بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

حين تتحوّل السلطة التشريعية من مؤسسة لصناعة الدولة إلى شاهد على تراجعها.

2026-11-07 119 قراءة مختلفات عماد عيساوي
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
ليست أزمة البرلمان في تونس أزمة مقاعد شاغرة أو نواب لا يتقنون الخطابة وليست المسألة متعلقة بعدد الجلسات العامة أو اجتماعات اللجان أو القوانين التي تمر عبر قبة المجلس. ما تعيشه المؤسسة التشريعية أعمق من ذلك بكثير.
إنها أزمة وظيفة وأزمة فلسفة حكم وأزمة تصور لمعنى الدولة نفسها. فالدولة التي لا تنتج قوانينها من خلال نقاش عام جاد ولا تراقب حكومتها بأدوات مستقلة وفعالة ولا تملك مؤسسات تشريعية قادرة على مساءلة السلطة التنفيذية لا تكون قد اختصرت الطريق نحو الإصلاح بل تكون قد اختصرت الطريق نحو اختلال التوازن بين السلطات.

منذ سنة 2011 عاشت تونس زمنا سياسيا استثنائيا. تغيرت الدساتير وتبدلت الحكومات وتعددت المجالس وتغيرت التحالفات وارتفعت شعارات الديمقراطية والانتقال والإصلاح لكن السؤال الذي ظل معلقا رغم كل هذه التحولات هو هل نجحت تونس في بناء برلمان قادر على ممارسة السلطة التشريعية بوصفها وظيفة دستورية مستقلة أم أنها اكتفت بتغيير هندسة المؤسسات وأسماء الفاعلين بينما ظلت الدولة عاجزة عن إنتاج التوازن المطلوب بين سلطاتها؟

منح دستور 2014 مجلس نواب الشعب موقعا مركزيا في النظام السياسي. كانت الحكومة مسؤولة أمامه وكانت المبادرة التشريعية حقا مشتركا بين الحكومة ورئيس الجمهورية والنواب وكان البرلمان يمتلك أدوات دستورية لمساءلة الحكومة ومحاسبتها وصولا إلى سحب الثقة منها وفق إجراءات محددة. لم يكن ذلك النظام مثاليا ولم تكن تجربته خالية من العيوب بل إن التجربة كشفت عن تناقضات عميقة وعن برلمان أثقلته التجاذبات الحزبية والحسابات الانتخابية وعن حكومات وجدت نفسها في كثير من الأحيان رهينة التوازنات البرلمانية الهشة.
لكن الاعتراف بأخطاء تلك المرحلة لا يعني إنكار أهمية المبدأ الذي قامت عليه: الحكومة التي تدير المال العام وتنفذ السياسات العمومية يجب أن تكون خاضعة لمساءلة ممثلي الشعب.
ثم جاء دستور 2022 ليعيد ترتيب السلطة بطريقة مختلفة جذريا. لم يعد البرلمان في قلب العلاقة السياسية مع الحكومة كما كان في دستور 2014 بل أصبحت الحكومة مسؤولة أمام رئيس الجمهورية وتراجعت بذلك إحدى أهم وظائف الرقابة البرلمانية التقليدية. كما أصبحت المبادرة التشريعية النيابية محاطة بقيود مالية ودستورية واستحدثت غرفة ثانية هي المجلس الوطني للجهات والأقاليم بما أوجد بنية تشريعية جديدة تتطلب تنسيقا وتكاملا بين المجلسين.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد تعديل في الفصول أو تغيير في الصياغات القانونية. إننا أمام تحول في طبيعة العلاقة بين المؤسسات ،فالبرلمان الذي لا يستطيع التأثير فعليا في تشكيل الحكومة أو مساءلتها سياسيا والذي لا يمتلك أدوات مستقلة لتقييم قراراتها ونتائجها يجد نفسه أمام سؤال وجودي ،ما حدود سلطته الحقيقية؟ وما القيمة المضافة التي يقدمها في صناعة القرار العام؟
لا يمكن بناء دولة قوية بمؤسسات ضعيفة ولا يمكن الحديث عن السيادة الشعبية إذا كانت المؤسسات التي يفترض أن تمثل الشعب عاجزة عن تحويل مطالبه إلى تشريعات وسياسات قابلة للتنفيذ والمحاسبة.
ولعل أول مظاهر الخلل يكمن في طبيعة الإنتاج التشريعي نفسه ، فالمبادرة بالقوانين ليست امتيازا إداريا بل هي أحد أهم مظاهر السلطة التشريعية. ومع ذلك تكشف المعطيات الواردة في حصيلة عمل المجلس عن محدودية المبادرات النيابية مقارنة بالمبادرات الحكومية.
وتشير الأرقام المتداولة إلى أن المجلس صادق على نحو 80 مشروعا ومقترح قانون في الفترة المشار إليها لم تتجاوز المبادرات النيابية منها 3 تقريبا.
إننا أمام مؤشر يستحق التوقف عنده، فهل يعقل أن تكون المؤسسة التي تحمل اسم مجلس نواب الشعب عاجزة عن إنتاج أجندة تشريعية خاصة بها؟ وهل تحولت المبادرة التشريعية إلى مجرد حق دستوري نظري بينما بقيت المبادرة الفعلية في يد السلطة التنفيذية؟
البرلمان ليس مكتب تسجيل للقوانين الحكومية وليس قاعة تمنح الشرعية الإجرائية للنصوص التي تصل إليها.
وظيفته أن يدرس ويقترح ويناقش ويعدل ويستشرف النتائج ويمنع التشريع المتسرع وأن يضع أمام الحكومة بدائل حقيقية حين تفشل سياساتها.
والأخطر من ضعف المبادرة التشريعية هو غياب القدرة على قياس نتائج القوانين بعد صدورها. فالقانون ليس نصا ينتهي دوره بمجرد نشره في الرائد الرسمي.
القانون قرار اقتصادي واجتماعي ومالي وقد يكون سببا في تحريك الاستثمار أو تعطيله وفي خلق مواطن شغل أو إغلاق مؤسسات وفي تخفيف الأعباء عن الدولة أو مضاعفتها.

كم من قانون صدر دون دراسة كافية لتأثيره على المؤسسات الاقتصادية؟ وكم من إجراء اتخذ دون تقييم حقيقي لتكلفته على ميزانية الدولة؟ وكم من نص تشريعي بقي حبرا على ورق لأن الذين صاغوه لم يدرسوا شروط تطبيقه ولا الإمكانات الإدارية والمالية اللازمة لتنفيذه؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خطابات سياسية بل إلى مؤسسات بحثية وخبراء وبيانات وأرقام.
أما الرقابة البرلمانية فهي الحكاية الأكثر تعبيرا عن طبيعة الاختلال. فالرقابة ليست أن يستدعي نائب وزيرا ليسأله عن مشروع متعثر ثم تنتهي الحكاية بتبادل كلمات مقتضبة أمام الكاميرات. الرقابة الحقيقية هي أن يمتلك البرلمان القدرة على الحصول على الوثائق وفحص القرارات ومقارنة الوعود بالنتائج وتتبع تنفيذ السياسات وتحديد المسؤوليات وإحالة الإخلالات إلى الجهات المختصة.
ليس المطلوب برلمانا يكثر من الأسئلة بل برلمانا يعرف ماذا يسأل ولماذا يسأل وكيف يتابع الإجابة وماذا يفعل عندما يكتشف أن الإجابة لا تتطابق مع الواقع.
في دستور 2014 كانت الحكومة مسؤولة أمام مجلس نواب الشعب وكان من الممكن تفعيل آلية سحب الثقة وفق شروطها الدستورية.
أما في دستور 2022 فقد انتقلت المسؤولية السياسية للحكومة إلى رئيس الجمهورية وأصبحت آلية لائحة اللوم مرتبطة بإجراء مشترك بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم وبشروط أغلبية مشددة ،
وهو تحول لا يمكن تجاهل أثره على ميزان السلطات.

وجود مجلسين لا يعني بالضرورة وجود رقابة أقوى ،فقد يكون تعدد الغرف إضافة نوعية إذا امتلك كل مجلس اختصاصا واضحا وأدوات عمل فعالة وقد يتحول إلى طبقة إجرائية إضافية إذا غابت قواعد التنسيق وتداخلت الصلاحيات وتعطلت المسؤولية.
أما في مجال الرقابة على المال العام فإن المسألة تصبح أكثر خطورة فالميزانية ليست مجرد وثيقة مالية تصادق عليها المؤسسة التشريعية كل سنة بل هي التعبير الأكثر صدقا عن اختيارات الدولة وأولوياتها. ومن خلالها نعرف ما الذي تعتبره الحكومة أولوية وما الذي تؤجله وأين تنفق ومن يتحمل كلفة قراراتها.
لا يمكن لنائب أن يراقب ميزانية دولة دون أن يمتلك القدرة على فهم أرقامها وتحليل فرضياتها وتقييم مداخيلها ونفقاتها والتزاماتها. ولا يمكن للجنة مالية أن تؤدي دورها إذا كانت تعتمد أساسا على المعطيات التي تقدمها الجهة التي يفترض أن تراقبها.
الرقابة المالية الحقيقية لا تبدأ يوم التصويت على قانون المالية بل تبدأ قبل ذلك بكثير، عند إعداد الفرضيات الاقتصادية وتقدير الموارد وضبط النفقات وتحديد حجم المديونية ومراقبة المؤسسات العمومية ثم تستمر بعد المصادقة عبر متابعة التنفيذ ومقارنة النتائج بالالتزامات.

وهنا تبرز أهمية محكمة المحاسبات، فوجود مؤسسة قضائية مستقلة للرقابة على المال العام لا يكفي إذا ظلت تقاريرها بعيدة عن المتابعة البرلمانية المنتظمة وإذا لم تتحول ملاحظاتها إلى توصيات محددة وآجال تنفيذ ومسؤوليات معلومة.
التقرير الرقابي الذي لا يتبعه إجراء والملاحظة التي لا تنتهي إلى إصلاح والتجاوز الذي لا يفضي إلى تحديد المسؤولية تتحول جميعها إلى وثائق تضاف إلى أرشيف الدولة.
والدولة التي تتراكم فيها التقارير دون أن تتغير الممارسات ليست دولة تفتقر إلى المعلومات بل دولة تفتقر إلى القدرة على تحويل المعلومات إلى قرار.
وتزداد الصورة قتامة عندما ننظر إلى مؤشرات الميزانية المفتوحة لسنة 2023. فقد سجلت تونس 16 نقطة من 100 في مؤشر شفافية الميزانية و4 نقاط في مشاركة المواطنين كما أظهرت نتائج الرقابة المالية المسجلة ضعفا كبيرا في الرقابة التشريعية.
وهذه الأرقام مع ضرورة التمييز بين مكونات المؤشرات ومنهجيات احتسابها ليست مجرد نتائج تقنية ،إنها تعكس فجوة بين المواطن والمال العام وبين البرلمان والقدرة على مراقبة كيفية إدارة موارد الدولة.
ولعل المفارقة أن تونس لا تعاني من نقص في المؤسسات التي تحمل أسماء الرقابة والتفقد والتدقيق وإنما تعاني من ضعف الربط بين هذه المؤسسات ومن محدودية تحويل نتائج أعمالها إلى إصلاحات ملزمة.
ثم نصل إلى السؤال الذي يكشف أحد أعمق أسباب ضعف البرلمان من يمد النائب بالمعلومة؟
في البرلمانات الحديثة لا يترك النائب وحيدا أمام مشروع قانون من مئات الصفحات ولا يطلب منه أن يناقش ميزانية دولة اعتمادا على خبرته الشخصية أو على الوثائق التي توفرها له الحكومة.
توجد مؤسسات بحثية متخصصة وخبراء في الاقتصاد والقانون والمالية العامة وأجهزة مستقلة تحلل السياسات وتقدر التكلفة وتدرس الآثار المحتملة للتشريعات.

في فرنسا توجد أجهزة متخصصة في تقييم السياسات والمالية العامة داخل البرلمان وفي ألمانيا توفر الخدمات العلمية للبرلمان دراسات وتحليلات مستقلة وفي المملكة المتحدة يضطلع مكتب مسؤولية الميزانية بدور أساسي في إعداد التوقعات الاقتصادية والمالية المستقلة إلى جانب لجنة الحسابات العمومية التي تتابع التصرف في المال العام.
وفي السويد وسويسرا توجد خدمات بحثية برلمانية متقدمة تساعد النواب على بناء مواقفهم على المعرفة لا على الانطباع.
هذه التجارب لا تقوم على افتراض أن النواب يعرفون كل شيء بل على الاعتراف بأن التشريع الحديث أصبح علما متعدد الاختصاصات وأن الاقتصاد والمالية والتكنولوجيا والقانون والعلاقات الدولية لا يمكن إدارتها بالخطابة السياسية وحدها.
أما في تونس فما زالت الحاجة قائمة إلى بناء جهاز برلماني دائم يوفر للنواب الدراسات القانونية والاقتصادية ويحلل مشاريع القوانين ويقيس آثارها المالية والاجتماعية ويقدم للجان تقارير موضوعية مستقلة عن الحكومة.

إن إنشاء مكتب برلماني للميزانية يضم خبراء في المالية العامة والاقتصاد والإحصاء ليس ترفا إداريا ولا تقليدا شكليا لتجربة أجنبية. إنه ضرورة لحماية المال العام كما أن إنشاء مركز للدراسات التشريعية من شأنه أن ينقل العمل البرلماني من رد الفعل إلى الفعل ومن التصويت على النصوص إلى فهم آثارها ونتائجها.

وليس المطلوب إنشاء إدارات جديدة لتكريس البيروقراطية التي تعاني منها الدولة بل بناء وحدات صغيرة مستقلة في عملها الفني و محددة الاختصاصات و قابلة للتقييم و تعمل بمنطق النتائج لا بمنطق عدد الموظفين والمكاتب.
لكن المؤسسة التشريعية لا تكتمل من دون المواطن. فالبرلمان ليس ملكا للنواب ولا فضاء مغلقا تتبادل فيه النخب السياسية المواقف. إنه مؤسسة عمومية يفترض أن يكون عملها مرئيا ومفهوما وقابلا للمراقبة الشعبية.

من حق المواطن أن يعرف كيف صوت نائبه وما القوانين التي اقترحها وما الجلسات التي حضرها وما الأسئلة التي وجهها وما النتائج التي حققها.
ومن حقه أن يطلع على تقارير اللجان وأن يعرف أسباب التصويت على مشروع قانون يمس حياته اليومية وأن يجد قناة مؤسساتية تمكنه من تقديم مقترحاته والمشاركة في مناقشة التشريعات الكبرى.
إن نشر محاضر الجلسات وحده لا يصنع الشفافية.
الشفافية هي أن تصبح المعلومة متاحة و واضحة و قابلة للبحث والمقارنة وأن يكون أداء النائب قابلا للتقييم لا للتسويق الانتخابي فقط.
وفي هذا السياق، لا بد من الاستفادة من التجارب الدولية في مجال المشاركة الشعبية ومن إمكانات الرقمنة ومن المنصات المدنية التي راقبت أداء البرلمان التونسي خلال السنوات الماضية. فالمجتمع المدني ليس خصما للمؤسسة التشريعية والمواطن ليس متفرجا على عملية صنع القرار.
الرقابة الشعبية المنظمة يمكن أن تكون أحد أهم مصادر تحسين التشريع ومقاومة تضارب المصالح والفساد.

لكن كل هذا الإصلاح لن يكون ذا معنى إذا اختزلناه في إضافة مكاتب ولجان ومؤسسات جديدة، فالمعضلة ليست إدارية فقط بل هي دستورية وسياسية وثقافية أيضا.

البرلمان القوي لا يعني برلمانا ينازع رئيس الجمهورية على صلاحياته ولا مجلسا يعرقل الحكومة لمجرد العرقلة ولا نوابا يحولون الرقابة إلى وسيلة للمساومة السياسية.
البرلمان القوي هو الذي يستطيع أن يقول للحكومة نعم عندما تكون على صواب ولا عندما تخطئ وأن يطالبها بالدليل عندما تقدم الوعود وأن يحاسبها عندما تفشل دون أن يتحول الخلاف السياسي إلى حرب على الدولة.

والديمقراطية لا تقاس بعدد المؤسسات الموجودة في الدستور بل بقدرتها على ممارسة وظائفها دون خوف أو تعطيل أو تبعية. كما أن قوة رئيس الجمهورية لا ينبغي أن تكون مبررا لضعف البرلمان تماما كما أن قوة البرلمان لا ينبغي أن تكون ذريعة لتعطيل الدولة.
المطلوب في تونس ليس العودة إلى أخطاء التجربة السابقة ولا تقديس التجربة الحالية وإنما تجاوز منطق التجارب التي تبدأ وتنتهي بتغيير الأشخاص والدساتير دون أن تتغير قدرة المؤسسات على الإنجاز والمحاسبة.

نحتاج إلى مراجعة دستورية وقانونية تضمن توازنا حقيقيا بين السلطات وتعيد الاعتبار إلى المبادرة التشريعية للنواب وتحدد مسؤولية الحكومة أمام المؤسسات المنتخبة وفق تصور دستوري متكامل. ونحتاج إلى تنقيح النظام الداخلي للبرلمان لتسهيل المبادرات التشريعية وتطوير عمل اللجان وإقرار آجال واضحة لإجابة الوزراء عن الأسئلة وإلزام الهياكل الحكومية بمتابعة التوصيات الرقابية.

ونحتاج إلى لجنة دائمة للحسابات العمومية تتولى دراسة تقارير محكمة المحاسبات ومتابعة تنفيذ توصياتها وإلى مكتب مستقل للميزانية ومركز للدراسات التشريعية وقاعدة بيانات برلمانية مفتوحة ونظام دوري لنشر نتائج تصويت النواب وأعمالهم.
كما نحتاج إلى برامج تكوين مستمرة في الاقتصاد والمالية العامة والقانون والسياسات العمومية وإلى انفتاح حقيقي على الجامعات ومراكز البحث والخبراء حتى لا تبقى المؤسسة التشريعية أسيرة المعرفة المحدودة أو الحسابات الظرفية.
ويمكن تنفيذ هذه الإصلاحات على مراحل تبدأ بتقييم شامل للإطار القانوني والقدرات البشرية ثم إرساء الهياكل الفنية والرقابية وصولا إلى نظام شفاف لتقييم الأداء البرلماني ونشر نتائجه كل ستة أشهر.

إن كلفة بناء هذه القدرات يجب أن تقارن بكلفة غيابها
فكم يكلف الدولة قانون سيئ الصياغة؟
وكم تكلفها ميزانية لا تخضع للتحليل الكافي؟
وكم تكلفها مؤسسة عمومية تستمر سنوات في استنزاف المال العام دون مساءلة فعالة؟
إن بضعة ملايين من الدنانير المخصصة لتطوير الرقابة والتشريع قد توفر على الدولة أضعافها إذا ساهمت في منع القرارات الخاطئة وتحسين التصرف في الموارد.

لعل أخطر ما يمكن أن يحدث لتونس ليس أن يختلف السياسيون ولا أن تتغير الدساتير ولا أن تتعاقب الحكومات. الأخطر أن تعتاد الدولة ضعف مؤسساتها وأن يتحول العجز إلى أمر مألوف وأن يصبح وجود البرلمان دليلا كافيا على وجود الديمقراطية وأن تتحول المصادقة على القوانين إلى بديل عن فهمها ومراقبة نتائجها.

لقد دفعت تونس ثمنا باهظا من عمرها واقتصادها واستقرارها الاجتماعي بسبب ضعف المؤسسات وتضارب الصلاحيات وغياب الاستمرارية. وليس من المعقول أن نطلب من المواطن مزيدا من الصبر والتضحيات بينما لا نطلب من مؤسسات الدولة القدر نفسه من الكفاءة والانضباط والمحاسبة.
الدولة لا تبنى بكثرة القوانين بل بجودة القوانين ولا تقاس قوة البرلمان بعدد النواب الذين يجلسون تحت قبته بل بقدرته على حماية المال العام ومراقبة السلطة التنفيذية وصناعة التشريع وإنتاج الحلول.

تونس لا تحتاج إلى برلمان يصفق للحكومة ولا إلى برلمان يعطلها ولا إلى برلمان يبحث عن موقع في صراع السلطات. إنها تحتاج إلى برلمان يعرف أن وظيفته ليست خدمة الحاكم ولا معارضة الحاكم وإنما خدمة الدولة ومراقبة من يديرها باسم الشعب.
فحين تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص والقانون أقوى من المصالح والمحاسبة أقوى من الخطاب يمكن عندها أن نتحدث عن بداية بناء دولة حقيقية.
أما دون ذلك فسنظل نغير شكل السلطة ونترك جوهر المشكلة في مكانه.
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال