هكذا جاء الفنّ التّشكيلي العربيّ متأخّرا نوعا ما، و قد يعود ذلك لعدّة عوامل و لعلّ أهمّها إلى جانب الهجمة الإستعماريّة المدمّرة لطمس معالم الهويّة العربيّة الإسلاميّة، هو غياب الثّقة في الموروث الفنّي و الجمالي الإسلامي و عدم قدرة مغلب المعاصرين على إستحداث هذا التّراث الثريّ و العظيم وتوظيفه جماليّا بشكل يتماشى و يتناسب مع متطلّبات الحياة المعاصرة نظرا لتضاؤل الإهتمام بالتّراث الفلسفي و الجمالي للحضارة الإسلاميّة و كيفية فهمه واستيعابه وتذوّقه في مراحل التّعليم المختلفة في ظلّ غياب البديل عن النّفوذ الثقافي الغربي.
كما يُعزى تراجع و أهميّة الفنّ التّشكيلي و تشتّت التّجارب الشّخصيّة في العالم العربي اليوم إلى عزوف مغلب المبدعين و التّشكيليين العرب عن تنمية القدرات الإبداعيّة و استيعاب التّراث كوحدة حضاريّة كاملة متكاملة تتضمّن كمّا هائلا من العلامات و الرّموز و الأشكال آلتي تنبني أساسا على فلسفة و أفكار تنبثق عن الدّين الإسلامي الحنيف و نظرته للعالم والوجود و الإنسان، و إنصرافهم نحو تقليد النّموذج الغربي، مع العلم أنّ كلّ تجربة تشكيليّة في العالم هي نتاج مؤثّر قويّ و ظرف معيّن و ليست وليدة الصّدفة أو الحظّ، و قد أكّد نقّاد الفنّ على دور و أهميّة الإختراعات العلميّة في فتح آفاق ورؤى فنيّة أكثر وأكثر رحابة.
و أمّا الأسباب الدّاخليّة الّتي تقف وراء هذا التشتّت و التغرّب الّذي تعيشه مغلب التّجارب التّشكيليّة العربيّة المعاصرة، فتتمثّل أساسا في تدخّل أطراف جانبيّة في مناهج كليّات الفنون لتحظّر بعض الموادّ الأساسيّة كما ذكرنا سابقا، حتّى صار الفنّ الإسلامي تائهًا مغتربًا في أوطانه، ممّا كان له أثر سلبي على الإنتاج الإبداعي العربي منذ مطلع القرن العشرين، كما أنّ عمليّة قمع حريّة الرّأي و الإبداع و العزوف عن إحياء التّراث الفنّي الإسلامي في الوطن العربي و محاولة ربطه بواقعنا التّشكيلي اليوم، لا تصدر عن استبداد السّلطات السياسيّة المناوئة و حسب، وإنّما هي ناتجة أيضا عن حركة التّزييف و التّزوير و الإستنقاص من قيمة المنظومة الفنيّة الإسلاميّة بدعوى ضرورة القطع مع كلّ عمليّة إرجاعيّة نكوصيّة و دغمائيّة، وهو خطاب إيديولوجي ممنهج للحطّ من قيمة الحضارة الإسلاميّة قصد خدمة أجندات أجنبيّة.
و على هذا النّحو ظلّ المبدع العربي يمتنع و يستجيب و ينساق و يختزل بين التّقليد و الإستحداث والتّجديد، ممّا ولّد صراعا قد احتدم بين الأصالة والمعاصرة على مستويات متفاوتة منذ بدايات القرن العشرين حتّى الوقت الرّاهن، و قد زادت الإيديولوجيّات المعاصرة الّتي أفرزتها الفلسفات الهدّامة والمتغطرسة إلى جانب السّياسات الإقتصاديّة الخاطئة الأمر تعقيدا بأن عملت على تضخيم التّفاوت بين الدّخول و التّباين في التّحصيل العلمي والثقافي، و قد يدفعنا ذلك صراحة في ظلّ غياب الرّغبة و النّجاعة إلى الشكّ في إمكان تحقق الحداثة العربيّة في مجال الفنّ و الجماليّات الّتي لا سبيل إلى تحقيقها على أرض الواقع فور استيراد التكنولوجيا المتقدّمة أو تبنّي الأفكار والفلسفات الجديدة و الغريبة إلى حدّ ما و إسقاطها مرّة واحدة و محاولة ترويمها بقسوة لا متناهية خصوصا تلك الّتي تتنافى أو ربّما تتناقض مبنى و معنى مع قيمنا الحضاريّة بل و حتّى الأخلاقيّة بغية إلحاق الفنون المحليّة بالعالميّة، و الحال أنّ الأمر لا و لن يتأتّى البتّة بمحاكاة الغرب و لا بتجاهل أهميّة التّفاعل مع المحيط الثقافي، لأنّ الحداثة عموما عليها أن تخرج من صلبنا مثل ما سعت جميع شعوب العالم الّتي نجحت في تصدير مختلف مقوّماتها الحضاريّة إلى بقيّة الدّول، و استطاعت في ظرف وجيز من أن تغزو الثّقافات الأخرى و تهيمن عليها بتعلّة التّبادل الثّقافي متخفيّة وراء قناع "المثاقفة"، وليس أدلّ على ذلك من الثّقافة الأمريكيّة الهجينة و الّتي نشأت من العدم و بفضل استراتيجيّات أهلها الفتّاكة أضحت في مدّة وجيزة قبلة كلّ منسلخ تائه ومفخرة كلّ متعجرف بائس،و أمّا العالم العربي، فعلى الرّغم من ضخامة تراثه الحضاري و أهميّته، إلاّ أنّه ظلّ و للأسف الشّديد حبرا على ورق ردمته أتربة الزّمان و النّسيان.
نخلص إذا إلى القول هنا بأنّ الفنّ التّشكيلي العربي اليوم و على الرّغم من أهميّته على مستوى طرح المواضيع و معالجة القضايا في إبّانها و توظيف الموادّ و التّقنيات بشكل متّزن يدلّ على إلمام كبير بالجانبين النّظري والعملي، إلّا أنّه ظلّ مشتّتا يفتقد إلى الوحدة حتّى لدى أبناء الشّعب الواحد، فلا نكاد نعثر على أيّ أثر لعوامل الوحدة الفنيّة بحيث ينزاح الخلاف و يصير الإختلاف تنوّعا خصوصا إبّان ما أصبح يُسمّى "بالرّبيع العربي"، حيث بانت الفروقات جليّة مباشرة، و لمّا كانت الأمم تحلم بلغتها كما قال الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، فإنّنا اليوم في حاجة ماسّة و ملحّة إلى إعادة النّظر في علاقة الممارسة التّشكيليّة العربيّة المعاصرة بالتّراث الجمالي الإسلامي عسى أن يُداهمنا يوما و نحن في حالة السّبات هذه حلم الإنسجام أو الإنصهار بينهما بعيدا عن هوس دهانقة السّياسة و طمع تجّار الفنون، و ليس ذلك بالمجاز كما أنّه ليس بالأمر الهيّن...
تعليق على مقال