بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

التلفزة وصناعة الرأي العام

2007-08-16 11846 قراءة مختلفات محمد يوسف عدس ‏
التلفزة وصناعة الرأي العام
ربما نتساءل ما هذا الرأى العام الذى يُراد صياغته ؟..‏
دعك من كتب علم الاجتماع أو علم النفس الاجتماعى وتعالَ لنرى كيف يعرفه صناع الرأى العام .. يقول فولترليبمان ‏ببساطة وتسطيح شديدين : "الرأى العام هو الصور التى فى رءوس الناس عن أنفسهم وعن الآخرين وعن احتياجاتهم ‏وأهدافهم" .. فمن يصنع هذه الصور ؟.. والإجابة ببساطة شديدة وواقعية : إنه الإعلام المسموع والمنظور .. لاحظ أن ‏الأشخاص الذين اكتسبوا شهرة خلال الإعلام يصبحون هم قادة الرأي العام .. من الشخصيات الرياضية والفنانين والفنانات ‏وكل من ينصّبه الإعلام نموذجاً أو بطلاً من أبطال الرأى العام .. هؤلاء هم الذين يحددون للناس أفكارهم وأذواقهم ، بل ‏ومواقفهم فى أعقد القضايا والمشكلات السياسية .‏
‏ ‏
ومن ثم يؤكد لنا "ثيودور أدرنو" المهندس الاجتماعى لمدرسة فرانكفورت "إن قدرة الأمريكيين على التفكير سوف يتم ‏تدميرها تماما حينما تنجذب غالبتهم لقضاء وقت فراغهم أمام أجهزة التليفزيون" .. كتب أدرنو هذا الكلام فى خمسينيات ‏القرن العشرين ، وهو فى غمرة حماسه بأفكاره الجديدة فى السيطرة على البشر ، ولم يكن للتليفزيون -فى ذلك الوقت- هذا ‏الانتشار وتلك السطوة التى أصبحت له الآن !!.. واليوم يكشف لنا خبراء الحرب النفسية عن علم جديد غريب يطلقون عليه ‏اسم صناعة الضحايا وهو علم طوّره معهد "تافستوك" بلندن .. ويقوم على أساس نظرية أنه من الممكن إحداث حالة من ‏الفزع المقيم للأشخاص بمواصلة تعريضهم لصور ومناظر أفلام العنف السينمائى ..‏
وقد تجاوزت المسألة مرحلة التنظير والتفكير الأكاديمى إلى التطبيق العملى .. فهناك الآن مؤسسات متخصصة ومراكز ‏منوط بها اتخاذ قرارات على أساس يومى أو اسبوعى لتحديد ماذا ينبغى للشعب الأمريكى أن يعرفه ، وماذا لا ينبغى له ‏معرفته ؟.. ماذا من الأخبار والقصص ستُعرض عليه ؟.. وماذا منها لن يرى النور أبدا ؟!.. ‏
إنها عملية تجهيل للشعب الأمريكى والتلاعب به لم يسبق لها مثيل فى تاريخ الإنسانية .. أسوق إليك فى هذا الإطار ما ‏سمعته من خبيرة عربية فى الأمم المتحدة صرحت فى لقاء لها على إحدى الفضائيات .. قالت : لقد ذهلت وأنا فى إحدى ‏المؤتمرات أن مثقفة أمريكية لم تسمع مطلقا عن شئ اسمه معتقل جوانتانامو إلا أن جوانتانامو هذه منتجع سياحى على ‏البحر يتمتع بشمس مشرقة ودفء دائم !!.. ويقول خبير عربى فى برنامج آخر : لقد هالنى أن نسبة كبيرة من الأمريكيين ‏يعتقدون أن الفلسطينيين هم المحتلون لأراضٍ إسرائيلية وأنهم هم المعتدون والمغتصبون .. ويعزو هذا إلى أن الإعلام ‏الأمريكى قد حجب عنهم الحقائق ، ولم يسمح إلا بنشر آثار العمليات التى يطلق عليها "انتحارية" فى الأراضى الإسرائيلية ‏، أما جرائم إسرائيل الوحشية على الشعب الفلسطينى كل يوم فلا تظهر أبداً على شاشات التلفزة الأمريكية .‏


عقول ميتة :
تأتى فى هذا المجال دراسات مُستفيضة عن تأثير التليفزيون على الجهاز العصبى للإنسان .. وقد ظهرت لنا أن تكرار ‏مناظر معينة فى التليفزيون تسببت فى إغلاق جهاز التفكير المركزى فى المخ تماما .. وفى دراسات أخرى أثبتت أن ‏الإدمان على مشاهدة البرامج التليفزيونية من شأنها إضعاف القدرة على التفكير النقدى لما يُعرض على شاشة التليفزيون .. ‏ويرى أصحاب هذه الدراسات أن مجرد ورود الصور على الشاشة خصوصاً إذا كانت فى سياق برنامج إخبارى أو وثائقى ‏يجعل لهذه الصورة مصداقية ، ويخلع عليها شعورا بأنها هى الواقع الحقيقى .. ولم ير أصحاب هذه الدراسات ما يستوجب ‏الاستهجان أو الاستنكار ، بل يعترفون بأن التليفزيون ينتج أجيالاً من الناس بعقول ميتة .. وأن هذا أنسب وضع لنجاح خطة ‏كوكبية أكبر للسيطرة الاجتماعية تقوم بدراستها مؤسسة تافستوك وفروعها فى العالم .‏
تريست وكنج (من معهد) تافستوك يحثان على شن حملة لإعادة تربية البشر لكسر آخر معاقل المقاومة الوطنية لصالح ‏العولمة والنظام العالمى الجديد ..‏


الفاشية الناعمة :
‏ ‏
فى سنة 1981 قدم "برْترام جروس" ورقة إلى "مؤتمر المستقبل" أشار فيها إلى ولادة لنظام عالمى جديد .. قال : فى الأيام ‏القادمة سوف يطرح على العالم ما يسميه معهد تافستوك بـ "الاختيار الحاسم" وهو اختيار بين عدد من البدائل كلها سيئة .. ‏ولكن بسبب الرعب الذى سيسود فى ذلك الوقت وتحت ضغوط أحداث متلاحقة فيسضطر الناس إلى اختيار أقل البدائل ‏سوءاً .. وهو يرى أن المجتمع الصناعى الغربى فى طريقه إلى التمزق والانفجار .. وسيؤدى هذا إلى فوضى عارمة .. ‏تؤدى بدورها إلى ظهور نظام فاشى استبدادى .. إما على النمط الذى ظهر فى ألمانيا النازية أو نظام أكثر إنسانية يمكن ‏تسميته "الفاشية الناعمة".‏
ويعتقد جروس أن هذا النوع الثانى من الفاشية هو الاختيار الأفضل .. وذلك لأنه يتضمن مشاركة جماهيرية وحرية أكثر .. ‏وسيكون هو الديمقراطية الحقيقية المتاحة لأكبر عدد من الناس .‏
لا يزعم جروس أنه نظام خالٍ من المعاناة والآلام .. تلك هى الفاشية الناعمة التى ستغرق المجتمعات البشرية بنظام ‏معلومات كونى يشتمل على شبكات هائلة من تلفزة الكابلات والفضائيات والأقمار الصناعية وشبكات الحاسبات الآلية .. ‏فمن سيدير هذه الفاشية الناعمة ؟..‏
‏ ‏
يقول جروس : "إنهم نخبة عالمية مستنيرة من أبرزهم أصحاب صناعة وتكنولوجيا الاتصالات متعددة الجنسيات .. مصادر ‏تمويلها عالمية .. وستحكم هذه النخبة كتلا هائلة من الجماهير مُستمرة ليلها ونهارها أمام شاشات التلفزة .. هذا النوع من ‏الجماهير يمكن كسبهم بسهولة كرعايا طيبين للنظام العالمى الجديد .. وذلك عن طريق إغوائهم بالمسلسلات والبرامج ‏المسلية .. وإغراقهم بطوفان من المعلومات والتفاصيل التى لا حصر لها لا تسبب لهم إلا الارتباك والحيرة ، ثم التبلد ‏الذهنى المزمن .. ومادمنا استطعنا كسب هذه الأعداد الهائلة من الجماهير الغائبة عن الوعى - من خلال الإعلام والتعليم - ‏فإن المقاومة التى ستبديها الفصائل الوطنية المعارضة أو المتمردة سوف تنهار".‏
انتهى الاقتباس من كلام "برترام جروس" .. ويبدو أن الأمر ليس فيه "هزار" وإنما هو جدّ كل الجدّ .. ففى سنة 1989 أقام ‏معهد تافستوك ندوة فى جامعة "كيس وسترن رزيرف" الأمريكية لمناقشة أساليب تحقيق "فاشية عالمية بلا دولة" .. وفى ‏سنة 1991 كرّس معهد تافستوك مجلة "العلاقات الإنسانية" لأبحاث هذا المؤتمر الذى ترددت فى أوراقه الدعوة إلى تسخير ‏الإعلام الجماهيرى لتحقيق مشروع الفاشية الناعمة !!..‏


قتل المستقبل :
‏ ‏
تساءل بعض المفكرين عن الإدمان التليفزيونى قال : تُرى ماذا سيحدث عندما يشبّ هذا الجيل من الأطفال المدمنين على ‏مشاهدة التليفزيون ويتولى السلطة فى بلادنا؟ هل سيكونون مؤهلين للقيام بهذه المهمة ؟ هل سيكونون قادرين على التفكير ‏ومعالجة المشكلات ؟
استبعد إمرى وأصحابه السؤال من أساسه بحجة أنه سيكون هناك وقت كافٍ لتدريبهم على الحكم !!.. ولم يبق السؤال معلقا ‏بلا إجابة شافية حتى جاء "لينتز" .. وكان أستاذاً فى جامعة ولاية بنسلفانيا .. جاء ليحذّر الأمة بأن مستقبلها كارثى ، فقد ‏لاحظ خلال دراسته لمهارات القراءة والكتابة عند الطلاب أن الإعلام الجماهيرى والتليفزيون بصفة خاصة قد دمّر هذه ‏المهارات تماما ، فلم يعد معظم الطلبة يكتبون كتابة منطقية متماسكة ولا يتكلمون بعقلانية .. لا لقصور فى برامج التعليم ، ‏ولكن لأنهم ليس لديهم الرغبة فى التفكير أصلا .. فقد رسخ التليفزيون فى عقولهم أن الصورة .. والصورة وحدها هى ‏الحقيقة وهى المعرفة المنشودة .. وما عداها فلا شئ .. لا أسئلة ولا استفسارات ولا جهد للتعمق فى عقول الآخرين ‏وأفكارهم .. وإنما الصورة فقط وما يدور حولها من تعليقات.‏
وينتهى لينز إلى هذه الخلاصة فيقول :‏
‏ ‏
‏"لأننا سلمنا رءوسنا وأنفسنا لهذا الوهم الذى يصنعه التليفزيون فإننا سائرون حتما إلى جنون جماعى ، سيكون له انعكساتاته ‏المنظورة وغير المنظورة على مستقبل هذه الأمة .. سوف نبدأ نرى أشياء لا وجود لها فى الواقع .. وسوف نسلم لغيرنا أن ‏يصنع لنا الوهم -على أنه هو الحقيقة- والنتائج لكل ذلك مروّعة".‏
يرى لينتز أن النتائج ستكون مروّعة ، ولكن الذين يرسمون الخطط للسيطرة على البشر، والذين يروجون لفكرة الفاشية ‏الناعمة يرون الأمور بمنظار آخر .. فهذه الشخصية السلبية المسلوبة الإرادة التى طرحت التفكير المنطقى والنقدى جانبا ، ‏والتى تعتمد على آخرين ليصنعوا لها قراراتها ويرسموا مستقبلها هى الشخصية المطلوبة، والتى يعملون على صنعها من ‏خلال وسائل الإعلام .. لاشك أنها الشخصية التى تتوافق تماما مع منظومة "الفاشية الناعمة" أو الديمقراطية الموهومة .‏


الوهم الضرورى :
‏ ‏
الذى استخدم هذه العبارة هو "راينهولد نيبور" ، وخلاصة فكرته هى : أن غالبية الجماهير من العوام والجُهّال .. وبحكم هذا ‏الوضع فهم غير قادرين على التفكير الذى يستند إلى المنطق والتحليل خصوصية لا يتمتع بها إلا النخبة .. وهؤلاء عليهم ‏خلق هذا "الوهم الضرورى" القائم على التبسيط والعاطفية من ذلك النوع الذى تبثه وسائل الإعلام عن طريق الصور ‏المكرورة والقصص الخيالية وبرامج التسلية اللاهية .‏
وهكذا يرى راينهولد أن الجمهور العام لا قدرة له على صناعة قرارات معقولة .. فهم لا يعرفون ماذا يحتاجون .. ومن ثم ‏فإنه من غير الأخلاقى ولا اللائق إشراكهم فى الشئون العامة ، فإن هذا يشبه السماح لطفل ذى ثلاث سنوات أن يلعب بسكين ‏المطبخ .. وحتى لا يتورط هؤلاء العوام فى مشاكل لا قبل لهم بها يجب علينا إلهاؤهم والحيلولة بينهم وبين الإنشغال بالشأن ‏العام.‏
فمن يصنع القرارات إذن ؟ ... يجيب راينهولد : إنهم النخبة من الفئات المتخصصة .. القلة الذكية .. هؤلاء المراقبون ‏الهادئون هم القادرون على اتخاذ القرارات التى تخدم مصالح أصحاب السلطة الحقيقية .. والمقصود هنا هم كبار رجال ‏الأعمال والمال المسيطرون على الاقتصاد والسياسة .‏
‏* يرد إلى ذهنى فى هذا السياق تصريح أدلى به سياسى عربى فى أول زيارة له بعد مبايعته رئيسا للدولة - عندما سأله أحد ‏الصحفيين عن موقفه من الديمقراطية فى بلاده ، وهل تتوقف السلطات عن تزييف الانتخابات والخضوع لإرادة الشعب ؟ ‏
فأجاب الرجل ساخراً : أنت تتحدث عن بلادى وكأنها أمريكا .. يجب أن نفهم أن أكثر من نصف شعبنا أمى لا يعرف ‏القراءة والكتابة (لعله نسى أن أكثره غارق فى مشكلات الفقر والبطالة) .. ثم تابع قائلاً : فماذا تتوقع أن تكون صورة ‏الديمقراطية التى يمكن أن يختارها .. ! هكذا تفكر النخبة المتسلطة على الحكم فى بلاد العرب ، إنهم لا يفكرون حتى فى ‏‏(الفاشية الناعمة) فهذا ترف لايقدرون عليه ، ومالديهم هو فاشية من العيار الثقيل ..! ‏


القبول المصنوع :‏ ‏

‏(والتر ليبمان) يضيف إلى فكرة (الوهم الضرورى) فكرة (القبول المصنوع) فهو يرى أنه فى المجتمعات الديمقراطية لا ‏تستطيع أن تتحكم فى الناس بالقوة كما تفعل السلطات المستبدة فى بلاد العالم الثالث التى لا تمارس الديمقراطية ..ولكن ‏عليك أن تتحكم فى تفكيرهم .. وهو يؤمن أن هذا من صميم النظرية الديمقراطية الليبرالية ، فى هذه الديمقراطية يجب أن ‏يسمع صوت الجماهير .. ومن ثم عليك أن تتحكم فى صناعة هذا الصوت مسبقاً بحيث يأتى مطابقاً لما تتوقع منه بمحض ‏إرادته وحريته ...! ‏
‏ ‏
يتسق مع هذا التوجه اعتقاد (ليبرمان) أن الجماهير العامة ليسوا إلا قطعانا هائمة - وعلينا أن نحمى أنفسنا من غضبة هذه ‏القطعان .. وهذا لا يتأتى إلا عن طريق صناعة القبول أو (هندسة الموافقة) .‏
هنا يميز بين فئتين من الناس : النخبة الحاكمة والجماهير المحكومة .. ويرى أن كل فئة تحتاج إلى نوع مختلف من التعليم ‏والإعلام .‏
‏ ‏
فالنخبة المتميزة لابد أن يكون لديها فكرة دقيقة عن العالم حتى لايتخذوا قرارات خاطئة .. ولابد لهم أيضا أن يتشربوا عقيدة ‏ما قبل أن يبدءوا عملهم فى خدمة الكبار .. فسواء كانت هذه النخبة ممن سيديرون سياسات الدولة أو من فرق المثقفين الذين ‏يروجون لها ... يجب أن تكون عقيدتهم هى خدمة مصالح الأسياد الكبار .. ومن أجل ذلك فقط يسمح لهم بالاطلاع على ‏وسائل المعرفة الخاصة بالنخبة.‏
أما بالنسبة للجماهير العامة فإن وسائل الإعلام الموجهة إليهم تلعب معهم دورا مختلفاً ، فهؤلاء يجب وضعهم خارج دائرة ‏الاهتمامات الحقيقية الجادة ... إنهم يمثلون من 80 إلى 90 فى المائة من الشعب .. وعلى وسائل الإعلام إلهاؤهم بالأفلام ‏والمسلسلات ونجوم الكرة والموسيقى والغناء حتى لا يفكروا فى المشاركة فى صنع القرارات السياسية ...‏
‏ ‏
ويكمل دور التليفزيون وسائل تسلية أخرى كثيرة من منتجات الثقافة الشائعة فى عصرنا الحاضر من : كاسيت و"سى دى" ‏و"دى فى دى" .. وكلها من حيث الشكل والمحتوى تتبع نمطا واحدا .. وكلها تستهدف خلق جمهور من الناس مجرد من ‏التفكير ومن القدرة على النقد .. مستهلك سعيد ببضاعته حتى لو كان محتواها مجرد نفايات ضارة .. إذ يبقى تأثيرها على ‏عقول الناس وعواطفهم جد خطير .‏
ويمكرون ، ويمكر الله والله خير الماكرين ‏
‏ ‏
محمد يوسف عدس ‏
مستشار سابق بهيئة اليونسكو
لندن

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال