده قوته وأهميته، وكان من ‏الواجب مواجهة الرجولة المكشوفة بالأنثوية المخفية والمفاتن المحجوبة فذلك لون من الدلال والتمنع يزيد المرأة قوة ‏وحيوية وتأثيراً في الرجل . ‏
إن سلاحها ليس كسلاح الرجل فسلاح الرجل لا يضيره الظهور والانكشاف بل يكون أمضى كلما كان كذلك ، بينما سلاح ‏المرأة يكون أمضى كلما كان أخفى ، ألا ترى إلى الرجل يرى المرأة المحجبة التي تغطي وجهها فيتوق إلى رؤية عينيها ، ‏وإذا رأى امرأة تظهر عينيها يتوق إلى رؤية وجنتيها ، وإذا رأى وجنتيها يتوق إلى رؤية فمها وشفتيها ، وهكذا ... بينما ‏المرأة السافرة لا يتوق الرجل منها إلا إلى اللذة والمتعة لأنها مملة ومبتذلة، فهي بنظره رخيصة . ‏
ألا ترى النفس تتوق إلى الفاكهة المغلفة النظيفة بينما تعاف الفاكهة المكشوفة للذباب والحشرات ، وهكذا فالمرأة طبقاً ‏للمنظور الإسلامي أشبه بالجوهرة النفيسة التي تصان عن الأعين الزائغة والأيدي العابثة لتبقى ثمينة ناضرة جميلة :‏

قل لمن بعد حجاب سفرت *** أبهذا يأمر الغيدَ الشرف ‏
إنمـا المـرأة درة وهـل *** يُصان الدر إلا بالصدف ‏

إن في الحجاب جانباً من الإغراء أيضاً ولكنه الإغراء الإيجابي النافع الذي يحفظ للكيان الإنساني وجوده ونوعه وعفته ، ‏فالمرأة المحجبة حين تحجب نفسها عن زوجها أثناء الخروج من المنزل وتستر مفاتنها عنه تغريه وتشوقه إليها ، ويشعر ‏بتجدد في علاقته العاطفية معها حين تدخل معه المنزل مرة أخرة بحجابها ثم تخلعه أمامه وله فقط ! ، بينما تلك السافرة ‏المتبرجة فلا يوجد لديها ما تخفيه عن زوجها بل عن الناس إلا القليل ، فجسدها مكشوف ، ومفاتنها معروضة للغادين ‏والرائحين ، ولذلك فبضاعتها كاسدة ، ألا ترى أن احتكار السلع يزيد في ثمنها ، ويعزز من قيمتها ، فكذلكم المرأة التي ‏تحتكر جمالها وأنوثتها ومفاتنها .‏

إن هناك مشكلة يعاني منها الغرب بسبب العري والسفور والخلاعة فحيثما اتجه الإنسان يجد أمامه نساءً كاسيات عاريات ‏مائلات مميلات ، وهذا فجّر لديه الغريزة الجنسية، ولم يتمكن من كبحها لأنها ثارت فهاجت فانفجرت ، ومع طول العهد ‏والاعتياد للمناظر الفاتنة المغرية الفاضحة ، ومع طول الانغماس في الإباحية والشهوات تحول الأمر إلى مشكلة أخرى لم ‏تكن في الحسبان – فبالإضافة إلى الأمراض الجنسية الكثيرة التي انتشرت نتيجة للعري والسفور ظهرت مشكلة البرود ‏الجنسي، فلم يعد الرجل يميل إلى المرأة لأنها أنثى تثيره بضحكها أو بمشيها أو بقوامها أو بأنوثتها ، ولم يعد يثيره فيها إلا ‏الترميز الجنسي بكافة أشكاله وممارساته، ولذلك أخذ الإنسان الغربي يتفنن في اختراع المثيرات والمرغبات الجنسية ‏المقززة، والتي تعافها الفطرة السليمة . وحين يقضي كل منهما وطره من الآخر يشعر بتفاهة اللذة ، وانعدام المعنى ، ‏وعدمية الوجود، إذ أقصى ما يطمحان إليه قد بلغاه فإذا هو جدارٌ صلبٌ تصطدم به السعادة . وهنا نلاحظ منفعة الحجاب إذ ‏هو يكشف لنا أن وراء اللذة بعداً روحياً نسمو إليه يخترق ذلك الجدار الصلب، وهو من حيث لا نشعر يحقق توازناً بين ‏الشهوة والحب أو قل بين اللذة والمسؤولية ، أو قل بين الرسالة والمتعة .‏
إن المجتمع الذي تحتجب نساءه مجتمع لا يعاني مطلقاً من الأمراض الجنسية ، ولا يعاني رجاله مطلقاً من البرود الجنسي ، ‏لأن المرأة المحجبة تحفظ لزوجها طاقته الجنسية وتعينه على تجديدها بشكل مستمر في لحظات انحجابها وانكشافها أمامه . ‏‏"" قال لي أحدهم : إنه يشعر بتجدد في علاقته مع زوجته كلما ارتدت حجابها وخرجت معه في نزهة أو زيارة ، وإنه يشعر ‏كأنه يراها لأول مرة حين يعودان إلى البيت فتخلع لباسها أمامه "" .‏



المطلب الثالث – العلة في فرضية الحجاب : ‏

لا يختلف اثنان على أن التشريع في الإسلام لا يصدر إلا عن القرآن والسنة، وقد وردت آيات وجوب الحجاب في القرآن ‏الكريم بوضوح لا يرقى إليه شك، ويمكن جمعها على النحو الآتي:‏
‏* (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ. وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ ‏مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ‏لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا ‏مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ ‏لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 30-31).‏
‏* (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ ‏لَّهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (النور:60).‏
‏* (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ ‏عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب: 33).‏
‏* (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ ‏فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا ‏فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَن تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا ‏إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا) (الأحزاب: 53).‏
‏* (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ ‏غَفُورًا رَّحِيمًا) (الأحزاب: 59).‏
وبالعودة إلى الآيات الكريمة التي وردت في شأن الحجاب، نرى أنها جميعا قد جاءت في سياق غض البصر وحفظ الفرج، ‏ويدل على ذلك ما تلاها من آيات تُفصّل آداب الاستئذان قبل الدخول، والحث على الزواج والإعفاف.‏
وعليه، فإن العلة الأولى للحجاب أو الخمار، هي إحصان المرأة وحفظ كرامتها بتغطية ما يثير شهوة الرجال من زينتها، ‏وذلك بستر سائر بدنها خلا الوجه والكفين، مع التأكيد على أن العفة تُناط أولا بالتربية وتزكية النفوس لكلا الجنسين، كما ‏قال تعالى: } ولباس التقوى ذلك خير { ، فيما تأخذ تغطية الزينة حكم الإجراء الاحترازي لدرء الفتنة، والتي لا تُقصر على ‏ضعاف النفوس فحسب، بل على المجتمع بأسره، إذ لا يخفى على أحد أن الغريزة الجنسية يستوي فيها العقلاء مع العامة، ‏والتاريخ حافل بقصص الخيانة الزوجية على جميع المستويات.‏

الغاية إذن هي مساواة المرأة بالرجل لا تمييزها عنه، فلمّا اختصت الزينة والفتنة بأحدهما دون الآخر، كان لا بد من مواءمة ‏الأحكام للفروق القائمة بينهما، ليلتقي كل منهما في إطار أعمالهما اليومية بما يضمن التقاء إنسان لإنسان، دون أن يشوب ‏هذه العلاقة ما يهبط بها إلى دركات الشهوانية المقيتة.‏

إزاء هذه الحقيقة نقول : من الذي ينظر إلى المرأة على أنها جسد؟ ومن الذي يقصر فكره ونشاطه على ما يجب كشفه أو ‏ستره من جسدها ؟.. أتراه ذاك الذي يعترف بحقيقة غريزته ويبني عليها حكما يلزم به نفسه ليحترم إنسانية المرأة، ‏وينصرف من خلاله عن التدني إلى مستوى التطلع إلى غاية شهوانية، أم هو ذاك الذي يصر على نفي وجود تلك الغريزة ‏وهو يعلم مكانها في نفسه، ثم يحكم على الرجال بضرورة التنزه عنها، مصرا على إخراج النساء اللاتي بقين مئات السنين ‏في خدورهن، وطرح غطائهن الذي لم يُثِر أي مشكلة طوال تلك القرون، فيأمر الرجال بالنظر دون شهوة، والنساء ‏بالاختلاط دون اعتراف بوجود أي نزوة؟

لقد رافقت الحشمة صورة المرأة منذ خُلقت وعاء للجمال والفتنة، فإذا كان هذا الغطاء الذي لا يمنع المرأة عن مزاولة ‏أعمالها والتمتع بحقوقها قد وقف حائلاً في وجه بعض من الرجال عن التمتع بزينتها، فلنبدأ إذن بإعادة صياغة أسئلتنا من ‏جديد، ولنتحلّ بالجرأة في تحديد ذاك الذي لا يرى من المرأة إلا جسدها، قبل أن يتحول مبدأ: "رمتني بدائها وانسلت" من ‏مجرد مشاغبة جدلية إلى حالة نفسية تطبع تياراً فكرياً عارماً بطابعها المثير للشفقة . ([6])‏
‏ ‏
‏ إن الموقف الغربي من الحجاب لا يمكن تفسيره إلا كلون من الحسد الحضاري، فلماذا المرأة المسلمة لا تزال تحتفظ بعفتها ‏وإنسانيتها ؟! لماذا لا تنخرط فيما انخرطت فيه المرأة الغربية من إباحية ومجون ؟ أليس الغرب اليوم هو الذي يقود زمام ‏الحضارة ؟ ألا ترى المرأة المسلمة كم تقدم الغرب وتفوق ؟ لماذا تصر على التحدي والمقاومة ؟ لماذا لا تقبل الانصهار ‏في الأنماط الغربية للممارسة الوجودية ؟ لماذا تصر على الاستقلال في وجودها وكيانها ورؤيتها وتفكيرها ؟ لمَ كل هذا ‏الإصرار على الهوية في عصر العولمة أو قل الأَوْربة أو الأَمْركة ؟ لمَ كل هذا التزمت والتعصب ؟!!‏
‏ فلتخرج إذن من بلادنا أو لتلبس لباسنا ولتتحلل كما تحللنا } وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم ‏أناس يتطهرون { [ سورة الأعراف آية : 82 ] .‏

أجل إن التطهر قوة ، والعفة قوة ، والمنحرف يتمنى أن لو كان الناس جميعاً مثله حتى يتخلص من عقدة النقص والشعور ‏بالغربة، فهولا يحب أن يرى أناساً يتمتعون بقوة الإرادة وهو ضعيف، ولا أناساً سعداء وهو شقي ، ولا يريد أن يرى أناساً ‏يقاومون تيار الانحراف في الوقت الذي انخرط هو فيه ، يريد أن ينجرف الجميع . ‏
إن فرنسا تعج بمشكلات كثيرة من أبرزها : الإدمان ، والشواذ ، والبطالة ، والجريمة ، ولم يلفت نظرها من كل هذه ‏المخاطر شيء ، فقط شعرت بالخطر من حجاب المرأة المسلمة ، وأصدرت قراراً بمنعه !! وقرار المنع هذا سيزيد من ‏المحجبات ، وحتى اللواتي لم تكن القضية ذات أهمية بالنسبة لهن سينتبهن لذلك، ويفكرن في أمر الحجاب ، وسر الحرب ‏ضد الحجاب، ولعل كثيراً من الغشاوات التي أثيرت حوله تزول مع البحث والسؤال، وإذ بالحرب على الحجاب تعود ‏لصالح الحجاب . والله أعلم بالصواب ،وإليه المرجع والمآب . ‏
‏} يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفسٌ ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ، ولا تكونوا كالذين نسوا الله ‏فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ، لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون { [ سورة الحشر ‏الآيات : 18-20 ] .‏
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين .‏
والحمد لله رب العالمين .‏
‏ ‏

د. أحمد إدريس الطعان
كلية الشريعة – جامعة دمشق


المراجع:‏
‏--------------------------------------‏
‏([1]) بيير داكو " المرأة ، بحث في سيكولوجية الأعماق " ص 17 – ترجمة : وجيه سعد – مؤسسة الرسالة ط 3 / ‏‏1412 هـ 1991 م .‏
‏([2]) السابق ص : 20 .‏
‏([3]) تذكر إحدى الفتيات الملتزمات أنها كانت ترتدي حجاباً ساتراً حين اضطرت للذهاب لإحدى الدول الأوروبية مع ‏أسرتها لعلاج والدها ، وفي المستشفى استأذنتها إحدى الممرضات في أن ترى وجهها، وحين شاهدته صدمت لأنها كانت ‏تعتقد أنها ستكون قبيحة أو بها عيب، فلما رأتها وسألتها عن سبب ارتدائها للحجاب.. شرحت لها أن الإسلام يعامل المرأة ‏كالجوهرة التي يجب أن تحفظ عن أعين الغرباء، تقول الفتاة : لقد استمعت تلك الممرضة بإنصات ثم أخذت تقول : أمر ‏جميل.. إنه أمرٌ رائع.. كم أتمنى لو أستطيع أن أكون هكذا.. إنني أعاني كثيراً من نظرات الجميع إلى تفاصيل جسمي فأشعر ‏وكأني مجرد دمية.. حتى هنا مثلاً.. حين أسير.. أشعر أن الكل ينظر إلى ساقيَّ قبل أي شيءٍ آخر!! .‏
‏([4]) ويظهر هذا التذمر من النظرة الدونية للمرأة حتى في حديث ميريل ستريب الممثلة الأمريكية الحائزة على الأوسكار ‏عام 1983م التي قالت في أحد اللقاءات الصحفية: في كل مرة كنت أذهب فيها إلى أحد الأماكن العامة كان الناس ‏يتفحصون مقاييس جسمي للتأكد من أنني جميلة وأستحق لقب أفضل ممثلة أمريكية، وبالطبع فقد كان هذا الأمر يزعجني ‏كثيراً ، لأني كنت أعرف بأن الناس ينظرون إليّ من أجل معرفة مقاييسي الجسمية فقط . ‏
وترفض ما يسمى بحركة تحرير المرأة قائلة: أنا لا أحب الأفكار السائدة اليوم عن المرأة. إنهم يرون أن المرأة المثالية هي ‏فقط تلك المرأة الرشيقة القوام . نقلاً عن " كتاب رسالة إلى حواء "رشيد العويد.‏
‏([5]) العالمة الألمانية زيغريد هونكه صاحبة الكتاب الشهير " شمس الله تسطع على الغرب" الذي بينت فيه أمجاد العرب ‏والمسلمين وفضل حضارتهم على النهضة الغربية، سئلت في أحد المؤتمرات الإسلامية عن نصيحتها للمرأة المسلمة التي ‏تريد خلع الحجاب، فقالت : لا ينبغي لها أن تتخذ المرأة الأوربية أو الأمريكية قدوة تحتذيها، لأنها بذلك تُفقد نفسها مقومات ‏شخصيتها. وإنما ينبغي لها أن تتمسك بهدي الإسلام الأصيل، وأن تسلك سبيل السابقات من السلف الصالح، وأن تلتمس ‏لديهن المعايير والقيم وتُكيفها مع متطلبات العصر، وأن تضع نصب عينيها رسالتها الخطيرة في كونها أم جيل الغد ‏العربي .‏
‏([6]) انظر : أحمد دعدوش " لماذا فرض الحجاب ؟ شبهات وأباطيل – مقال غير منشور .‏

التعليقات والردود

1
فاطومة
2008-06-28
حلومة
أصبحت المرأة المتحجبة تهان كرامتها وتجرد من أبسط حقوقهاالمشروعة

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال