بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

النفوذ اليهودى في فرنسا

2007-06-22 12343 قراءة مقالات رأي أحمد سعيد نوفل- الجزيرة نت
النفوذ اليهودى في فرنسا
برز النفوذ اليهودي في فرنسا خلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة من خلال التأييد الكبير الذي لقيه من اليهود ‏الفرنسيين مرشح اليمين الفرنسي "نيكولا ساركوزي"، الذي تبين أنه من أم يهودية وأن زوجته هي الأخرى يهودية؛ ولهذا ‏فقد توقع المراقبون حدوث تغيير في الموقف الفرنسي من القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية بسبب الدور الذي ‏من المكن أن يلعبه اللوبي اليهودي الفرنسي في السياسة الخارجية الفرنسية، علماً بأن عددهم لا يتجاوز حاليا 700 ألف ‏يهودي، بالمقارنة مع عدد العرب والمسلمين الذين يتجاوزون ستة ملايين من أصل ستين مليون فرنسي، ولكن اليهود هم ‏الأكثر تنظيما ونفوذا بين الطوائف والأقليات في فرنسا‎.‎

وعند استعراض تطور وجود اليهود في فرنسا، نجد أن عددهم لم يتجاوز عند قيام الثورة الفرنسية في عام 1789 أربعين ‏ألف يهودي، من أصل 26 مليون فرنسي. وفي عام 1810، أي بعد الثورة الفرنسية التي منحتهم حقوقاً متساوية مع بقية ‏الفرنسيين ارتفع عددهم إلى 46583 يهوديا‏‎.‎

وحسب إحصائية صدرت من الجالية اليهودية، فإن 115 ألف يهودي قد جاؤوا إلى فرنسا، بين عام 1880 و1939، إذ ‏وصل 30 ألف يهودي بين 1881-1914، و85 ألفا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، فأصبح عددهم في عام 1939 ‏‏270 ألف يهودي‏‎.‎

إلا أن هذا الرقم انخفض بعد الحرب العالمية الثانية إلى 150 ألفا، ثم عاد وارتفع بين 1954-1961 بسبب وصول مائة ألف ‏يهودي من مصر وتونس والمغرب‎.‎

وبعد توقيع اتفاقية أيفيان بين فرنسا والجزائر في مارس عام 1962، وصل 20 ألف يهودي من الجزائر. وأصبح عدد ‏اليهود في فرنسا حاليا، في المقام الرابع بعد الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا، وأعلى نسبة في أوروبا الغربية. إذ يوجد ‏الآن نحو سبعمائة ألف يهودي في فرنسا من أصل 15 مليون يهودي في العالم‏‎.‎

ويوجد نصف اليهود الفرنسيين في العاصمة الفرنسية، إذ يعيش فيها من اليهود أكثر مما يعيش في القدس‎.‎

النفوذ اليهودي في فرنسا

يعود بداية ظهور النفوذ اليهودي في فرنسا إلى الثورة الفرنسية، إذ أصدرت الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1791، قانوناً ‏لتحرير اليهود الفرنسيين ومنحهم حقوقاً مساوية لغيرهم كمواطنين، وألغيت القوانين المقيدة لحرياتهم ونشاطاتهم‎.‎

وكان نابليون أول من فكر عملياً في إنشاء دولة يهودية تابعة للإمبراطورية الفرنسية في فلسطين، طمعاً في مساعدتهم له ‏في حملته لغزو الشرق‎.‎

كما طلب من اليهود الفرنسيين أن يعقدوا أول مجمع لحكمائهم في "سان هدريان" لكي يقرروا إنشاء دولة يهودية تصبح ‏تابعة للنفوذ الفرنسي، حتى يسيطر على الطريق الإستراتيجي لتجارة الشرق مع الغرب، وطمعاً في تحطيم النفوذ البريطاني ‏في الشرق‎.‎

إلا أن هذه الفكرة لم تنجح، بسبب فشل نابليون في حملته على سوريا وفلسطين‎.‎

وظهر النفوذ اليهودي في قضية الضابط اليهودي "دريفوس" الذي اتهم بنقل أسرار عسكرية إلى السفارة الألمانية في ‏باريس. وصدر الحكم على هذا الضابط في 22 ديسمبر/كانون الأول من عام 1894، بتجريده من رتبته العسكرية، وطرده ‏من الخدمة، وسجنه مدى الحياة في جزيرة الشيطان‎.‎

وأثار أمر هذا الضابط الرأي العام الفرنسي الذي اعتبره خائناً في حق الوطن، وشغل الصحافة والمسؤولين، وسقطت ‏وزارات عدة بسببه، كما انتحر العديد من المسؤولين آنذاك‎.‎

ولعب اليهود الفرنسيون دوراً كبيراً في تصعيد الأزمات التي أثارتها القضية في الحياة السياسية في فرنسا. كما استغلها ‏زعيم الحركة الصهيونية تيودور هرتزل الذي كان مقيماً في باريس في ذلك الوقت، لإثارة المشاعر في فرنسا وأوروبا لدى ‏اليهود لأنهم عللوا أسباب القضية بمعاداة السامية عند بعض المسؤولين‎.‎


وأثار الروائي الفرنسي المعروف "إميل زولا" قضية دريفوس في كتاباته حين هاجم المعادين للسامية في فرنسا‎. ‎

وخضعت الحكومة الفرنسية للضجة التي أثارها اليهود وأصدقاؤهم، وجيء بالضابط من منفاه، وأعيدت محاكمته، وصدر ‏قرار ببراءته من التهم الموجهة إليه، ومنح وسام الشرف، كما أعيد للخدمة في الجيش من جديد‎.‎

واعتبرت قضية "دريفوس" مثالاً على النفوذ اليهودي في فرنسا الذي بدأ يقوى ويشتد، والذي استطاع تحويل قضية ضابط ‏اتهم بالخيانة إلى ضابط حكم عليه بالبراءة ومنح وسام الشرف‎.‎

واستغل اليهود الفرنسيون القضية بعد ذلك بسنوات، من أجل أن توافق الحكومة الفرنسية على خططها في إقامة "الوطن ‏القومي اليهودي" في فلسطين. واستطاعوا إقناعها بإصدار وعد كامبو، الذي اعتبر اعترافاً رسمياً من قبل فرنسا بالحركة ‏الصهيونية يشبه وعد بلفور‎.‎

وصدر الوعد بعد لقاءات عدة تمت بين سوكولوف -وهو أحد زعماء الحركة الصهيونية وممثلها في باريس- ورئيس ‏الوزراء الفرنسي "ريبو" والسكرتير العام لوزارة الخارجية "جول كامبو‎".‎

وطالب "سوكولوف" أن تصدر الحكومة الفرنسية بياناً كتابياً تعبر فيه عن عطفها على أهداف الحركة الصهيونية فيما ‏يختص بقيام دولة يهودية في فلسطين. واستجابت الحكومة الفرنسية ونشرت في الرابع من يونيو/حزيران 1917، إعلانا ‏صريحا عبرت فيه عن عطفها على المخطط الصهيوني بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين التي نفي منها "شعب ‏إسرائيل‎".‎

وخضعت منذ ذلك الوقت معظم الحكومات الفرنسية للابتزاز اليهودي، خوفا من اتهامها باللاسامية‎.‎

تنظيم اليهود الفرنسيين

تمتاز الطائفة اليهودية في فرنسا عن الجالية العربية والإسلامية بأنها الأكثر تنظيماً وتجاوباً مع التنظيمات المتعددة التي ‏ترتبط بعضها مع البعض الآخر‎.‎

والتنظيمات اليهودية موجودة على جميع الأصعدة، الثقافية والسياسية والاقتصادية والدينية والقانونية والطلابية، وحيثما ‏يوجد تجمع يهودي فهناك تنظيم أو اتحاد يربط بعضهم ببعض‎.‎

وتوجد مائة جمعية واتحاد وتنظيم يهودي وصهيوني في باريس وحدها إلى جانب وجود مكاتب لمختلف الأحزاب السياسية ‏الموجودة في إسرائيل‎.‎

ومن أشهر هذه المنظمات "الحركة الصهيونية في فرنسا"، و"مجلس المثقفين اليهود من أجل "إسرائيل" في فرنسا". ‏ودخلت العديد من المنظمات اليهودية في تنظيم موحد منذ عام 1977 تحت اسم "المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في ‏فرنسا‎ Le Conseil Representatif des Institutions Juives de France (CRIF)" ‎الذي يرأسه آلان روتشيلد‎.‎

وبالرغم من النفوذ اليهودي القوي في فرنسا، والمتداخل في مجالات عدة فإنه أقل من النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة. ‏ويعود ذلك إلى عدد اليهود في كل بلد‎.‎

إلا أنه من الملاحظ أن النفوذ اليهودي في فرنسا هو أكبر نفوذ يهودي في أوروبا. وهذا النفوذ قديم ومرتبط بالحياة اليهودية ‏في المجتمع الفرنسي، وقد ازداد بعد قيام إسرائيل ومشاركتها في العدوان الثلاثي مع فرنسا وبريطانيا على مصر‎.‎

ومع ذلك فإن اليهود الفرنسيين بالرغم من مساواتهم في الحقوق مع سائر المواطنين الفرنسيين لم يندمجوا اندماجاً كاملاً في ‏المجتمع الفرنسي. واستمروا في التقوقع حتى لا تذوب الشخصية اليهودية داخل المجتمع الفرنسي‏‎.‎

وشدد بن غوريون على هذه القضية وقال "إن الاندماج في المجتمعات التي يعيش فيها اليهود هو أكبر خطر يهدد اليهودية ‏اليوم‎".‎


وبالنسبة للقضية الفلسطينية فإن النفوذ اليهودي الموجود في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى، أمر واضح في فرنسا‎.‎

واعترف الجنرال "ديغول" بعد حرب 1967 بهذا النفوذ المسيطر على وسائل الإعلام الفرنسية، مما جعل اليهود يتهمونه ‏بمعاداة السامية‎.‎

كما أن نفوذهم يبدو واضحاً أيضاً عند السياسيين الفرنسيين ذوي المصالح الاقتصادية المرتبطة بمصالح اليهود، وكذلك ‏داخل المؤسسات الاقتصادية والبنوك‎.‎

كل ذلك يعطي اليهود الفرنسيين القوة في انتقاد مواقف حكومتهم من الصراع العربي الإسرائيلي. حيث أن المنظمات ‏اليهودية تنتقد وتحتج باستمرار على السياسة الخارجية لفرنسا منذ عام 1967 إلى هذا الوقت‏‎.‎

ولكن هذا لا يعني أن غالبية اليهود الفرنسيين يقفون مع "إسرائيل" ضد مواقف حكومتهم من القضية الفلسطينية. فهناك نسبة ‏لا يستهان بها من اليهود الفرنسيين الملتزمين بمواقف أحزابهم السياسية المنتقدة لإسرائيل‎.‎

الوضع السياسي لليهود

يمكن توزيع اليهود في فرنسا على أساس أنهم موجودون في غالبية التيارات السياسية الفرنسية، من أقصى اليمين إلى ‏أقصى اليسار، بل إن بعضهم تزعم حركات وأحزاب سياسية عدة مثل: آلان كريفين، زعيم أحد التنظيمات الماوية‎.‎

وكان لبعض العناصر من اليهود دور كبير في الحياة السياسية في فرنسا كرئاسة بعضهم الحكومة الفرنسية مرات عدة ‏أمثال ليون بلوم ومنديس فرانس، من الحزب الاشتراكي، وميشال دوبريه، وليو هامون من الديغوليين، أو في وجودهم ‏الملحوظ في قيادات النقابات العمالية والطلابية‎.‎

وجدير بالذكر أن ثورة الطلاب الفرنسية في مايو/أيار 1968، كانت تتزعمها عناصر يهودية يسارية أمثال "كريفين" ‏و"كوهين"، إلا أن نسبتهم قليلة بالنسبة للناخبين الفرنسيين إذا ما قورنوا بالولايات المتحدة، حيث تبلغ نسبتهم في فرنسا نحو ‏‏1.38%، بينما يمثلون في الولايات المتحدة 3‏‎%.‎

وهذه النسبة ترتفع في باريس لتصل في بعض الدوائر الانتخابية إلى 15.17%. وفي النهاية يبقى النفوذ اليهودي في فرنسا ‏هو ثاني أكبر نفوذ يهودي في العالم بعد الولايات المتحدة، إذا استثنيت إسرائيل‎.‎

وحدث أن هاجمت المنظمات الصهيونية الفرنسية، بعض التجار اليهود في باريس لأنهم رفضوا التبرع لإسرائيل، كما ‏هاجموا اليهود المعادين للصهيونية كمكسيم رودنسون‎.‎

ويلاحظ أن تأييد اليهود الفرنسيين "لإسرائيل" يفوق حماسهم لفرنسا، ومثال ذلك الكاتب الفرنسي ريمون آرون الذي كتب ‏مقالة في لوفيغارو خلال حرب 1967 قال فيها إنه يعتبر نفسه يهودياً منصهرا يبكي لعثرات فرنسا من معركة واترلو إلى ‏معركة فردان، ويعتبر أن رايته هي العلم الفرنسي ونشيده الوطني هو النشيد الوطني الفرنسي، غير أنه يشعر إذا سمحت ‏الدول الكبرى بدمار إسرائيل بأن تلك "الجريمة" رغم صغر حجمها بالنسبة لهذه الدول لن تبقي له الكثير من أسباب الحياة‎.‎

علاقة يهود فرنسا بـ"إسرائيل‎"‎

لم تكن هجرة يهود فرنسا إلى "إسرائيل" منظمة قبل قيامها، ولكن خلال الحرب العالمية الثانية بدأت بعض العائلات ‏اليهودية تهاجر إلى فلسطين هربا من الاحتلال الألماني لفرنسا‎.‎

وحتى قيام "إسرائيل" لم يهاجر من يهود فرنسا سوى 3943 إلى فلسطين، وأكثر سنوات الهجرة كانت عام 1949، حيث ‏وصل إليها 1653 يهوديا فرنسيا، وفي السنوات العشر الأولى من قيام إسرائيل لم يهاجر إليها من فرنسا سوى 7768 ‏يهوديا‎.‎


ومن الملاحظ أن نسبة اليهود الفرنسيين المهاجرين إلى "إسرائيل" ضعيفة، وغالبيتهم من اليهود الذين التحقوا بأقارب لهم ‏هاجروا إليها من مناطق مختلفة من أوروبا. بل إن اليهود الذين هاجروا من مصر والجزائر وبقية دول المغرب العربي ‏فضلوا الهجرة إلى فرنسا على الهجرة إلى إسرائيل‎.‎

وقد طرح سؤال على عينة من خمسمائة يهودي فرنسي عن احتمالات الهجرة من فرنسا فكانت النتيجة، أن 54% أجابوا ‏بأنه احتمال مرفوض إطلاقا، و33% أجابوا بأنهم يهاجرون في حالة تجدد الاضطهاد، و2% لأسباب عقائدية، و11% ‏لأسباب شخصية‎.‎

أي أن أكثر من نصف اليهود الفرنسيين يرفضون الهجرة، وحتى في حالة الهجرة الاضطرارية، فإن 35% منهم اختاروا ‏الولايات المتحدة و16% أوروبا الشمالية وبريطانيا، و17% بلجيكا وسويسرا وكندا، و8% أميركا اللاتينية، و13% إيطاليا ‏وإسبانيا، و7% دولا أخرى، ولم يعط جواباً 4‏‎%. ‎

وعدم حماس يهود فرنسا للهجرة إلى "إسرائيل" لا يقلل من تأييدهم لها مع بقائهم في فرنسا، بل إن 39% من اليهود ‏الفرنسيين لا يتكلمون اللغة العبرية‎.‎

لا شك أن وجود سبعمائة ألف يهودي في فرنسا يؤثر على القرار السياسي لأي حكومة فرنسية، بالنسبة للصراع العربي ‏الإسرائيلي. فكيف إذا كان الرئيس الفرنسي الجديد هو نفسه يتعاطف مع إسرائيل؟

وللرد على هذا التساؤل على الجالية العربية في فرنسا أن تنظم نفسها وتشارك في الأحزاب السياسية والمنظمات الفرنسية. ‏وعندها سوف يؤثرون على النخب السياسية الفرنسية، ولن يستطيع ساركوزي أو غيره أن يتخذ مواقف سياسية معادية ‏للقضايا العربية‎.‎

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال