بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

‏'التعايش مع المحتل'.. شعار المرحلة: 'تأصيل التخاذل ومهادنة الاحتلال'‏

2007-10-23 10216 قراءة مقالات رأي د. أحمد محمود السيد
‏'التعايش مع المحتل'.. شعار المرحلة: 'تأصيل التخاذل ومهادنة الاحتلال'‏
بين عشية وضحاها أصبح لفظ (التعايش ) أكثر الكلمات انتشارا في أوساط الدعاة والشيوخ والكتاب والصحفيين والإذاعيين ‏والإعلاميين عامة ابتداءً من أشهر داعية ومرورا بالعلماء الرسميين وانتهاء بالعلمانيين على اختلاف أنواعهم : المتطرفون ‏والذين يركبون موجة الإسلام المعتدل والإسلام الليبرالي ، ودعاة الوسطية وغيرهم ، حتى تحولت الكلمة إلى مفتاح سحري ‏يفتح باب الرضا الأمريكي والغربي على مصراعيه أمام كل من يقف متبلد الإحساس وهو يرى مشاهد الاعتداء والضرب ‏والقتل والتدمير والإهانة التي تمارسها قوات الاحتلال في حق أهلنا في العراق وأفغانستان وفلسطين والصومال والشيشان ‏وغيرها فلا ينتفض ولا يعترض.‏

إن ما يمارسه المحتل من بشاعة في حق شعبنا من سجن وتعذيب للرجال واغتصاب للنساء وترويع للأطفال ونهب للثروات ‏كفيل بأن يجعلنا نقف صفا واحدا أمام هذه القوة الغاشمة ندافع عن ديننا وعرضنا وأرضنا ولا نلتفت لدعوات الحوار الهادئ ‏التي لا يجئ وقتها إلا عندما أصبح النصر قاب قوسين أو أدنى ، فالحوار لن يحرر الأرض المغتصبة ولن يردع الأعداء ‏ولن يثأر للشهداء ولن يفرج عن الأسرى فالمطلوب أن تتعايش مع المغتصب لأرضك فلا ترد العنف بالعنف بل بالعقل ‏وتبادل المصالح!‏

تهافت العلماء والشيوخ والمؤسسات الإسلامية في تقديم تأصيل من الكتاب والسنة لهذا المصطلح الذي صنع على عين ‏أمريكا لتغييب العقل والوجدان المسلم ، فقد عرفه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية (في موسوعة المفاهيم حرف التاء)" ‏لغة : عايشه : عاش معه، عيَشه: أعاشه . تعايشوا : عاشوا على الألفة والمودة ومنه التعايش السلمي في معناه السياسي : ‏ويعني قيام تعاون بين دول العالم على أساس من التفاهم وتبادل المصالح الاقتصادية والتجارية. وقد اعترف الإسلام بتمام ‏حرية الإنسان في الإيمان بالله ، وفي تقدير الرسالة التي يؤمن بها ، وضمن له من جهة ثانية حرية التعامل مع أقرانه.‏

فحكم ببطلان كل عقد بين طرفين شاب الإكراه أحدهما ، أو قام على الخديعة لواحد منهما أو كليهما كما ترى في عقد ‏الزواج الذي هو عقد شخصي بحت إلا أننا نرى ما وصل إليه الإسلام في تقرير الحرية الشخصية للإنسان فله أن يعايش ‏الناس بأخلاقهم ، ويضمر في جناحه الإيمان بالله ، فروي عن وهب بن منبه أنه قال له رجل : إني هممت بالعزلة فما ترى ‏؟ قال لا تفعل، بك إلى الناس حاجة ، وبالناس إليك حاجة ، ولكن كن صموتا مطوقا ، أصم سميعا ، أعمى بصيرا فإنه لابد ‏للناس منك ولا بد لك منهم . وروي عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي قال : قال الله تبارك وتعالى يا داوود مالي أراك ‏خاليا : قال : رب العالمين قال أفلا أدلك على ما تستبي به وجوه الناس وتبلغ فيه رضاي ؟ قال نعم يا رب ، قال : خالق ‏الناس بأخلاقهم واحتجن الإيمان فيما بيني وبينك فهذا التعيش"). انتهى كلام المجلس الأعلى للشئون الإسلامية. ‏

أما المجلس العالمي للدعوة الإسلامية فقد سارع هو الآخر في وضع تعريف: (التعايش ذو أصول إسلامية من ناحية ‏ومعاصرة من ناحية أخرى :‏

‏" التعايش نتيجة طبيعية لحركة الحوار الهادف بين مكونات المجتمع المدني الحديث فيما بينها وبين أسس النظام الدولي ‏الجديد في مفهومه الجديد للدولة الحديثة.‏

ففي مصطلح التعايش نجد : أن المصطلح مشتق من فعل : تعايشوا على الألفة والمودة ومنه التعايش السلمي ، وعايشه : ‏عاش ومعه ،والعيش معناه الحياة وما تكون به الحياة المطعم والشرب والدخل ، أما مصطلح الفقه : فهو معرفة الشرعية ‏الجزئية من أدلتها التفصيلية ، من مثل أحكام الطهارة و النجاسة والعبادات والمعاملات وأحكام الزواج والطلاق والرضاع ‏وغيرها . وفقه الحوار أو فقه التعايش : هو معرفة حكم الشرع في حركة الحوار وعملية التعايش وحدودها وضوابطها .هذا ‏من جهة ، ومن جهة أخرى : فقه التعايش معناه عند الأقليات المسلمة - خصوصا – مدى توافق الأحكام الشرعية مع ‏معايشتها مع أهل الديانات السماوية ، والفلسفات الوضعية ومكونات المجتمع المدني عموما ، وما هي مقاصد التعايش من ‏رؤية إسلامية : هذا التعايش الذي لا يعني فرض النمط الواحد من التفكير والسلوك أو التنازل عن الحق أو توزيعه على ‏المتعايشين بنسب متساوية ، بل يعني في الرؤية الإسلامية احترام الحقوق والخصوصيات . فالصورة المثلى للتعايش هي ‏صورة دولة المدينة التي كان اليهودي والنصراني يعيشان فيها بأمان إلى جنب المسلم في كنف الدولة الإسلامية ، وكان ‏الحبشي والرومي والفارسي يتمتعون فيها بكل حقوق المواطنة كالعربي تماما).‏

تأسيسا على ذلك قام الاحتلال بإنشاء جمعيات ونوادي ومنتديات ومؤسسات ومؤتمرات و برامج إعلامية في الفضائيات ‏التلفزيونية والإذاعية للدعوة للتعايش في الدول العربية والإسلامية وكذلك في أمريكا وأوروبا هدفها إثراء هذه الدعوة ‏وإقامة اللقاءات والفعاليات والأعمال الخيرية التي تجمل من صورة الاحتلال وتدعو لقبول التعايش معه ولو بصفة مؤقتة ‏إلى حين خروجه وذلك لتأمين انسحابه وتوطيد العلاقات معه في فترة ما بعد خروجه و لضمان استمرار المصالح ‏والمكاسب التي جناها أثناء فترة الاحتلال. هذه بعض النماذج لجمعيات ونوادي للتعايش في ساهم الاحتلال في إنشائها :‏


‏1- ( بيت التعايش للشرق الأوسط ).. جمعية أنشئت في جامعة "رتغرز" بولاية نيو جيرسي بالولايات المتحدة على أن ‏تكون لها فروعا شبيهة في الجامعة الأمريكية في الدول العربية والإسلامية مثل القاهرة وبيروت وعمان وغيرها . أسست ‏هذا البيت ( دانييل جوزفس ) للمساعدة في حل الأفكار الخاطئة عن الإسلام والمرأة المسلمة وفهم حقيقة الحرب الأمريكية ‏على الإرهاب ، هذا البيت تجتمع فيه فتيات مسلمات ويهوديات ومسيحيات ، يتعلمن من بعضهن بعضا من خلال العيش ‏معا. ‏

‏2- المركز الأردني لبحوث التعايش الديني : يقدم المركز برامج للنشر ثقافة التعايش المبنية على الاحترام المتبادل بين ‏المؤمنين بالله الواحد من أتباع الديانات الثلاثة الإسلام المسيحية اليهودية ، ونشر ثقافة احترام الآخر وقبول المخالف في ‏العقيدة وفهم طبيعة الصراع ضد القوى المعادية للحضارة والإنسانية .‏

‏3- مدرسة السلام للتعايش :جمعية أسسها إسرائيليون وفلسطينيون وأمريكيون ومكانها القدس تعمل بشكل كبير في إطار ‏الطلاب الجامعيين فتقوم بإعداد تجمعات خدمية مثل مشروع وادي عربة لدراسة البيئة حيث يقيم الطلاب في كلية وادي ‏عربة داخل الحرم الجامعي المتواجد في كيبوتس (مستعمرة) "كيتورة" وهو برنامج دولي تضم المجموعة التي تدرس فيه : ‏عشرة أمريكيين وعشرة إسرائيليين ثمانية يهود واثنين فلسطينيين ، وستة أردنيين ليكون المجموع 26 مشتركا يتشربوا ‏فلسفة التعايش من خلال المعايشة الكاملة والعمل في خدمة البيئة والدعوة للسلام ونبذ العنف. ‏

‏4 - منظمة نساء لأجل التعايش : منظمة تأسست في الأراضي الفلسطينية المحتلة بهدف التقريب بين نساء يهوديات ‏وفلسطينيات داخل الدولة العبرية وقبول مبدأ التعايش مع الاحتلال الإسرائيلي باعتبارهم مواطنين في دولة واحدة ( منتهى ‏التناقض التعايش مع العدو الإسرائيلي في ظل جدار الفصل العنصري ) ، تقوم بزيارات تعاطف ونشاطات بهذه الروح في ‏المناطق الفلسطينية المحتلة . عضوات المجموعة نشيطات يشاركن بكل نشاطات التحالف والتعايش من خلال علاقات مع ‏مؤسسات خيرية مثل بيت اليتامى في طولكرم ومؤسسة الأطفال المرضي العقليين . تجمع التبرعات في الأعياد لشراء ‏الهدايا للأطفال وتقديم المساعدات للمحتاجين . ‏

‏5 - منتدى الحوار من أجل التعايش : أسس المنتدى في الكويت م أجل تعميق أسس التعايش بين المسلمين والمخالفين لهم ‏في الدين من اليهود والنصارى ومن أجل إدارة الحوار الفكري مع الغرب وفهم حقيقة الصراع بيننا وبين أمريكا وأوروبا. ‏يقيم المنتدى مؤتمرات وبرامج إعلامية وكتب تخدم هذه القضية .‏

هذه المنظمات وغيرها كثير تقوم بهذا الدور نيابة عن الاحتلال وهو عملية تغييب وعي المسلمين وتخدير عقولهم ليقبلوا ‏التعامل مع المحتل كما لو أنه صديق وتقديم كل الأولويات على مسألة خروج المحتل فضلا عن مهادنة العدو وعدم ‏استعدائه. يجب أن يظل المسلمون في حالة استنفار حتى خروج المحتل وعودة الحقوق إلى أهلها وإلى أن يحدث هذا أدعو ‏من يشاهدون برنامج "دعوة للتعايش" أن يشاهدوا أيضا برنامج ( لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) أو يسترجعوه من ‏الماضي إذا لم يجدوه.‏

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال