بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

الشعر بين الإبداع والأيديولوجيا أزهري محمد علي نموذجا

2026-11-06 123 قراءة مقالات فكر ابراهيم عباس البشرى
QR Code for article
مسح للقراءة على الجوال
الشعر بين الإبداع والأيديولوجيا

 أزهري محمد علي نموذجا
لم يكن الشعر في تاريخ المجتمعات الإنسانية مجرد تعبير جمالي عن العواطف والأحاسيس أو وسيلة للتغني بالحياة والطبيعة والإنسان بل ظل على الدوام أداة مؤثرة في تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه الوجدان واستدعاء الذاكرة وتحريك المواقف ولذلك أدركت التيارات الفكرية والسياسية مبكرا أن الشعر بما يمتلكه من إيقاع وقدرة على التأثير والتكرار والنفاذ إلى الوجدان يمكن أن يكون وسيلة فعالة لنشر الأفكار وترويج المعتقدات وصناعة ثقافة اجتماعية تتبنى رؤيتها ومفاهيمها
ومن هنا نشأت علاقة معقدة بين الإبداع الشعري والأيديولوجيا إذ لم تعد القصيدة في بعض التجارب الحديثة مجرد بناء فني يستمد قيمته من جمال اللغة وعمق الصورة وصدق التجربة الإنسانية وإنما تحولت إلى خطاب محمل برسائل سياسية وفلسفية واجتماعية يراد لها أن تتجاوز حدود الأدب إلى إعادة تشكيل الوعي وتوجيه السلوك وصناعة المواقف
وقد شهد الشعر الحديث تحولات كبيرة في بنيته الفنية والإيقاعية متأثرا بتجارب أدبية غربية متعددة وبالتحولات الفكرية والفلسفية التي عرفتها أوروبا وروسيا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين وكان للشعر الإنجليزي والأمريكي حضور في هذه التحولات من خلال تجارب شكسبير وجون ملتون ووالت ويتمان وغيرهم كما أسهمت المدارس الأدبية الروسية وما صاحبها من تحولات اجتماعية وفكرية في تشكيل اتجاهات جديدة في الأدب العالمي
ولم تكن هذه التأثيرات أدبية خالصة في جميع الأحوال فقد تداخل بعضها مع الفلسفات السياسية والاجتماعية ولا سيما الماركسية التي نظرت إلى الأدب والفن باعتبارهما من أدوات الصراع الفكري والاجتماعي ورأت في الثقافة مجالا مؤثرا في تشكيل الوعي الطبقي وتوجيه الجماهير نحو التغيير الثوري

وقد انتقلت تيارات الشعر الحديث إلى العالم العربي عبر حركة الترجمة والاحتكاك الثقافي والتجارب الأدبية الجديدة وظهرت اتجاهات متعددة في سوريا والعراق ومصر وغيرها من البلدان وكان من أبرز شعرائها صلاح عبد الصبور وسعدي يوسف وأدونيس وغيرهم ممن أسهموا في تطوير بنية القصيدة العربية وتحريرها من بعض قيودها التقليدية وقد تباينت تجارب هؤلاء الشعراء ومواقفهم الفكرية والسياسية ولم تكن جميعها تعبيرا عن اتجاه أيديولوجي واحد غير أن بعض هذه التجارب ارتبط بوضوح بالتيارات اليسارية والماركسية واتخذ من الشعر وسيلة للتعبير عن رؤاها الاجتماعية والسياسية

وفي السودان لم تكن هذه التحولات بعيدة عن المشهد الأدبي فقد انتقلت إلينا اتجاهات الشعر الحديث وتفاعلت مع البيئة المحلية والتحولات السياسية والفكرية التي عرفتها البلاد وبرز شعراء ارتبطت تجاربهم بدرجات متفاوتة بالخطاب اليساري والثوري من بينهم كمال الجزولي وحميد وأزهري محمد علي وغيرهم ممن تداخل في نتاجهم الشعري الموقف السياسي مع التعبير الوجداني والاجتماعي

وليس المقصود من ذلك أن كل شعر حديث هو شعر أيديولوجي أو أن كل خروج على القصيدة العمودية يمثل موقفا معاديا للتراث فالتجديد الأدبي ضرورة من ضرورات تطور اللغة والإبداع كما أن اختلاف الأشكال الشعرية لا ينبغي أن يكون سببا للحكم على قيمة التجربة أو مصادرتها وإنما موضع النقد هو ذلك الاتجاه الذي يتجاوز التجديد الفني إلى توظيف الشعر في خدمة مشروع فكري وسياسي محدد ويجعل من القصيدة وسيلة لبث التصورات الأيديولوجية واستقطاب الوجدان وتوجيهه

وفي المقابل عرف الشعر السوداني تجارب ثرية ومتنوعة امتدت من الشعر العمودي إلى الشعر الصوفي والوطني والوجداني وبرزت أسماء لها حضورها في الذاكرة الأدبية السودانية مثل محمد المهدي المجذوب وصلاح أحمد إبراهيم ومحمد الفيتوري وروضة الحاج وغيرهم كما ظلت أشعار البادية والدوبيت والحماسة تعبر عن وجدان المجتمع السوداني وذاكرته الثقافية والاجتماعية وتؤكد أن الشعر السوداني لم يكن أسير اتجاه واحد أو قالب فني بعينه بل ظل فضاء واسعا تتجاور فيه الأصالة والتجديد وتتفاعل فيه روافد الثقافة السودانية المتعددة

غير أن ما يستحق الوقوف عنده هو ذلك الاتجاه الذي اتخذ من الشعر وسيلة للتعبير عن التصورات الماركسية واليسارية المتعلقة بالصراع الطبقي والثورة ومناهضة البنى الاجتماعية والدينية التقليدية حيث لم يعد الشعر في بعض هذه التجارب مجرد إبداع جمالي وإنما أصبح جزءا من خطاب أيديولوجي يسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق مفاهيم سياسية وفلسفية محددة

وقد كان للأدب الروسي في الحقبة السوفيتية أثر واضح في ترسيخ فكرة توظيف الأدب والفنون لخدمة المشروع السياسي فقد خضعت قطاعات واسعة من الحياة الثقافية لتوجيه الدولة والحزب وأصبح الأدب في بعض مراحله أداة للتعبئة الأيديولوجية والترويج للمفاهيم الشيوعية والاشتراكية ولم يكن ذلك مجرد تحول في الشكل الأدبي بل كان جزءا من تصور شامل لدور الثقافة في صناعة الإنسان الجديد وإعادة تشكيل المجتمع

ومن هنا يمكن فهم بعض مظاهر التأثر التي ظهرت في تجارب أدبية عربية وسودانية اتخذت من الثورة والصراع الطبقي والتمرد على الموروث مفردات مركزية في خطابها الشعري غير أن التأثر بالمدارس الأدبية لا يعني بالضرورة تبني عقائدها السياسية ولكن حين تتكرر المضامين الأيديولوجية وتصبح القصيدة وسيلة لتكريسها فإن من حق النقد أن يتساءل عن طبيعة هذا التأثير وعن حدود العلاقة بين الإبداع والمشروع الفكري الذي يحمله

ويبرز أزهري محمد علي نموذجا يستحق القراءة في هذا السياق فهو من الشعراء الذين استطاعوا توظيف اللغة المحكية والإيقاع الشعبي والعبارات القريبة من الوجدان العام في بناء قصائد ذات طابع تعبوي وهتافي وقد ساعدته هذه الخصائص على الوصول إلى شرائح واسعة من الجمهور وتحويل بعض مقاطعه الشعرية إلى عبارات متداولة في الفضاء العام

ولعل قصيدته التي مطلعها

يا خريف الدم سلامات

نحنا بي موتنا بنزيد

والبموت شان وطنو ما مات

بتولد من أول جديد

جينا من رحم البسالات

جونا من بره الأجاويد

خلينا بالنا علي البلاد

ختولنا في الجرح المراويد

جات كلاكلات إيد علي إيد

بري شمبات المسيد

جبرة وأمدر

والحشود المارقة من كبري الحديد

إنت بتكيد والشعب يفعل ما يريد

يحيا الكفاح وينبغي

وتسقط كتائب الجنجويد

تمثل مثالا واضحا على طبيعة الشعر التعبوي الذي يمزج بين الوجدان الشعبي والخطاب السياسي ويعتمد على الإيقاع المتكرر والعبارات المباشرة والصور التي تستدعي البطولة والتضحية والمقاومة

فالقصيدة لا تقوم على بناء شعري معقد أو على تطوير صورة جمالية متعددة الطبقات بقدر ما تعتمد على التكرار والإيقاع والهتاف وتوظيف أسماء الأماكن والرموز المحلية لإنتاج حالة وجدانية جماعية وهذه الخصائص تمنحها قدرة على الانتشار والتداول وتجعلها أقرب إلى النشيد السياسي منها إلى القصيدة التي تستقل ببنائها الجمالي وتعدد دلالاتها

وهنا ينبغي أن نميز بين الشعر الذي يستلهم قضايا المجتمع ويعبر عن آلامه وتطلعاته وبين الشعر الذي يتحول إلى أداة تعبئة أيديولوجية فليس كل شعر يتناول القضايا الاجتماعية والسياسية شعرا أيديولوجيا بالضرورة كما أن انحياز الشاعر إلى قضية أو موقف لا ينتقص من قيمة تجربته الفنية ولكن الإشكال يظهر حين تصبح الفكرة السياسية هي الغاية الأساسية للقصيدة ويصبح الإيقاع وسيلة لتثبيتها في الوجدان لا عنصرا جماليا يشارك في بناء التجربة الشعرية

إن قدرة الشعر على التأثير لا تنبع من جماله وحده وإنما من اجتماع اللغة والإيقاع والصورة والتكرار في بنية قادرة على مخاطبة العقل والوجدان معا فالكلمات التي تتكرر في سياق شعري مؤثر يمكن أن تتحول إلى شعارات تختزن مواقف كاملة وتستقر في الذاكرة وتصبح مع مرور الوقت جزءا من الثقافة السياسية والاجتماعية للجماعة

ومن هنا يمكن فهم خطورة الشعر حين يوظف في التعبئة الأيديولوجية إذ لا يكتفي بنقل الفكرة وإنما يعيد صياغتها في صورة عاطفية تجعل المتلقي يتلقاها من خلال الوجدان قبل أن يخضعها للفحص العقلي وقد يؤدي التكرار المصحوب بالإيقاع والانفعال إلى ترسيخ مفاهيم معينة وتحويلها إلى مسلمات يصعب مساءلتها أو مراجعتها

ولعل أكثر ما يستحق التأمل في قصيدة أزهري محمد علي قوله الشعب يفعل ما يريد وهي عبارة تبدو في ظاهرها تعبيرا عن الإرادة الشعبية وحق الجماعة في تقرير مصيرها غير أن الإشكال يكمن في إطلاق الإرادة الشعبية دون بيان حدودها وضوابطها فالشعب ليس كيانا معصوما ولا إرادته مصدرا مطلقا للحق والصواب وإنما تظل إرادة الجماعة محكومة بالقيم والعدل والمسؤولية والمرجعيات الأخلاقية والدينية التي تضبط حياة الإنسان والمجتمع

ولا يصح الجزم بأن الشاعر قصد مساواة إرادة الشعب بإرادة الله تعالى في قوله فعال لما يريد دون دليل على هذا القصد ولكن من حق الناقد أن يتوقف عند الدلالة وأن يناقش ما يمكن أن تحمله العبارة من إيحاءات فكرية حين توضع الإرادة الشعبية في صياغة مطلقة لا تحدها ضوابط ولا تقيدها مرجعية أخلاقية أو دينية

إن المشكلة ليست في التعبير عن إرادة الشعب وإنما في تحويل الإرادة البشرية إلى سلطة مطلقة تستمد مشروعيتها من ذاتها فالتاريخ الإنساني مليء بالتجارب التي رفعت شعارات الشعب والثورة والعدالة ثم انتهت إلى ممارسة الاستبداد باسم الجماهير وتحويل إرادة الحزب أو الجماعة إلى إرادة عليا لا تقبل المراجعة أو الاختلاف

ومن هنا فإن النقد لا ينبغي أن يقف عند ظاهر العبارة الشعرية بل عليه أن ينظر في السياق الفكري الذي تنتظم فيه وفي طبيعة المفاهيم التي تروج لها ومدى اتساقها مع القيم التي يقوم عليها المجتمع

وتتصل بهذه الإشكالية مسألة الصراع الطبقي التي احتلت موقعا مركزيا في الفكر الماركسي فقد انطلق التصور الماركسي من تقسيم المجتمع إلى طبقات متصارعة وجعل الصراع بينها محركا أساسيا للتاريخ والتحول الاجتماعي وقد انعكس هذا التصور على قطاعات من الأدب والفن فأصبح الصراع الطبقي في بعض التجارب إطارا لتفسير العلاقات الاجتماعية وتحديد مواقع الأفراد والجماعات

غير أن إسقاط هذا التصور على المجتمعات ذات الخصوصيات الثقافية والدينية والاجتماعية المتشابكة قد يؤدي إلى اختزال العلاقات الإنسانية في ثنائية الصراع والمواجهة وتجاهل الروابط التي تجمع الناس خارج حدود الطبقة والمصلحة الاقتصادية فالمجتمعات لا تتكون من مصالح متعارضة فحسب وإنما تقوم أيضا على منظومة من القيم المشتركة والروابط التاريخية والدينية والثقافية التي تسهم في تماسكها واستمرارها

والمجتمع السوداني على وجه الخصوص يمتلك روافد ثقافية واجتماعية متعددة ومشتركات دينية وتاريخية ووجدانية أسهمت في تشكيل هويته العامة رغم تنوع مكوناته واختلاف بيئاته ولهذا فإن اختزال تجربته في خطاب الصراع الطبقي أو تصوير علاقاته باعتبارها صراعا دائما بين فئات متقابلة لا يقدم فهما كافيا لتعقيد واقعه ولا يعبر عن كامل نسيجه الاجتماعي

وليس من الإنصاف أن ننكر وجود التفاوت الاجتماعي أو المظالم الاقتصادية أو الاختلالات التاريخية في توزيع الثروة والسلطة فهذه قضايا حقيقية تستحق المعالجة والإنصاف ولكن معالجتها لا تستلزم تبني نظرية الصراع الطبقي بوصفها التفسير الوحيد لحركة المجتمع ولا تجعل من إثارة الانقسام غاية في ذاتها فالإصلاح الاجتماعي يمكن أن يقوم على العدل والتكافل والتضامن دون أن يتحول إلى دعوة دائمة للمواجهة بين مكونات المجتمع

ومن الجوانب التي تستحق النقد أيضا ذلك التداخل بين الخطاب الشعري والخطاب السياسي الذي يجعل من القصيدة وسيلة لتمرير تصورات فكرية تتصل بالدين والأخلاق والموروث الاجتماعي وقد تتسلل هذه التصورات عبر عبارات تبدو في ظاهرها تعبيرا عن الحرية أو الثورة أو التمرد لكنها تحمل في سياقها العام مواقف من منظومة القيم التي تشكل وجدان المجتمع

إن الشعر بما يمتلكه من جاذبية وتأثير يستطيع أن يمرر أفكارا قد لا تجد القبول ذاته لو طرحت في صورة خطاب فكري مباشر وهنا تكمن مسؤوليته وخطورته في آن واحد فالكلمة الشعرية لا تقف عند حدود اللحظة التي تقال فيها بل قد تتحول إلى ذاكرة متوارثة ومرجعية وجدانية يستدعيها الناس في مواقفهم وتصوراتهم

ولا يعني ذلك أن الشعر ينبغي أن يكون وعظا دينيا أو خطابا أخلاقيا مباشرا أو أن الشاعر مطالب بأن يلتزم بقالب فكري واحد وإنما يعني أن الإبداع لا يعفي صاحبه من مسؤولية الكلمة وأن الحرية الفنية لا تجعل النص بمنأى عن المساءلة الفكرية والأخلاقية

ومن الملاحظ كذلك أن بعض أصحاب الخطاب الشعري الأيديولوجي يميلون إلى التعامل مع النقد بوصفه موقفا عدائيا من التجديد أو دليلا على ضيق الأفق والتخلف والرجعية وكأن الحداثة تمنح الشاعر حصانة من المساءلة أو تجعل كل اعتراض على مضامينه دليلا على عجز الناقد عن فهم الشعر الحديث

وهذه ثقافة لا تخدم الإبداع ولا تحمي حرية التعبير وإنما تحول الاختلاف الفكري إلى خصومة وتغلق باب الحوار والنقد فليس من حق شاعر أن يفرض على الناس رؤيته بحجة الحداثة وليس من حق ناقد أن يصادر تجربة شعرية لمجرد اختلافه مع صاحبها وإنما المعيار هو النص وما يحمله من أفكار وما يقدمه من قيمة فنية وفكرية

إن الشعر العربي يمتلك تراثا هائلا من الفصاحة والبيان والقدرة على التعبير عن أعمق التجارب الإنسانية وقد كان القرآن الكريم في ذروة البيان العربي ومصدر إلهام لا ينضب للغة والبلاغة والوجدان ولا يعني ذلك أن الشعر ينبغي أن يحاكي أسلوب القرآن أو أن يظل حبيس الأشكال القديمة وإنما يعني أن التجديد لا يقتضي القطيعة مع الأصول اللغوية والثقافية ولا يستلزم النظر إلى التراث باعتباره عبئا ينبغي التخلص منه

فاللغة العربية ليست ملكا لمدرسة شعرية دون أخرى ولا ينبغي أن تتحول المحافظة على التراث إلى رفض لكل جديد كما لا ينبغي أن تتحول الحداثة إلى ذريعة للاستهانة بالفصاحة أو إضعاف الصلة بالذاكرة الثقافية للأمة

إن الشعر الحقيقي هو الذي يجمع بين جمال التعبير وعمق الفكرة وصدق التجربة ويمنح الإنسان قدرة أوسع على فهم نفسه والعالم من حوله أما الشعر الذي يستمد قوته من الإثارة والهتاف والتعبئة الأيديولوجية وحدها فقد يحقق انتشارا واسعا في لحظته لكنه لا يضمن لنفسه البقاء في الذاكرة الأدبية حين تنقضي الظروف التي صنعت شعبيته

ولذلك فإن نقد تجربة أزهري محمد علي لا ينبغي أن يكون خصومة شخصية أو مصادرة لحقه في التعبير وإنما هو مساءلة لتجربة شعرية تمثل مدخلا لفهم علاقة الأدب بالأيديولوجيا وحدود تأثير الخطاب السياسي في الإبداع ومدى قدرة القصيدة على الاحتفاظ باستقلالها الفني والفكري أمام سطوة الشعارات والمواقف المسبقة

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الشعر ليس أن يتحرر من القافية أو يتجاوز الأوزان المألوفة وإنما أن يفقد حريته أمام الأيديولوجيا وأن يتحول من فضاء للإبداع والتأمل إلى وسيلة للتعبئة والتوجيه وأن يصبح الإنسان في القصيدة مجرد تابع لشعار أو وقود لفكرة لا يملك حق مساءلتها

فالشعر الذي يستحق البقاء هو الذي يوقظ العقل ولا يخدره ويحرر الوجدان ولا يستعبده ويوسع أفق الإنسان ولا يحبسه داخل قوالب أيديولوجية جاهزة فالإبداع لا يقاس بقدرته على استثارة الجماهير وحدها وإنما بقدرته على الارتقاء بوعيها وصيانة إنسانيتها وفتح آفاق التفكير أمامها

وهنا يكمن الفارق بين الشعر الذي يصنع الجمال والشعر الذي يصنع الأتباع وبين القصيدة التي تحرر الوجدان والقصيدة التي تستثمره وبين الإبداع الذي يضيف إلى الإنسان معنى جديدا والأيديولوجيا التي تريد منه أن يرى العالم بعين واحدة وأن يردد ما تمليه عليه شعاراتها

فالشعر رسالة قبل أن يكون هتافا والإبداع حرية قبل أن يكون أداة والأمة التي تفقد قدرتها على التمييز بين جمال الكلمة وسموم الفكرة قد تجد نفسها تصفق للشعر بينما تتسلل الأيديولوجيا إلى وجدانها من حيث لا تشعر
اضغط "تحميل" ثم شاركها على فيسبوك أو إكس أو واتساب

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال