هذا هو شأن كثير من علمائنا الأَجِلَّاء الذين نشَئُوا في جو القديم فعز عليهم أن يطرق آذانهم الجديد. يظنون أن آباءنا وأجدادنا عاشوا في عصر كان العلم فيه زاهرًا، فحرام علينا نحن أبناءهم أن ننقض رأيًا اتفقوا عليه، وأن نجادلهم في قضية أثبتوا صحتها في كُتُبهم، فليُلْقِ كل منا سلاحه أمام أدلتهم وبراهينهم مهما كان وثيق الحجة شديد اللداد.
وفلان يحترم آراء السالفين ويُجِلُّ أعمالهم وسعيهم في تحقيق كل ما وقع تحت عيونهم، ولكنه يَوَدُّ أن يكون له بعض ما كان لهم من الحرية في البحث والتنقيب، حتى يجيء الرأي الصائب ويموت الرأي الواهن مهما تسايرت أهواء الناس على صحته. كل له الحرية في البحث، وليس من العارِ أن يأتي الإنسان بفكرة شحذ لها غرار رأيه، وأثبت له غيرُه أنها غير صحيحة، وإنما العار كل العار أن يستقصي الإنسان في البحث عن رأي جديد، ثم يضِن به على قومه أو يضرب عنه صفحًا لأنه جديد لم يتفق على صحته أحد من السالفين.
لم يزل العلم في جو الطفولة بالرغم ممَّا أتى به علماء الماضي والحاضر، والحقيقة التي اتفقنا عليها ما زالت تحيط بها الشكوك والظنون. فإنْ تمسَّكْنا بالقديم كُنَّا كَمَنْ يريد أن يوقف تيار العلم، أو كمن يتنحى عن العمل لسواه، فيسبقه إلى التحقيق والبحث قوم آخرون، ويرجع هو وقومه القهقرى أمام أقدام الآخرين. وإنه لعار علينا في القرن العشرين أن لا نفيق من رقدتنا الطويلة بعد أن رأينا ما ضحاه الغربيون في سبيل إحياء العلوم وتحقيق كل غامض فيها.
لا نزاع في أن الفكرة الجديدة جميلة وإن كانت غير صائبة. أنت بلا شك تستقبح الجديد لأنك تُفاجأ به على غِرة قبل أن تأخذ له عدتك وتسحب له ذيلك، ولكنك في حِلٍّ من أن تتصحفه وتستوضحه وتقلِّب فيه خواطرك حتى تغرق في البحث فتقف على مكان الضعف والقوة فيه، وتكون حينئذ حرًّا في قبوله أو رفضه.
وأي خطر يداهم الأمة إن هي فوجئت بآراء جديدة؟
لا مشاحة في أن كل رأي صائب يبقى رغم أنف كل مستهجن له، وأن كل رأي فاسد يضمحل ويموت ويُنسى مهما كان معززًا، ومهما تمادى صاحبه في ضلاله وغلا في جهالته. لا تخف إن عاش الرأي الواهن حقبة من الدهر؛ لأنه يعيش وهو مهدد إلى أن يتغلب عليه الرأي الصائب، وما الدنيا إلا ميدان عِرَاكٍ يتصارع فيها أصحاب الحقيقة ومحبِّذو الجهالة، والله نصير الحق، فلا يلبث كل ذي صواب أن يفوز، ولا يلبث كل ذي خطأ أن يلوي عِنانه، ويقصر عن باطله، فتظهر الحقيقة ناصعة للناظرين
-------
١٠ أغسطس ١٩١٧
تعليق على مقال